فرّوا من الحرب .. فلاحقتهم مرة أخرى
منذ يوم
تعز- نجوى حسنفي ريف تعز، لا ينتهي النزوح عند الوصول إلى مكانٍ جديد؛ فبعض الأسر التي فرّت من خطوط النار في مناطق الكدحة، مقبنة، جبل حبشي، والوازعية مطلع سبتمبر 2026 إلى مخيمات النزوح في عزلة السواء التابعة لمديرية المعافر أو إلى مدينة تعز، وجدت نفسها مضطرةً إلى الفرار مرةً أخرى بعد اقتراب المواجهات من أماكن نزوحها
ليلًا، كانت عائلة سلطان، وهو اسم مستعار لنازحٍ من جبل حبشي، تغادر منزلها على عجل
لم يكن هناك وقت لجمع الأثاث أو التفكير فيما سيحدث في اليوم التالي
كانت القذائف الثقيلة قد بددت هدوء المنطقة، والخوف الذي أصاب الأطفال وزوجته جعل البقاء مستحيلًا
وقف سلطان يراقب حركة النازحين وهم يسلكون طرقًا وعرة، بينما كان لا يملك وسيلةً للخروج
لم يجد أمامه سوى الاتصال بأحد أصدقائه، طالبًا منه المساعدة
وصل صديقه قرابة منتصف الليل، فركبت الأسرة السيارة وانطلقت في طريقٍ لا تعرف نهايته
نام الأطفال داخل السيارة أثناء الرحلة، بينما ظل الأب مستيقظًا، يتنقل بهم بين طريقٍ وآخر، بحثًا عن مكانٍ يمكن أن يمنحهم ساعاتٍ قليلةً من الأمان
عند الخامسة فجرًا، توقفت الأسرة في منطقةٍ خارج جبل حبشي
لم يكن هناك منزل أو مخيم مجهز لاستقبالهم
جلسوا بجوار الطريق، يتقاسمون برد الصباح والعطش والجوع والمرض، في انتظار أن يعرفوا إلى أين ستكون خطوتهم التالية
قال سلطان لـ”المشاهد”: “كنا عايشين في أمن وأمان، والحمدلله على كل حال
عند دخول الحوثيين وسيطرتهم على المنطقة وبدء الضرب بالأسلحة الثقيلة، حصل رعب وبدأ الناس بالنزوح”
وأضاف: “كنتُ جالسًا وقلق، أرى الناس ينزحون عبر طريقٍ وعر، وأنا لا أملك شيئًا سوى الدعاء
زوجتي تتألم، وأبنائي وأطفالي لا ينامون من الخوف”
لم تكن الرحلة مجرد انتقالٍ من منزلٍ إلى آخر
كانت الأسرة تغادر كل شيء تقريبًا
قال سلطان: “اتصلتُ بصديقٍ وقلتُ له ما العمل، فقال لي سأخرجك أنت وأسرتك، لا تقلق
وبالفعل، خرجنا منتصف الليل”
وعندما بدأت ملامح الصباح تظهر، كانت الأسرة قد قطعت مسافةً طويلة من الخوف
قال سلطان: “الأطفال ناموا داخل السيارة، وأنا أسير ولا أدري إلى أي مكان سأصل
وصلتُ إلى إحدى المناطق الساعة الخامسة فجرًا، وجلستُ بجوار الخط، بين برد الصباح وشمس النهار، ومعنا الظمأ والجوع والمرض”
كانت زوجته بحاجةٍ إلى العلاج، فنقلها إلى المستشفى صباحًا، لكن رحلة الأسرة لم تتوقف عند باب المستشفى
قال سلطان: “ذهبتُ المستشفى صباحًا لإسعاف زوجتي الحامل، لكن مع هول الفاجعة لم تلد إلى اليوم”
وجدت الأسرة منزلًا بالإيجار، لكنه بلا كهرباء ولا تتوفر فيه أبسط متطلبات الحياة
ومع استمرار النزوح، وجد سلطان نفسه أمام أعباءٍ جديدة لا يستطيع تحملها
قال لـ”المشاهد: “صاحب المنزل الآن، ومع كثرة النزوح، يريد الإيجار، ويريد خزانًا والكهرباء، وأنا لا أملك شيئًا من هذا، حتى وايت الماء”
ترك سلطان أثاث منزله خلفه، ولم يحمل معه سوى ما أمكن إنقاذه في لحظات الهروب
قال: “تركتُ كل أثاث بيتي
نحن نعيش في قلقٍ واكتئاب، ووضع يرثى له”
ويناشد سلطان المنظمات الإنسانية ورجال الأعمال وأهل الخير لمساعدة أسرته وغيرها من الأسر التي وجدت نفسها في مواجهة حياة جديدة بلا مأوى مستقر أو مصدر دخل
ما عاشته أسرة سلطان لا يبدو حادثةً منفردة، ففي مناطق ريفية عدة بمحافظة تعز، وجدت أسر، كانت قد نزحت في السابق، نفسها أمام نزوحٍ جديد، بعدما أصبحت مواقع نزوحها غير آمنة
في مقبنة، عاش بسام، وهو اسم مستعار، الساعات الأخيرة داخل منزله وسط القصف
قال بسام لـ”المشاهد”: “كانت الأسرة في حالة رعبٍ ورهبة لا توصف، ورأينا الموت حين كانت القذائف تضرب بشكل كبير، مع الرصاص العشوائي، ولم يكن لدى الأسرة وقت لجمع أغراضها”
قال: “تركنا جميع الأغراض وكل ما نملك، وخرجنا مشيًا على الأقدام
عشنا في رعبٍ ورهبة وقلق، ودماء تسفك، لا أقدر أن أصف ذلك الشعور”
تتكون أسرة بسام من تسعة أشخاص، بينهم امرأتان وأربعة أطفال، إضافةً إلى أفراد تتراوح أعمارهم ما بين 13 و18 عامًا
وصلت الأسرة إلى مدينة تعز، واستقرت في الروضة، لكن الخوف لم يتوقف عند حدود المكان الذي وصلت إليه
في موزع، يحمل رأفت جميل، وهو اسم مستعار لنازح، قصةً أخرى عن الخسارة التي تخلفها الحرب
تتكون أسرته من عشرة أفراد
يقول إنهم كانوا يعيشون حياةً مستقرة، وكان أطفالهم يذهبون إلى المدارس، وكانت الأسرة تعتمد على مزرعة بصل توفر لها دخلًا يساعدها على تلبية احتياجاتها
قال رأفت لـ”المشاهد”: “كنا مرتاحين نحن وأطفالنا وعائلتنا، ومستوري الحال، نعلم أبناءنا، وكانت حالتنا المعيشية ممتازة، لكن الحرب قلبت حياتنا رأسًا على عقب”
قال: “في الفترة الأخيرة من الحرب عانينا من الرصاص والهاونات والقذائف التي كانت تضرب منازلنا
وهناك من مات بسبب الحرب، أطفالنا خافوا، ولم تقتصر الخسارة على المنزل والأمان” عدد الأسر في مخيمات الكدحة والمناطق والعزل والمديريات المرتبطة بها، وصولًا إلى المعافر، بلغ نحو 1750 أسرة
قال رأفت: “أبناؤنا اضطروا لترك مدارسهم، والمواشي نفقت، وتضطر تخرج من بلدك بسبب الحرب”
“أما مزرعة البصل التي كانت مصدر دخل للأسرة، فلم تعد قادرة على توفير الحياة التي اعتادوا عليها، ودخل البيت كان يدرس أطفالنا ونأكل ونشرب ونحن مرتاحين، والآن تغير حالنا إلى الأسوأ”
على الأرض، تكشف بيانات فريق الطوارئ عن حجم الحركة التي شهدتها مناطق النزوح
وقال عبدالعزيز عبدالله سعيد، من فريق الطوارئ في الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، لـ”المشاهد”: “إن عدد الأسر في مخيمات الكدحة والمناطق والعزل والمديريات المرتبطة بها، وصولًا إلى المعافر، بلغ نحو 1750 أسرة”
وأوضح أن من بين هذه الأسر نازحين للمرة الثانية، كانوا قد نزحوا سابقًا من مناطق مثل مقبنة والكدحة إلى جبل حبشي، قبل أن يضطروا إلى النزوح مجددًا بعدما أصبحت مخيمات ومواقع نزوحهم غير آمنة
وقال سعيد: “إن النزوح الأخير كان مفاجئًا، فبعض الأسر فرت من مناطق الصراع باتجاه مناطق اعتبرت أكثر أمانًا، بينها المعافر، النشمة، وعزلة السواء، لكن ليس جميع النازحين استطاعوا المغادرة”
وأوضح أن بعض الأسر ظلت عالقةً في مناطق الصراع بسبب عدم قدرتها على توفير وسائل النقل، أو لامتلاكها مواشي وممتلكات يصعب تركها، مشيرًا إلى أن بعض الأسر فقدت أفرادًا أثناء الهروب، بينهم أطفال، وفق ما رصده فريق الطوارئ
مع تدفق النازحين، لم تكن هناك مواقع بديلة مجهزة لاستقبال الجميع
وقال سعيد: “إن بعض النازحين لجأوا إلى المخيمات السابقة في جبل زيد والبيرين، فيما لجأت أسر أخرى إلى مبانٍ غير مكتملة ومدارس ومراكز حكومية، بينما اضطر بعض الرجال إلى اللجوء للفنادق”
وخلال الأيام الثلاثة الأولى من موجة النزوح، يقول سعيد: “إن بعض الأسر نامت في العراء، وأخرى في الحارات، فيما أقام آخرون في تجمعاتٍ مؤقتة على الشوارع”
وفي بعض الحالات، اضطرت أكثر من ثلاث أسر إلى مشاركة خيمةٍ واحدة، بينما نام الرجال في الشوارع، واستضافت النساء نساءً نازحات أخريات داخل مبانٍ غير مكتملة ومراكز حكومية
استجابة لمواجهة النزوح المفاجئقال سعيد: “إن الوحدة التنفيذية ولجنة الطوارئ عملتا على رصد الأسر النازحة وإحالتها إلى الشركاء الإنسانيين للحصول على المساعدات الطارئة، إلى جانب التنسيق لتوفير المأوى والمواقع الآمنة”
وأوضح أن الأولوية تتمثل في تثبيت النازحين مؤقتًا في مواقع بعيدة عن مناطق الصراع وقريبة من الخدمات، إلى حين وصول المساعدات الإنسانية
وراء كل رقم منزلٍ تُرِك، ومدرسةٍ توقفت، ومزرعة أغلقت، وخيمةٍ لم تعد آمنة، وطفلٍ يحمل معه خوف القذائف إلى مكان يفترض أن يكون أكثر أمنًا، لم يعد السؤال أين يمكن العيش فقط، بل كيف سيعيشون، وما الذي سيحدث إذا اضطروا إلى الرحيل مرةً أخرى
بالنسبة إلى سلطان وبسام ورأفت، سلطان ترك منزله وأثاثه، وبسام ترك أغراض أسرته خلفه، ورأفت فقد مصدر دخل كان يعيل أبناءه
ثلاث حكايات مختلفة، لكنها تلتقي عند المعنى نفسه: “النزوح الذي كان يفترض أن ينتهي بالوصول إلى الأمان، تحول إلى دائرةً مفتوحة من الفرار”
في ريف تعز، لا يحمل النازحون معهم متاعهم فقط؛ يحملون سؤالًا أثقل من كل ما تركوه خلفهم: “إذا اقتربت الحرب من المكان الذي لجأنا إليه هذه المرة، فأين سيكون الملاذ التالي؟ هنا، يصبح النزوح أكثر من مجرد انتقال جغرافي”
إنه فقدان متكرر للبيت، والأمان، ومصدر الرزق، والمدرسة، والاستقرار؛ حتى يصبح الوصول إلى مكانٍ آمن مؤقتًا، لا يعني بالضرورة أن رحلة الهروب قد انتهت
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن