فتحي أبو النصر : اليمن: جمهورية الفنادق وعاصمة الوداع

منذ يوم

فتحي أبو النصر  مرة أخرى، يتحول مطار عدن إلى ممر سريع لعبور القيادات اليمنية، التي يبدو أنها تُعاني من حساسية مُفرطة تجاه البقاء في الداخل

 رشاد العليمي يحزم أمتعته إلى الرياض، عيدروس الزبيدي يشد الرحال إلى أبو ظبي، وسلطان البركاني يتجه إلى القاهرة

ثلاث وجهات، ثلاث عواصم، ثلاث تذاكر مفتوحة على حساب القضايا الوطنية العالقة

والشاهد يبدو أن هؤلاء القادة مصابون بحمى السفر الاستراتيجي، تلك التي تجعلهم يُفضِّلون إدارة البلاد عن بُعد، بينما يغرق المواطن في مستنقع الأزمات بلا سفينة نجاة

بل في عرف السياسة اليمنية، يبدو أن الوجود الفعلي في الداخل ترفٌ لا يناسب المقام الرفيع للقيادة

والحق يقال لا يمكن لعدن أن تستقر، لأنها تحوَّلت إلى محطة وقوف مؤقت، إذ لا يطول المقام بأحد

فكلما وصلت شخصية قيادية، لم يمضي وقتٌ طويل حتى تغادر

وكأن البقاء فيها عقوبة، أو كأنها مدينة تُصيب الزائرين برغبة عارمة في الفرار

بل في الوقت الذي يعاني فيه اليمني من انقطاع الرواتب، وتدهور العملة، والانفلات الأمني، يصر المسؤولون على السفر وكأنهم موظفو طيران، يتنقلون بين العواصم بحثا عن الحلول، لكن دون نتيجة تُذكر سوى مزيد من الاجتماعات العقيمة، واللقاءات الفارغة، والوعود التي تنتهي في صالات الانتظار

ببساطة، القرار اليمني لم يعد داخل اليمن

الشرعية تدير البلاد من الرياض، المجلس الانتقالي يوازن مواقفه مع أبو ظبي، والبرلمان يفضل الاجتماعات في القاهرة

هذا الوضع لم يعد مجرد ظرف استثنائي، بل أصبح قاعدة سياسية تُدار على أساسها البلاد

ولعل من المثير للسخرية أن هؤلاء القادة عندما يتحدثون عن السيادة الوطنية، فإنهم يفعلون ذلك من خلف نوافذ الفنادق الفاخرة في الخارج

كما عندما يتحدثون عن ضرورة التصدي للميليشيات، فإنهم يفعلون ذلك من قاعات الاجتماعات المكيفة بعيدا عن رائحة البارود والدم في الجبهات

لكن إذا كانت العواصم الأخرى هي مراكز اتخاذ القرار، فلماذا لا يتم نقل اليمن رسميا إلى هناك؟ لماذا لا يتم استبدال مدينة عدن بمقر دائم للحكومة في الرياض، أو أبو ظبي، أو القاهرة؟ هكذا، على الأقل، سيكون لدينا قيادة تعيش في مقر دائم بدلا من فندق يتغير اسمه كلما تجددت فترة الإقامة

لكن لا، هناك حاجة دائمة لوجود القيادة في عدن، ولو لأيام معدودة، لالتقاط الصور، وعقد المؤتمرات الصحفية، والتقاط أنفاس الوداع قبل العودة إلى الرحلات الدولية

 وطبعا في هذه الأثناء، المواطن اليمني لا يجد مخرجا مجديا، لا إلى الرياض، ولا أبو ظبي ولا إلى القاهرة، ولا حتى إلى بر الأمان

لنخلص إلى أنه لا يمكن لدولة أن تنهض وقادتها يتعاملون معها كمحطة عبور مؤقتة

لا يمكن لليمن أن يتعافى ومسؤولوه يفرون كلما زادت اشكاليات المشهد

 لكن لربما آن الأوان لقيادتنا أن تختار: إما أن تبقى لتواجه الواقع، أو أن تعلن استقالتها وتترك المجال لمن لديه الجرأة للبقاء

أما أن يظل الوطن مجرد فندق بدرجة أزمة، فهذا ما لا يمكن قبوله بعد الآن

!