عودة “النوبي” إلى عدن تثير مطالبات بالمحاسبة
منذ 9 ساعات
عدن- عبدالرقيب اليعيسي في منتصف الشهر الماضي، تصدر اسم إمام النوبي، القائد السابق لمعسكر “عشرين” التابع لقوات الحزام الأمني في عدن، واجهة الجدل في اليمن، عقب تداول أنباء عن عودته إلى المدينة قادمًا من القاهرة، بعد سنوات من الغياب
وأثارت هذه العودة موجةً واسعةً من الغضب والاستنكار في الأوساط الإعلامية والحقوقية، وسط مطالبات بإخضاعه للمساءلة على خلفية اتهامات سابقة تتعلق بانتهاكات جسيمة
وتأتي هذه التطورات في سياق سياسي وعسكري معقد تشهده المحافظات الجنوبية والشرقية منذ مطلع عام 2026، حيث أدّت التحولات الميدانية إلى إعادة رسم موازين القوى، وانعكست على شكل السلطة ومراكز النفوذ
فبعد تصعيد عسكري في حضرموت والمهرة، تراجعت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي من مواقع عدة، تحت ضغط عمليات مضادة لقوات الحكومة اليمنية وبإسناد إقليمي؛ ما مهّد لمسارٍ سياسي جديد
وفي أعقاب ذلك، شهدت العاصمة السعودية الرياض مشاورات مكثفة بين الأطراف اليمنية، أفضت إلى إعلان حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي في 9 يناير 2026، أعقبها تشكيل حكومة جديدة في 6 فبراير، ضمن ترتيبات لإعادة تنظيم السلطة وتعزيز حضور الحكومة المعترف بها دوليًا
لم تقتصر هذه التحولات على إعادة توزيع النفوذ، بل فتحت المجال أيضًا أمام عودة شخصيات كانت قد غابت عن المشهد خلال السنوات الماضية
في هذا الإطار، تكتسب عودة إمام النوبي دلالةً تتجاوز بُعدها الفردي، إذ يربطها متابعون بإعادة تشكيل مراكز القوة داخل عدن، في ظل مرحلةٍ انتقالية تتسم بالتداخل بين الحسابات السياسية ومتطلبات الاستقرار الأمني
غير أن هذه العودة أعادت أيضًا فتح ملفات قديمة تتعلق بسجله خلال فترة نفوذه في مديرية كريتر
وكان النوبي قد غادر عدن عام 2021 عقب مواجهات مسلحة مع قوات تابعة للمجلس الانتقالي، انتهت بإخراجه من كريتر ضمن اتفاق لوقف الاشتباكات، بعد سقوط قتلى وجرحى، وسط حالة من الفوضى الأمنية التي شهدتها المدينة آنذاك
ومنذ ذلك الحين، ظلت ملابسات مغادرته وخروجه من البلاد غير واضحة، رغم حديث بعض القيادات عن احتجازه لفترة
وتتصل حساسية القضية بحجم الاتهامات المرتبطة باسمه، حيث تشير تقارير صحفية إلى أنه كان يتمتع بنفوذ واسعٍ في كريتر، واستغل موقعه في معسكر 20 لبسط السيطرة على أراضٍ وممتلكات بطرق غير قانونية، إلى جانب اتهامات باحتجاز نشطاء وصحفيين وتعذيبهم
زادت حدة الانتهاكات ضد حقوق الإسكان وملكية الأراضي العامة والخاصة في عدن عقب الصراع بين قوات جماعة الحوثي والقوات المناهضة لها في 2015، بحسب تقرير لمركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية، نشر في مايو 2024
ارتبط اسم إمام النوبي، الذي كان حينها قياديًا رفيعًا في قوات الأمن، بحالات استيلاء على أراضٍ وممتلكات داخل كريتر، في عام 2017، وفقًا للمصدر السابق
وظهر النوبي في مقطع فيديو نُشر على الإنترنت معلنًا أنه سيُقسّم أراضي قاعدة عسكرية (معسر 20) في كريتر، على أسر شهداء الحرب
تدخل حينها الرئيس السابق عبدربه هادي في وقف الأمر، لكن ظل أصحاب المساكن المجاورة للمعسكر يناشدون باستمرار لوقف تهديدات “النوبي” لهم ببيع منازلهم بأسعار أقل من سعر السوق
ورغم فرار النوبي وإحالته للتحقيق فإن الأرض والممتلكات لم تعاد لأصحابها ولم يُحاسب النوبي على أفعاله
وينوه تقرير مركز صنعاء بأن قصة “النوبي” ليست سوى نموذجًا لقضايا فساد مماثلة تورط فيها أفراد مدنيين، عسكريين وسياسيين، حيث أتاح الاختلال الأمني فرصةً للاستيلاء على العقارات الشاغرة وادّعاء ملكيتها
ونقل التقرير عن وثيقة حكومية صادرة عن الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة في مايو 2018، أن المدققين لم يجدوا أي سندات ملكية أو عقود إيجار في 11 % من قضايا الأراضي المقيّدة، أي في 479 من أصل 4,300 ملف تم التدقيق فيه، فضلًا عن ظهور ادّعاءات مستمرة من أفراد عاديين بملكيتهم للأراضي العامة لبيعها كأراضي خاصة
وبين عامي 2015 حتى 2024، باع 12 رجال أعمال 84 قطعة أرض كانت مملوكة للمؤسسة العامة للمياه والصرف الصحي في المدينة، كما باع ثلاثة رجال أعمال 162 هكتارا من الأراضي التي خصصتها وزارة الإنشاءات والإسكان والتخطيط الحضري كمساكن عامة، بينما باعت شركة عدن لتطوير الموانئ سرّاً أراضي مملوكة للدولة في المنطقة الحرة في عدن والتي تعد منطقة استراتيجية تُعفى فيها الشركات من الضرائب أو تُطالب بدفع ضرائب محدودة، وفقا لتقرير مركز صنعاء
إلى جانب ذلك، تبرز قضية اغتيال الناشط أمجد عبدالرحمن كأحد أكثر الملفات إثارةً للجدل المرتبطة باسم النوبي
ووفق تقرير استقصائي صادر عن “مركز الإعلام الحر“، في مارس 2025، فإن معسكر 20، الذي كان يقوده النوبي، ارتبط بسلسلة من الوقائع التي سبقت وتلت عملية اغتيال الناشط أمجد في مايو 2017
شملت تهديد الضحية واعتقاله قبل أيام من مقتله، إضافةً إلى مضايقات طالت زملاءه
وبحسب التقرير؛ فإن مسلحين تابعين للمعسكر حاولوا السيطرة على جثمان الضحية بعد مقتله، ومنعوا دفنه في مقبرة كريتر، كما نفذوا حملات تحريض ضده، اتهموه بالكفر والالحاد، واعتقلوا عددًا من زملائه الصحفيين، حيث تعرضوا للتعذيب والتهديد، في سياق محاولةٍ لترهيب محيطه الإعلامي
وكان الضحية أمجد قد قاد قبل مقتله بأشهر وقفة احتجاجية وحملة إلكترونية ضد هدم مسجد أثري في عدن
لاحقا تلقى أمجد تهديدات واعتقل وعذب في معسكر عشرين، الذي كان يقوده، النوبي، حسب منصة “فري ميديا“
وفي تعليقه على عودة “النوبي” إلى عدن، كتب الناشط الحقوقي، رياض الدبعي في أبريل الماضي، على حسابه في منصة “إكس“، أن هذه العودة “لا تُقرأ كحدثٍ أمني عابر، بل كاختبارٍ مباشر لقدرة الحكومة اليمنية على الالتزام بما تعلنه في ملف حقوق الإنسان”
رياض الدبعي، ناشط حقوقي: عودة إمام النوبي إلى عدن لا تُقرأ كحدثٍ أمني عابر، بل كاختبارٍ مباشر لقدرة الحكومة اليمنية على الالتزام بما تعلنه في ملف حقوق الإنسان”
وأضاف: “نادرًا ما يعود شخص تحيط به هذا الكم من الاتهامات الخطيرة، دون مسار قضائي واضح وعلني، فإن الرسالة التي تصل للناس بسيطة: الحماية ليست أولوية، والمساءلة قابلة للتجاوز”
ويقول الدبعي: “المشكلة لا تتوقف عند هذا الاسم وحده
هناك سجل متراكم من الانتهاكات المنسوبة لتشكيلات عسكرية وأمنية تعمل، بشكل أو بآخر، ضمن إطار الشرعية
في هذه الحالة، لا يعود ممكنًا فصل هذه الممارسات عن مسؤولية الحكومة؛ لأنها تُحسب عليها سياسيًا وقانونيًا، سواء أقرت بها أو تجاهلتها”
من الواضح أن البعض يرى في عودة “النوبي” إلى عدن وأخبار غير مؤكدة عن تعيينه في منصب أمني كبير، مؤشرًا على استمرار الإفلات من العقاب
كما تكشف هذه القضية تحديات عميقة تواجهها المرحلة الانتقالية في اليمن، خصوصًا فيما يتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون
في المحصلة، تضع عودة إمام النوبي السلطات اليمنية أمام اختبارٍ حقيقي، بين خيار المضي نحو المساءلة وفتح ملفات الانتهاكات، أو القبول بإعادة تدوير شخصيات متهمة بسجلات من الوقائع الجنائية ضمن توازنات سياسية هشة
وبين هذا وذاك، تبقى القضية مرآة تعكس طبيعة المرحلة: صراع بين منطق الدولة ومنطق القوة، في بلدٍ لم يحسم بعد معركته مع الفوضى
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن