مائدة رمضان بين “وهم التحسن” و”واقع الغلاء”
منذ 4 ساعات
تعز- نجوى حسن & إلهام القاضيلم تعد مائدة رمضان في مدينة تعز تحمل بهجة الماضي، فما كان يومًا رمزًا للكرم والوفرة، تحول اليوم إلى مرآة تعكس قسوة الواقع المعيشي، حيث تقلصت الأصناف وتزايدت الأوجاع
وبينما تتذبذب أرقام سعر الصرف يظل المواطن التعزي أسيرًا لأسعار المواد الغذائية التي تأبى الانصياع لأي تحسن، لتظل مائدة رمضان “خاوية” إلا من هموم تدبير القوت اليومي
“المشاهد ” يرصد في هذا التقرير الصحفي معاناة الأسر، ويستنطق خبراء الاقتصاد والتجار لكشف الفجوة الصارخة بين المؤشرات الرسمية والواقع المعيشي المرير
تصف غادة سنان، مواطنة في تعز، واقع مائدتها الرمضانية قائلة: “التحديات الاقتصادية حاصرتنا من كل جانب، ولم نعد قادرين على توفير أبسط الأساسيات من مياه وكهرباء وغاز، ناهيك عن الغذاء، ونحن أسرة مكوّنة من سبعة أفراد”
غادة سنان، مواطنة في تعز، واقع مائدتها الرمضانية قائلة: “التحديات الاقتصادية حاصرتنا من كل جانب، ولم نعد قادرين على توفير أبسط الأساسيات من مياه وكهرباء وغاز، ناهيك عن الغذاء، ونحن أسرة مكوّنة من سبعة أفراد”
وتضيف بأسى أن مبلغ مائة ريال سعودي، الذي كان يكفي لشراء الكثير، أصبح اليوم لا يغطي سوى “أشياء بسيطة لا تسمن ولا تغني من جوع”
هذا التدهور في القدرة الشرائية أجبر الأسر على تغيير جذري في عاداتها الرمضانية
تقول غادة: “صرنا نشتري في رمضان كما نشتري في الأيام العادية، بل نضطر للبحث عن المواد الأقل جودة لأنها الأرخص، ليس لدينا خطة بديلة سوى التكيف مع الواقع ومواجهة الغلاء يومًا بيوم”
وفي ظل استمرار تداول أخبار انخفاض أسعار الصرف مقابل العملة المحلية
لكن أسعار السلع لم تنخفض بما يتناسب مع تراجع سعر الصرف، بحسب غادة، وتواصل: “نواجه أيضًا صعوبة في استبدال الريال السعودي بالعملة المحلية لدى الصرافين”
من جانبها، تقول سامية عبدالله حزام لـ”المشاهد”: “إنهم يضطرون لشراء المواد الغذائية القريبة من انتهاء الصلاحية لأنها أقل سعرًا أو عليها تخفيضات؛ ما يزيد من القلق والإحباط خاصة في شهر رمضان ومع اقتراب العيد”
وأكدت أن أبسط احتياجات الأطفال لم تعد متوفرة، مطالبةً الجهات المختصة بخفض الأسعار قبل أي تغيير في سعر الصرف حتى يتمكن المواطن من شراء احتياجاته اليومية
وتتساءل سامية باستغراب يعكس حجم المفارقة: “كيف يظل سعر كيلو السمك بثمانية آلاف ريال يمني، رغم أن سعر الصرف تحسن من 750 ريالًا إلى 410 ريالات مقابل الريال السعودي؟” سؤال يلخص الفجوة بين “أرقام الصرافين” و”فواتير البقالين”
يُسلط المستشار الاقتصادي بمكتب رئاسة الجمهورية، فارس النجار، الضوء على تعقيدات المشهد، مؤكدًا أن ارتفاع الأسعار في تعز لا يعود لسعر الصرف وحده، بل إلى “مجموعة تكاليف مركبة”، أبرزها: ضعف الرقابة: غياب المتابعة الفعّالة والرقابة الصارمة على الأسواق
ويقول: “إن ارتفاع تكاليف النقل بسبب الطرق الطويلة ونقاط الجباية غير الرسمية التي تضاف إلى كلفة كل شحنة، لتشكل عبئًا على المستهلك النهائي”
كثير من التجار يسعرون مخزونهم بناءً على أعلى سعر صرف سابق، ويؤخرون خفض الأسعار حتى تصريف هذا المخزون، بالإضافة إلى وضع “هامش أمان” في تسعيرتهم لمواجهة تقلبات العملة، بحسب حديث المحاسب مراد العبسي مع “المشاهد”
كان العبسي يعمل سابقًا تاجرًا؛ ونتيجة عدم استقرار سعر الصرف قرر في عام 2023 إغلاق نشاطه التجاري في التموينات والعودة لمهنته كمحاسب
ويشغل العبسي حاليًا منصب مدير فرع، وهو ما سمح له “بمراقبة السوق من منظور إداري ورقابي محايد”، حد قوله
لا يزال الحصار المفروض على تعز من قبل جماعة الحوثي منذ عام 2015، يلقي بظلالٍ وخيمة على قدرة السكان الشرائية لاحتياجاتهم الغذائية
ورغم أن المنافسة في تعز “موجودة وقوية” بحسب حديث العبسي “لكنها أحيانًا تتأثر بظروف الحصار وصعوبة دخول البضائع؛ مما يمنح الموردين الكبار قوة تحكم أكبر في السوق، ويضعف دور صغار التجار في ضبط السعر”
يوضح العبسي أن المشكلة تكمن في “دورة رأس المال”؛ فالتاجر يشتري بضائعه غالبًا بالعملة الصعبة أو بالآجل، وعند تحسن الصرف المفاجئ، يخشى التاجر من “خسارة رأس المال” إذا باع بالسعر الجديد قبل تعويض قيمة المخزون الذي اشتراه بسعر مرتفع، إضافةً إلى ارتفاع تكاليف النقل والجبايات التي لا تتراجع بتراجع الصرف”
ويشير العبسي إلى أن “عدم استقرار العملة يجعل التاجر يضع “هامش أمان” إضافي في تسعيرته لمواجهة أي قفزة مفاجئة في الصرف؛ مما يجعل استجابة الأسعار للهبوط أبطأ بكثير من استجابتها للصعود”
يقول العبسي: “إن رمضان هو موسم ضغط تشغيلي بامتياز؛ فرغم زيادة المبيعات، إلا أن تكاليف التوريد والخدمات اللوجستية تزداد، والطلب العالي يضغط على المعروض؛ مما يجعل الحفاظ على استقرار الأسعار تحديًا كبيرًا وليس مجرد فرصة للربح”
المحاسب مراد العبسي: رمضان هو موسم ضغط تشغيلي بامتياز؛ فرغم زيادة المبيعات، إلا أن تكاليف التوريد والخدمات اللوجستية تزداد، والطلب العالي يضغط على المعروض؛ مما يجعل الحفاظ على استقرار الأسعار تحديًا كبيرًا وليس مجرد فرصة للربح”
ولضمان انعكاس تحسن سعر العملة المحلية على أسعار المواد الغذائية؛ يضيف العبسي أن “الضمانة الحقيقية تكمن في وجود “رقابة صارمة من مكتب الصناعة والتجارة” وتفعيل القائمة السعرية المحدثة، إضافةً إلى وعي المستهلك في البحث عن البدائل الأقل سعرًا”
يتحدث المدير العام لمكتب الصناعة والتجارة بتعز، عبدالرحمن القليعة، لـ”المشاهد” عن خطة رقابية “صارمة” لضبط الأسعار وحماية المستهلك
يقول القليعة: “تم إعداد خطة رقابية صارمة لضبط الأسعار وحماية المستهلك من الغش والمواد الاستهلاكية المناسبة وغير الصالحة للاستهلاك، وكذا إتلاف العديد من السلع المنتهية والتي تعرضت لسوء تخزين جعلها غير صالحة للاستهلاك”
المدير العام لمكتب الصناعة والتجارة بتعز، عبدالرحمن القليعة: تم إعداد خطة رقابية صارمة لضبط الأسعار وحماية المستهلك من الغش والمواد الاستهلاكية المناسبة وغير الصالحة للاستهلاك، وكذا إتلاف العديد من السلع المنتهية والتي تعرضت لسوء تخزين جعلها غير صالحة للاستهلاك
”وكانت العملة المحلية في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا، بما في ذلك مدينة تعز، قد شهدت تدهورًا كبيرًا أمام العملات الأجنبية، خصوصًا في يوليو الماضي حين تجاوز سعر الدولار الواحد 2,800 ريالًا
وفي أغسطس الماضي استعادت العملة نحو 42 % من قيمتها حين أعلن البنك المركزي في عدن عن سعر العملات الأجنبية بواقع قرابة 1,632 ريالًا للدولار الواحد
وهذا دفع الحكومة والسلطات المحلية إلى إطلاق حملات تفتيش على الأسواق للتأكد من انخفاض الأسعار وفق سعر الصرف الجديد
يقول القليعة: “إن المواطن يلمس هذا التخفيض وكذا الاستقرار السعري والمخزون السلعي حيث بذلت جهود كبيرة للضغط على الأسعار واستقرارها وكذا إحداث حالة من المنافسة بين التجار”
مضيفًا أن مزاج الشباب في تعز لا سقف له، ينتقد كل شيء حتى الإيجابيات، ويصنع من الحبة قبة”
في تعز لجان الرقابة تعمل على مدار الساعة بحسب القليعة
ويقول: “إن مكتب الصناعة والتجارة في تعز أنشأ غرفة عمليات وأصدر “تعميمًا للمواطنين يتضمن أرقام غرفة العمليات ورابط منصة رصد لاستقبال شكاوى المواطنين والتعامل معها فورًا”
مضيفًا: “الأسعار في تعز تكاد تكون الأفضل مقارنةً بالمحافظات المحررة الأخرى، رغم الظروف الخاصة التي تعاني منها محافظة تعز جراء الحرب والحصار ووعورة طرق”
ويتابع: “رغم نزوح قطاع واسع من رجال المال والأعمال والمستثمرين وكبار التجار والمستوردين من تعز بسبب الحرب، مع هذا كله، بذلنا جهودًا كبيرة، ولم نزل نعمل بوتيرة عالية لتجذير وتعزيز المخزون السلعي والاستقرار السعري، والواقع شاهد على ذلك، نفذنا أنشطة عديدة لرفع الوعي التجاري والرقابة الذاتية لدى التجار بالتنسيق مع الغرفة التجارية لتحسين العلاقة بين التاجر والجهات المختصة”
إلا أن القليعة لا يخفي التحديات الكبيرة التي تواجه عملهم، ومنها: ميزانية تشغيلية “ضئيلة” لا تغطي حتى الاحتياجات الأساسية للمكتب، وتقاعد عدد كبير من الموظفين وعدم القدرة على التوظيف الجديد، ووعورة الطرق والحصار وتداعيات الحرب، التي تزيد من الضغوط على الأسعار
في ظل هذا المشهد المعقد، تبرز “مبادرة الرصد الاقتصادي” كصوت للمجتمع المدني للرقابة على الأسعار
وتقول رئيسة المبادرة شيخة الشيباني: “إن المبادرات الرقمية يمكن أن تلعب دورًا “محوريًا” في سد الفجوة الرقابية
وتدعو الشيباني إلى إنشاء منصات رصد مجتمعي تتيح للمواطنين الإبلاغ الفوري عن المخالفات السعرية؛ مما يخلق “ضغطًا شعبيًا” على الأسواق ويزيد من الشفافية
وتوجه شيخة رسالة أمل للمواطن التعزي: “التغيير يبدأ من الوعي والمشاركة؛ فدورك في حماية السوق واستقراره محوري
من خلال الإبلاغ عن المخالفات وتفضيل التعامل مع التجار الملتزمين، يمكنك أن تكون جزءًا من الحل”
ويعود القليعة للإشارة إلى أن مكتب الصناعة والتجارة في تعز أقام بعض الورش والاجتماعات لرفع الوعي الاستهلاكي وأهمية دور المواطن بالتعاون في عملية الرقابة والإبلاغ عن المخالفات بما يمكننا من تقديم الخدمة التي ننشدها جميعا، كما نسق المكتب ونفذ حملات رقابية كانت ناجحة مع منظمات المجتمع المدني وسنستمر بهذا العمل
بين طموحات الجهات الرسمية وتبريرات التجار، يبقى المواطن في تعز هو الحلقة الأضعف، ينتظر أن تترجم “تحسن قيمة العملة المحلية” إلى “لقمة عيش” كريمة على مائدة رمضان، قبل أن تتحول تلك المائدة إلى مجرد ذكرى من الماضي
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن