غلاء الملابس والأضاحي “يذبح” فرحة العيد

منذ 2 ساعات

تعز– عبدالملك الأغبري مع اقتراب عيد الأضحى، تتضاعف الضغوط المعيشية على الأسر اليمنية، وسط موجة ارتفاع في أسعار الملابس والأضاحي وتراجع واضح في القدرة الشرائية

وبينما يحاول الأهالي تأمين الحد الأدنى من احتياجات العيد، تكشف الأسواق عن تفاوت كبير في الأسعار وتراجع في حركة الشراء مقارنةً بالسنوات الماضية

أم محمد، معلمة في مدينة تعز وأم لخمسة أطفال، لا تخفي شعورها بثقل العيد هذا العام، إذ تقول لـ”المشاهد”: “اضطررتُ إلى تقليص مشتريات العيد إلى الحد الأدنى، بعد أن عجزتُ عن توفير كسوة جديدة لجميع أولادي في ظل استمرار ارتفاع أسعار الملابس وتراجع القدرة المعيشية”

تضيف: “استدنتُ 70 ألف ريال مع مبلغ كنتُ قد أخرته خلال الأشهر الفائتة، وتمكنتُ من شراء ملابس لطفلين فقط، أصغرهما البالغ من العمر ثلاث سنوات، وابنتي ذات الخمس سنوات، فيما احتفظتُ بملابس أبنائي الثلاثة الأكبر، منذُ عيد رمضان الفائت، بعد أن أقنعتهم أنني احتفظت بها لأنها جميلة جدًا، ووعدتهم بإعطائهم بعض الهدايا صباح العيد”

تتابع: “الأطفال لا يعرفون وضعنا الاقتصادي، ولا يفهمون عجز الآباء، ولا يفكرون إلا بفرحة العيد، خاصة عندما يلتقون بأقرانهم صباح العيد وبَعدَه، ونحن لا نريد أن يشعروا بالغُبن أو النقص أمام الآخرين… هذا شعور مؤلم للغاية”

أم محمد، معلمة في تعز: الأطفال لا يعرفون وضعنا الاقتصادي، ولا يفهمون عجز الآباء، ولا يفكرون إلا بفرحة العيد، خاصة عندما يلتقون بأقرانهم صباح العيد وبَعدَه، ونحن لا نريد أن يشعروا بالغُبن أو النقص أمام الآخرين… هذا شعور مؤلم للغاية”

وأشارت إلى أن أسعار الملابس ما تزال مرتفعة رغم التحسن الذي شهده الريال العام الماضي، موضحةً أن “طقم الأطفال الذي كان يُباع عندما كان سعر الصرف عند 750 ريالًا ما يزال اليوم يُباع بالسعر نفسه، لكن لا أحد يعاقب التجار”

تتساءل أم محمد، عن أسباب التفاوت الكبير في الأسعار بين محل وآخر، حتى داخل السوق نفسه، دون وجود تسعيرة واضحة أو رقابة تحد من هذا التباين، مضيفةً: “كل شيء أصبح يحتاج ميزانية كبيرة، وحتى الأحذية أسعارها مرتفعة بصورة غير معقولة، فبدلة وحذاء لطفل عمره خمس سنوات قد تصل لسبعين ألف ريال، ونحن من أين لنا؟ أليس هذا جنون، واليوم لا نملك دخلًا حقيقيًا أو ثابتًا يؤمّن معيشتنا أو حتى الغذاء أحيانًا، فكيف نستطيع توفير كسوة العيد أو شراء أضحية؟”

أحد تجار الملابس في مدينة تعز، فضّل عدم ذكر اسمه، يقول في حديثه لـ”المشاهد”: إن أسعار الملابس شهدت هذا العام انخفاضًا طفيفًا مقارنةً بالأعوام الماضية، إلا أن تكاليف التشغيل، من أجور العمال والإيجارات والجبايات، ما تزال تُبقي الأسعار فوق قدرة كثير من الأسر

ويضيف: “طوال العام تكون الحركة التجارية ضعيفة للغاية، وغالبًا نعمل فقط لتغطية المصاريف، ولا نعتمد إلا على مواسم الأعياد التي نضع فيها هامش ربح بسيط يساعدنا على الاستمرار”

وأشار إلى أن ضعف القدرة الشرائية بات واضحًا هذا الموسم، في ظل تدني مستوى الدخل وانقطاع المرتبات، مؤكدًا أن كثيرًا من الزبائن يأتون للسؤال أو للمفاضلة بين الأسعار دون أن يتمكنوا من الشراء

ويتابع: “الكثير من الآباء لم يعودوا يهتموا بشراء ملابس لأنفسهم، وبالكاد يستطيعون توفير كسوة العيد لأطفالهم، بينما هناك أسر لم تعد قادرة على شراء احتياجات جميع الأبناء كما في السابق”

ويشير التاجر إلى أن الحركة التجارية خلال الأعوام الماضية كانت أفضل بكثير مقارنةً بالموسم الحالي، موضحًا أن فارق سعر الصرف آنذاك كان يدفع كثيرًا من المواطنين القادمين من منطقة الحوبان ومناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين إلى التوجه نحو مدينة تعز لشراء كسوة العيد واحتياجات أسرهم

ويقول: “في السابق كان المواطن عندما يصرف الألف السعودي في تعز يحصل على مبلغ يصل لقرابة 800 ألف ريال؛ ما يجعله قادرًا على شراء الملابس واحتياجات أخرى وتبقى معه نقود أيضًا، بينما المبلغ نفسه في مناطق الحوثيين قد لا يكفيه”

وأضاف أن هذا الفارق كان ينعكس على حجم الإقبال التجاري بشكل كبير، إذ كانت الأسواق تشهد حركةً نشطة من المتسوقين القادمين من خارج المدينة، إلى جانب تنشيط تجارة الجملة

وتابع: “هذه المرة الحركة ليست كما كانت من قبل بعد تحسن سعر الصرف هنا، حتى إننا كنا في مواسم سابقة نشحن بضائع لتجار صغار في مدينة إب، وكذلك لتجار في القرى والمناطق الريفية، لكن ذلك توقف هذا العام”

ويؤكد التاجر أن كثيرًا من الأسر التي تمكنت هذا العام من شراء كسوة العيد لأطفالها، لم تفعل ذلك بالاعتماد على دخل ثابت أو قدرة شرائية مستقرة، بل بفضل حوالات مالية من أقارب مغتربين أو عبر الاستدانة

ويختتم حديثه بالقول: “حتى من استطاع شراء الكسوة، فالكثير منهم ربما اعتمدوا على حوالات من أقاربهم المغتربين في الخارج أو استدانوا نقودًا، لأن الرواتب والدخل لم يعد يكفي لتغطية أبسط الاحتياجات، خصوصًا مع اقتراب العيد وتزايد الالتزامات على الأسر”

مدير مكتب الصناعة والتجارة بتعز عبدالرحمن القُلَيْعَة يقول لـ”المشاهد”: “إن التوترات والحرب القائمة بين الولايات المتحدة وإيران؛ وما تسببه من اضطراب لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ألقت بظلالها على الأسواق وأسعار السلع عالميًا، وليس في اليمن فقط”

مدير مكتب الصناعة والتجارة في تعز، عبدالرحمن القُلَيْعَة: “إن التوترات والحرب القائمة بين الولايات المتحدة وإيران؛ وما تسببه من اضطراب لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ألقت بظلالها على الأسواق وأسعار السلع عالميًا، وليس في اليمن فقط”

وأشار إلى أن تكاليف التأمين على الشحن ارتفعت، بحسب قوله، بنسبة تصل إلى 450% خلال الأسبوع الماضي، فيما بلغت مخاطر عبور السفن نحو ستة آلاف دولار للحاوية الواحدة، الأمر الذي انعكس على تكاليف الاستيراد والنقل

مؤكدًا أن أسعار الملابس والمواد الغذائية في محافظة تعز ما تزال، وفق تقديره، ضمن مستوياتها المعتادة، وأن أي ارتفاعات حدثت كانت “بنسب بسيطة” ومرتبطة بزيادة أسعار الوقود وأجور نقل البضائع من مصادر الشراء إلى المحافظة

منوهًا إلى أن مكتب الصناعة والتجارة وفروعه يواصلون مراقبة الأسواق وضبط المخالفات، مع متابعة مستمرة لمنع المغالاة واستغلال المواطنين خلال موسم العيد والإجازات الرسمية، مشيرًا إلى إصدار تعميم يتضمن أرقام غرفة العمليات التابعة للمكتب للإبلاغ عن أي مخالفات أو حالات استغلال

كما دعا المواطنين إلى التعاون مع المكتب والإبلاغ عن أي تجاوزات، بما يساعد على تنفيذ الرقابة وضبط الأسواق بالشكل المطلوب

لا تتوقف معاناة المواطنين عند كسوة العيد فقط

في سوق المواشي بحي السلخانة، تعز، يقول أحد الباعة: “إن أسعار الأغنام شهدت انخفاضًا طفيفًا مقارنةً بالعام الماضي، بعد أن وصل سعر الخروف المتوسط العام الماضي ما بين 600 – 750 ألف ريال، مرجعًا أسباب الإنخفاض إلى عزوف كثير من المواطنين عن شراء الأضاحي بسبب ظروفهم الاقتصادية الصعبة

أحمد ناصر، أحد المواطنين الراغبين في شراء أضحية، يقول لـ”المشاهد”: “إن سعر الخروف المتوسط بات يتجاوز قدرته الشرائية بشكل كبير، إذ يتراوح ما بين (400 – 500) ألف ريال؛ ما دفع بعض الأسر إلى الاشتراك في أضحية واحدة، فيما فضّل آخرون التخلي عن الشراء بشكل كامل

ويضيف متسائلًا: “من الذي يستطيع أن يشتري أضحية يصل سعرها إلى هذا الحد”

ويختتم حديثه قائلاً: “في يوم العيد سأذهب إلى المسلخ وأشتري كيلو من اللحوم بدلًا عن الأضحية، التي أصبحت بالنسبة لنا أقرب إلى فريضة الحج، من استطاع إليها سبيلًا، ومعظمنا لم يعد يستطع”

يرى الباحث الاقتصادي في مدينة تعز، حلمي الحمادي، أن ضعف القوة الشرائية أصبح عاملًا رئيسيًا في استمرار الغلاء، إذ يلجأ بعض التجار إلى رفع هامش الربح لتعويض تراجع المبيعات؛ ما يجعل موجات الغلاء تتكرر سنويًا

وفيما يتعلق بالملابس، يشير إلى أن تحسن سعر الصرف لا ينعكس سريعًا على الأسعار بسبب التكاليف الإضافية وحالة عدم الاستقرار، بينما ينعكس أي ارتفاع في سعر الدولار بشكل فوري، فيما يُعرف بالاستجابة غير المتكافئة للأسعار” في الاقتصاديات الهشة

وحول دور وزارة الصناعة والتجارة، يوضح أن مهامها يفترض أن تشمل مراقبة الأسواق، وإلزام التجار بإشهار الأسعار، وضبط المخالفات وحماية المستهلك، إلا أن أدوات الرقابة نفسها ضعفت خلال سنوات الحرب والانقسام بسبب محدودية الإمكانات، وغياب الأسواق المنظمة، وتوسع الاقتصاد غير الرسمي

ويضيف أن الجبايات والرسوم غير الرسمية أصبحت من أبرز أسباب ارتفاع الأسعار، إذ ترفع التكلفة النهائية للسلع بنسبة قد تصل إلى 25 – 35% بحسب بعض الدراسات السوقية لعام 2024؛ نتيجة تعدد نقاط التحصيل ورسوم النقل والمخاطر التجارية؛ لتتحول هذه الأعباء إلى جزء ثابت من هيكل السعر

كما يرى أن بعض القوى والنافذين عطّلوا دور الرقابة على الأسواق، لأن التسعير الحقيقي وفقًا لسعر الصرف والتكلفة يتعارض مع حجم الجبايات المفروضة؛ ما يجعل المواطن يشعر بأن الأسعار تُترك لاجتهادات التجار أكثر من خضوعها لسياسات سوق واضحة

ولا ينفي الحمادي استغلال بعض التجار للمواسم، خصوصًا الأعياد، لرفع الأسعار وزيادة الأرباح تحت ضغط حاجة الأسر للشراء، لكنه يشير في المقابل إلى أن كثيرًا من التجار يواجهون بالفعل ارتفاعًا حقيقيًا في التكاليف

ويؤكد أن الأثر الأعمق للأزمة لم يعد اقتصاديًا فقط، بل اجتماعيًا ونفسيًا أيضًا، إذ تغيّر مفهوم العيد لدى كثير من الأسر اليمنية، فبعد أن كان مرتبطًا بكسوة الأطفال والأضحية والزيارات والهدايا، أصبحت الأولوية اليوم لدى شريحة واسعة من الأسر هي “تجاوز العيد بأقل الخسائر الممكنة”؛ وهو ما يعكس، بحسب قوله، تراجع دور مؤسسات الدولة وانهيار السيادة المالية أكثر من كونه مجرد ارتفاع موسمي للأسعار

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن