كيف يتصيد المبتزون ضحاياهم في ريف اليمن؟
منذ 4 أيام
عدن- خديجة خالدفاطمة (اسم مستعار لحمايتها خوفا من الانتقام)، في الثلاثين من عمرها من إحدى أرياف اليمن، لم تقع ضحية ابتزاز إلكتروني من مجهول على الإنترنت، بل من ضابط شرطة ينتمي إلى نفس قريتها
قصة بدأت برابط عابر وانتهت بمحاولة انتحار ودخول مستشفى الأمراض النفسية
تروي فاطمة لـ”المشاهد” أن كل شيء بدأ عندما وصلها رابط عبر هاتفها المحمول، وما إن فتحته حتى اختفت ملفات كثيرة من جهازها، بينها صورها الشخصية
بعد أيام، بدأ رقم غريب يرسل لها تلك الصور، مهددًا بإرسالها إلى زوجها المغترب في دولة خليجية إن لم تدفع مبلغًا ماليًا
تقول: “لم أكن أعرف ماذا أفعل، الخوف شلّ تفكيري، ولم أجرؤ على إخبار أحد”
استمر الابتزاز أشهرًا، باعت خلالها فاطمة كل ذهبها، ثم اقترضت من أهلها بحجج مختلفة، ولاحقًا طلبت المال من زوجها دون أن تصارحه بالحقيقة
لكن المبتز لم يتوقف؛ بل رفع مطالبه، وفبرك صورًا لها إلى جانب أشخاص غرباء، وهدد بنشرها لإحكام السيطرة عليها نفسيًا
عاد الزوج من غربته ليجد زوجته غارقة في اكتئاب حاد، وقد تغيرت ملامحها وسلوكها
حاول محاورتها مرارًا، لكنها التزمت الصمت، مدركةً أن الإفصاح قد يعني نهايتها داخل أسرة ومجتمع لا يرحمان
وفي أحد الأيام، وأثناء مشاهدتهما مقاطع توعوية عن الابتزاز الإلكتروني، حذرها الزوج من الروابط والأرقام المجهولة، وطلب منها إخباره بأي شيء تتعرض له
اكتفت بالإيماء برأسها
بعد خروجه من المنزل لزيارة والده، دخلت فاطمة غرفتها وكتبت رسالة بخط يدها، كشفت فيها كل ما مرت به، بدءًا من الرابط، وصولًا إلى تورط زوجة الضابط في إيصالها إليه
تركت الرسالة على مكتبه، ثم شربت علبة دواء خاصة بالتهابات الصدر، في محاولة لإنهاء حياتها
أنقذها الزوج بعد أن كسر باب الغرفة، وبقيت أيامًا في المستشفى
هناك، قرأ رسالتها، وجمع الأرقام التي دونتها في “وصيتها”، وتواصل مع خبير أمن رقمي، لتتكشف له تفاصيل الابتزاز كاملة
اختار الزوج عدم إبلاغ أهلها، وبدأ رحلة علاجها النفسي بإشراف مختصين، لتبدأ فاطمة تدريجيًا تجاوز الصدمة
ورغم دعمه الظاهر، تقول فاطمة إن نظرته تغيرت، إذ حذف كل التطبيقات التي كانت تتواصل عبرها معه، مكتفيًا بالمكالمات الهاتفية
ما تخشاه اليوم، بعد نجاتها من الموت، ليس فقط آثار الصدمة، بل أن يتحول زوجها نفسه إلى ضحية أخرى، بعد أن بدأ –كما تقول– “يعد العدة للانتقام من الضابط الذي سرق أموالها وعافيتها”
هل سبق أن تلقيتِ رسالة بدت آمنة ثم اكتشفتِ أنها خادعة؟ كيف تصرفتِ؟ #الأمان_الرقمي_حق_وواجب pic
com/zzMG45Ah33يقول خبير الأمن الرقمي، عزمي غالب لـ”المشاهد”: “إن الابتزاز الإلكتروني ضد الفتيات في اليمن يبدأ في الغالب بعلاقات عاطفية تنشأ عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع أشخاص غرباء، حيث تتحول هذه العلاقات تدريجيًا إلى وسيلة ضغط وتهديد”
عزمي غالب، خبير أمن رقمي: الابتزاز الإلكتروني ضد الفتيات في اليمن يبدأ في الغالب بعلاقات عاطفية تنشأ عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع أشخاص غرباء، حيث تتحول هذه العلاقات تدريجيًا إلى وسيلة ضغط وتهديد”
ويوضح أن ما يقارب 80 إلى 90 % من حالات الابتزاز تنطلق من هذا المسار، إلى جانب أساليب أخرى، أبرزها اختراق الحسابات عبر تخمين كلمات المرور، أو استغلال شرائح الاتصالات المرتبطة بحسابات التواصل أو البريد الإلكتروني؛ ما يتيح للمبتز الوصول إلى البيانات الخاصة للضحية
ويشير غالب إلى أن الفتيات في المناطق الريفية أكثر عرضة لهذا النوع من الجرائم بسبب ضعف الوعي الرقمي، وسهولة بناء الثقة مع الغرباء، ووجود وقت فراغ كبير، إضافةً إلى استخدام كلمات مرور ضعيفة، مثل الأسماء أو أرقام الهواتف
ويؤكد غالب أن الوقاية تبدأ بقطع التواصل مع المبتز فور تلقي التهديد، وعدم التفاوض أو دفع أي مبالغ مالية؛ لأن ذلك يؤدي إلى تصعيد الابتزاز بدل إيقافه
كما يشدد على أهمية إبلاغ الأسرة أو شخص موثوق داخلها، أو اللجوء إلى الجهات الأمنية المختصة بوحدات مكافحة الابتزاز الإلكتروني
وفيما يتعلق بسبل الوقاية، يدعو خبير الأمن الرقمي إلى تعزيز التوعية في المناطق الريفية عبر حملات ميدانية ودورات تدريبية، وإدخال مفاهيم السلامة الرقمية في المدارس
إلى جانب تأمين الحسابات باستخدام كلمات مرور قوية وتفعيل المصادقة الثنائية، وعدم التواصل مع أشخاص مجهولين، معتبرًا أن هذه الإجراءات تمثل خط الدفاع الأول لحماية الفتيات من الابتزاز الإلكتروني
لا يترك الابتزاز الإلكتروني أثره عند حدود الخوف الآني، بل يتسلل عميقًا إلى الصحة النفسية للفتيات في الأرياف، حيث يتحول القلق المستمر والتهديد بالفضيحة إلى عبء نفسي ثقيل، يقود إلى الاكتئاب والعزلة واضطرابات الثقة، في بيئات تفتقر غالبًا إلى الدعم النفسي والحماية المجتمعية
تؤكد الأخصائية النفسية في جامعة تعز، أنجيلا سلطان، أن الابتزاز الإلكتروني يخلّف آثارًا نفسيةً خطيرة على الفتيات، تبدأ باضطرابات القلق والعزلة الاجتماعية واضطرابات النوم والأكل وتقلبات المزاج، وقد تتطور إلى اكتئاب حاد واضطراب ما بعد الصدمة، وصولًا إلى التفكير في الانتحار أو الإقدام عليه في بعض الحالات
الأخصائية النفسية في جامعة تعز، أنجيلا سلطان: الابتزاز الإلكتروني يخلّف آثارًا نفسيةً خطيرة على الفتيات، تبدأ باضطرابات القلق والعزلة الاجتماعية واضطرابات النوم والأكل وتقلبات المزاج، وقد تتطور إلى اكتئاب حاد واضطراب ما بعد الصدمة، وصولًا إلى التفكير في الانتحار أو الإقدام عليه في بعض الحالات
”وتوضح سلطان أن الفتيات في المجتمعات الريفية أكثر عرضة للأذى النفسي؛ بسبب ثقافة العيب والعار، ما يدفعهنّ إلى الصمت أو التفاعل مع المبتز خوفًا على السمعة؛ ما يفاقم الانتهاك
وتشدد سلطان على أن الصمت وعدم طلب الدعم النفسي يزيدان من خطورة الحالة، مؤكدةً أن التدخل المبكر عبر جلسات علاجية آمنة وسرية، حضورية أو عبر الإنترنت، يمكن أن يساعد الضحية على تجاوز الصدمة واستعادة توازنها النفسي
كيف يمكن استعادة التوازن النفسي بعد التعرض للابتزاز الرقمي؟ #الأمان_الرقمي_حق_وواجب pic
com/FhQH81jbfAلا يقتصر خطر الابتزاز الإلكتروني على الخسائر المادية أو الأذى النفسي الذي تتعرض له الضحية، بل يمتد ليصيب البنية الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع المحلي
وفي هذا السياق، يوضح صالح الباخشي، إخصائي اجتماعي في عدن، في حديث مع “المشاهد” أن انتشار الابتزاز الإلكتروني في الأرياف يعود إلى الجهل بوصفه أحد أبرز مسببات المشكلات الاجتماعية، مؤكدًا أن هذه الظاهرة تجد في البيئات الريفية أرضًا خصبة للنمو، خصوصًا عندما تمتلك الضحية مجوهرات أو أموالًا يستغلها المبتز كوسيلة ضغط مستمرة
ويشير الباخشي إلى أن الطبيعة المتعارف عليها للمجتمع الريفي، حيث تسود روابط الدم وتتشابك العلاقات الاجتماعية؛ تجعل من الفضيحة سلاحًا بالغ الخطورة، يدفع الضحايا –خاصة النساء– إلى الاستسلام للمبتز؛ خوفًا من اللوم والعار وكل ما يُعد “مخلًا بالشرف” وفق الأعراف السائدة، حتى وإن كان ذلك على حساب سلامتهنّ النفسية والاقتصادية
ويحذر الباخشي من أن الآثار الاجتماعية للابتزاز لا تتوقف عند حدود الضحية، بل تمتد على المدى الطويل لتؤسس لعلاقاتٍ أسريةً مضطربة، يسودها الشك والخوف الدائمين، وهو ما ينعكس سلبًا على المجتمع الريفي البسيط، ويعمّق دائرة الصمت والخضوع بدل المواجهة والحماية
لا تتوقف تبعات الابتزاز الإلكتروني عند حدود الأذى النفسي والاجتماعي، بل تتعداها لتضرب الاستقرار الاقتصادي للضحايا وأسرهنّ، في بيئاتٍ تعاني أصلًا من هشاشة الدخل وغياب الحماية، وهو ما يوضح حجم الخسائر التي تخلّفها هذه الجريمة على المستوى المعيشي
يؤكد الصحفي الاقتصادي نبيل الشرعبي في حديث مع “المشاهد” : أن الابتزاز الإلكتروني يضاعف هشاشة النساء الاقتصادية في ظل غياب التشريعات الرادعة وضعف المحاسبة المجتمعية، إلى جانب عادات وتقاليد تُبقي الفتاة في موقع الضحية
ويوضح أن المبتزين غالبًا ما يستهدفون الفتيات اللواتي يمتلكنّ مدخرات أو ينتمينَ لأسرٍ ميسورة؛ ليتم استنزاف مواردهنّ ومجوهراتهنّ ودفعهنّ إلى الاستدانة؛ ما يُقوّض أي فرصة للاستقلالية الاقتصادية
ويضيف أن الأثر النفسي المصاحب للابتزاز يعطل قدرة الضحية على العمل والإنتاج، ويعزز عزلتها وخروجها من سوق العمل، مؤكدًا أن الابتزاز لا يواكب الفقر فحسب، بل يسهم في صناعته عبر إفقار ممنهج يستنزف المال والطاقات وصولًا إلى فقر “بفعل فاعل”
وفيما يتعلق بالحماية القانونية لضحايا الابتزاز الإلكتروني، يؤكد المحامي عمر الحميري، أن منظومة القوانين اليمنية تعاني قصورًا واضحًا في التعامل مع هذا النوع من الجرائم؛ نتيجة تقادم التشريعات وتعقيد الإجراءات؛ ما يحرم الضحايا من الوصول إلى حماية فعّالة ووضع حد لانتشار الظاهرة
ويشير الحميري إلى أن النظام القانوني الحالي يعتمد على قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994 وتعديلاته، حيث يتم تكييف جرائم الابتزاز وفق المادة (313) التي تجرّم طلب منافع مادية أو معنوية عن طريق التهديد، بعقوبة قد تصل إلى خمس سنوات حبس
إلا أن اتساع مفهوم الابتزاز الإلكتروني، بحسب الحميري، يستدعي الاستناد إلى نصوص أخرى ذات صلة، مثل جرائم التهديد بنشر الأسرار الخاصة، والتعدي على حرمة الحياة الخاصة، وبعض أفعال الفعل الفاضح، بما يتناسب مع طبيعة الجريمة الإلكترونية
ويلفت الحميري إلى أن الإشكالية لا تكمن في النصوص القانونية فقط، بل في صعوبة الوصول إلى العدالة عبر الإجراءات القضائية المعتادة، خاصة في ظل خصوصية أدلة الإثبات الرقمية، وضعف الإمكانات الفنية لدى أجهزة التحري والضبط القضائي في تتبع مرتكبي هذه الجرائم
كما أن خشية الضحايا من التشهير والعزل الاجتماعي، أو من انكشاف خصوصية المواد المستخدمة في الابتزاز، تدفع كثيرات إلى العدول عن التبليغ، خصوصًا في القضايا التي تُعد “محدودة الضرر” ظاهريًا
ولتجاوز هذه العقبات، يشدد الحميري على ضرورة تفعيل مبدأ سرية التحقيقات المنصوص عليه في قانون الإجراءات الجزائية بشكل صارم، مع تقييد بلاغات الابتزاز وحفظ الأدلة في سجلات خاصة، وبإجراءات تحمي المحتوى الحساس من التداول، واعتماد أدوات رقمية آمنة لحفظ الأدلة
كما يقترح أن تُعقد محاكمات قضايا الابتزاز في جلسات مغلقة وجوبًا، ومنح الضحايا الحق في عدم الكشف عن هوياتهنّ في محاضر الاستدلال، واستبدالها برموز لا يطلع عليها إلا القاضي وهيئة المحكمة
وعلى مستوى الإصلاحات، يدعو الحميري إلى إصدار قانون خاص لمكافحة جرائم المعلومات يراعي خصوصية الجرائم الإلكترونية، والنص صراحة على عدم جواز ملاحقة الضحية جنائيًا عن أي محتوى استُخدم في ابتزازها؛ تفاديًا لمحاكمتها بتهم معاكسة
كما يؤكد أهمية تدريب كوادر متخصصة في النيابات والمحاكم، وإنشاء دوائر نوعية للفصل السريع في القضايا الإلكترونية، إلى جانب تأهيل كادر نسائي مختص في البحث الجنائي للتعامل مع الضحايا؛ بما يضمن الكرامة الإنسانية والخصوصية المجتمعية
المحامي عمر الحميري: أهمية تدريب كوادر متخصصة في النيابات والمحاكم، وإنشاء دوائر نوعية للفصل السريع في القضايا الإلكترونية، إلى جانب تأهيل كادر نسائي مختص في البحث الجنائي للتعامل مع الضحايا؛ بما يضمن الكرامة الإنسانية والخصوصية المجتمعية
”أمام تصاعد جرائم الابتزاز الإلكتروني ضد فتيات الريف، لا يمكن اختزال المواجهة في وعي الضحايا وحده، بل تتوزع المسؤولية بين الأسرة والمجتمع والجهات الرسمية والمؤسسات القانونية والإعلامية، بما يفرض البحث عن حلول متكاملة تكسر الصمت، وتوفر الحماية، وتمنع إعادة إنتاج الجريمة
وفي حديث مع “المشاهد”، أقرّ مدير مكتب محافظ الضالع، عبدالسلام قاسم، بغياب الإجراءات الرسمية الفاعلة للتعامل مع جرائم الابتزاز الإلكتروني، مرجعًا ذلك إلى عدم وجود تشريعات قانونية واضحة أو لوائح تنظيمية تنظم هذا النوع من الجرائم
وأوضح أن المنظومة التشريعية في البلاد ما تزال متأخرة عن مواكبة هذا الملف الحساس، رغم ما يخلّفه من آثار مدمرة على الأسرة والنسيج الاجتماعي، ويسهم في تفكيك العلاقات داخل المجتمع
وفيما يتعلق بوصول خدمات الحماية إلى المناطق الريفية، أكد قاسم أن هذه الخدمات لم تصل بعد، لا إلى الريف ولا إلى الحضر، مشيرًا إلى أن ما هو قائم حاليًا لا يتجاوز جهودًا فردية ومحدودة، يقودها عدد قليل من الخطباء والمثقفين في إطار التوعية المجتمعية، دون أن ترتقي إلى مستوى برامج مؤسسية شاملة
وشدد قاسم على أهمية اضطلاع الجهات الرسمية بدورها في هذا الجانب، عبر تطوير الأطر القانونية، وتعزيز الشراكة مع المؤسسات المجتمعية والإعلامية، والعمل على إطلاق برامج توعوية وحمائية منظمة، تضمن حماية الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها النساء والفتيات، من مخاطر الابتزاز الإلكتروني
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن