مجاهد صادق سرحان : بين أن نُسكِتَ الحرب وأن ننتصرَ عليها!

منذ 19 أيام

مجاهد صادق سرحان  في مثل هذا اليوم ال 18 من العام 2004، وُلد في صعدة طفلٌ لم تُنذره صفّارةٌ حرب قادمة، ولم تمنحه المدرسةُ شهادة؛ بل جُرِّف وعيُه مذهبياً، وابتُزّت طفولته، ومُحيت هويّته الأولى لتُكتَب فوقها هويةٌ عابرةٌ للحدود

صار اليوم في الثانية والعشرين، بلا عملٍ ولا معرفةٍ ولا حكايةٍ تخصّه

هو الثمن؛ وما دفِع من عمره وهويته وكرامته ليس فاتورةَ حربٍ بدأت برصاصةٍ في صعدة، بل فاتورةَ خطيئةٍ ارتكبتها السياسة

فالرصاصة الأولى لم تكن حدثاً عسكرياً، بل إعلانَ مشروعِ رِدّةٍ أراد أن يُعيد الناس إلى الحكم باسم الله

ولم يُهزَم الجيشُ في الميدان؛ إذ كان جدار الصد الأول بقيادة رجاله المخلصين - وعلى رأسهم الجنرال علي محسن الأحمر - على وشك اجتثاث التمرّد في مهده خلال ثلاثة أشهر

لكنّ النخبة في دهاليز السلطة تعاملت مع خطرٍ وجوديٍّ وكأنه ورقةُ مساومة، فلعبت بالنار على حافّة وجود الدولة - حتى أكلت النارُ يدَ موقدها

وتلك عِبرةُ التاريخ التي لا تشيخ: كلُّ سلطةٍ تساوم على سؤال وجودها، تدفع الثمن من وجودها لا من سياستها

ونحن في معركة استعادة الدولة، فلنُنصِف كلَّ من سقط شريفاً دفاعاً عن الجمهورية؛ فالأممُ التي تنكر فضل مخلصيها تعلّم أبناءها أنّ التضحية لا تُجزى

لكن، أيُّ قيمةٍ لخلافاتنا - سياسية كانت أم فكرية - ونحن نتنازع على حصص في سلطةٍ لا وجود لها، وعلى ظلِّ دولةٍ لم نستعِدها بعد؟ إنّ أعمق عللنا ليست كثرةَ الخصومات، بل فقرَ الخيال: نخبةٌ عجزت أن تتصوّر وطناً غير الذي فقدته، فحكمت على نفسها بأن تُعيد خوض الحرب التي أنجبَتْها

والنخبةُ التي لا تتعلّم من فشلها، محكومةٌ بأن تُعيد تدويره

ولا سلامَ يُوقَّع فوق الجرح دون أن يُجتثَّ سببُه؛ فذاك تخديرٌ يمنح الخرافة مهلةً لتعيد ترتيب صفوفها

ولا تُهزَم عقيدةُ التفوّق بالولادة إلا بعقيدةٍ أنبل: المواطنةُ التي تُذيب الامتياز الموروث، وتفتح بابها للجميع - حتى لأبناء تلك السلالة أنفسهم - مواطنين لا سادةً ولا رعايا

ولهذا، فالمِشرطُ في يد المعلّم في فصله، والقاضي في محرابه، والمفكر في خطّه، والسياسي في موقفه

لا الجندي وحده في مترسه

إنّ المعركة اليوم لم تعد تفويضاً يُمنح لبندقية، بل مسؤوليةٌ تُطوّق عنق كل ذي أثر

والعزوفُ عن هذا الواجب ليس حياداً، بل هو عين الجهل؛ جهلٌ مركبٌ سينال الجاهلين به قبل غيرهم، وثمنٌ فادحٌ ستدفعه البيوت الصامتة قبل تلك التي خاضت غمار المعركة

فالنارُ إذا اشتعلت في أركان البيت، لا توفّر من لزموا الحجرات مستسلمين

فإمّا أن يحمل الجميعُ مباضع الجراحة كلٌّ في مجاله، أو يسلموا رقابهم لنصل الخرافة حتماً

والمستأصَلُ فكرةٌ لا بشر، والمقصودُ تحريرُ العقل لا الانتقامُ من النَّسَب

إنّ عظمة الشعوب لا تُقاس بكيف بدأت حروبها، بل بما تعلّمته لئلا تعود

والجمهورية وطنٌ يتساوى فيه أبناؤه جميعاً

أو لا تكون

ولأنها ستكون، فلْنَنفِ اليأسَ من قاموسنا؛ فالقنوطُ رِدّةٌ أخرى لا تقلُّ عن الأولى: رِدّةٌ عن الأمل تَعقُب رِدّةً عن الدولة

ومن رحم المحنة وحده يُولد الفجر، ولم تنهض أمّةٌ قطُّ إلا من قاع كبوتها

فذلك الطفلُ الذي وُلد عام 2004 ثمناً، هو نفسه من سيحمل الدولةَ وعداً

فالجيلُ الذي وُلد في الحرب، هو الأقدرُ على أن يكتب السلام