محمد الشحري : إلى عسكري حجيران.. بلّغ سلامي

منذ 12 أيام

شُنفت آذاننا بالأغنية اليمنية منذ الطفولة بحكم التواصل الجغرافي ورقي الموسيقى وعذوبة الكلمة وإبداع الفنانين أمثال أيوب طارش ومحمد حمود الحارثي وفيصل علوي وكرامة مرسال وأمل كعدل ومنى علي، وغيرهم ممن برعوا في الغناء اليمني الأصيل الذي يتردد صداه في الفنون الموسيقية الخليجية على وجه التحديد لحنا وإيقاعا

ولكثرة تأثرنا بالفن اليمني كنا نحفظ في صغرنا أغنية رددي أيتها الدنيا نشيدي التي غناها ولحنها فنان اليمن الكبير أيوب طارش عبسي، ولم نكن ندري أنها النشيد الجمهوري لليمن الشقيق

بعد منتصف التسعينيات تعرفنا على فناني محافظة المهرة بسبب سهولة التواصل بين اليمن وسلطنة عمان أمثال الفنان عسكري حجيران ومحمد مشعجل وآخرين، الذين أدخلوا الغناء باللغة المهرية إلى جلسات الطرب وإلى فن البرعة أيضا

وكان عسكري حجيران صاحب التجربة الأولى في غناء اللون المهري؛ نظرا لاحترافه الغناء منذ السبعينيات وكانت له مشاركات غنائية في اليمن والخليج وإفريقيا

حاولت التواصل مع الفنان عسكري حجيران حينما زرت مدينة الغيضة قبل أيام، والحقيقة لم تكن دوافع اللقاء لأجل الغناء أو الموسيقى، وإن كانت الأخيرة أنيسة الجلسات وليالي السمر

لكن رغبة اللقاء بالأستاذ عسكري كانت للاستماع له ولتجربته في جامعة هايدلبيرج الألمانية، التي درستُ بها في 2017، وكان عسكري حجيران حديث اللقاءات مع الأساتذة في المعهد والطلبة الذين التقوا به حين التحق بالجامعة بين عامي (2001-2003) وسجل في معهد الدراسات الشرقية (اللغات السامية) تسجيلات صوتية كثيرة حول آداب اللغة المهرية مثل: الأمثال والمعتقدات والقصص الشعبية

وتعرض عسكري لحادث سير في محافظة المهرة مع الشاب النمساوي الإسكندر سيما (1969-2004) الباحث في اللغات السامية، الذي توفي بعمر 34 سنة، وكان منتظرا منه أن يكون خليفة لعلماء اللغات السامية أمثال مواطنه ماكسمليان بيتنر (1869-1918) صاحب الدراسات عن اللغات العربية السامية الجنوبية الحديثة (الشحرية والمهرية والسوقطرية) وشيخ المستشرقين الألمان ثيدور نولدكه (1836- 1930) وكارل بروكلمان (1868-1956) صاحب كتاب فقه اللغات السامية؛ ونظرا لمكانة الأسكندر سيما لدى معهد اللغات السامية فقد نُصبت صورته في قاعة الدروس بالمعهد تخليدا لذكراه

يعتبر عسكري حجيران من المطربين القلائل الذين غنوا بلغاتهم الأم (اللغة المهرية) ونشر الفن المهري وشجع الأجيال على الغناء بالفن المهري والإبداع به

حين كنت في الغيضة بحثت عن رقم هاتف الفنان عسكري ولما حصلت على الرقم من شخصين في الوقت نفسه، هما الفنان توفيق النهيان والشابة اليمنية الناشطة في حساب الفيسبوك نور عبد العزيز

اتصلت بالفنان عسكري (أبو ميادة) قصد مقابلته والسلام عليه، فوصلني صوته واهنا قائلا: يا ولدي أنا طريح الفراش

كنت أحسب أنه قد تعافى من مضاعفات الجلطة التي أصابته قبل سبع سنوات، وتعالج على أثرها في الهند بتوجيه محافظ المهرة السابق راجح باكريت

بعد المكالمة التي جرت سريعا، استذكرت مقاطع بعض أغانيه، فذكرتني بالأمكنة المرتبطة بها، مدرسة أبوعبيدة بن الجراح بمدينة سدح وترديد الزملاء أغنية يا سعيد شيل مكتوبي وبلغ سلامي، وراعي إبل في جبال ظفار يردد مقاطع من أغنية مابي مرض غير نار الشوق في صدري، بسبة اللي يعذبني من الدوحة

مررت في طريق العودة بمدينة حوف التي ولد بها عسكري وغنى لها سحب على جادب وحوف، ودلفت إلى الذاكرة الكتب التي ذكرت مدينة حوف كنقطة تواصل بين محافظتي المهرة وظفار

لم أخسر لقاء عسكري حجيران فحسب بل إنني لم أجد من يعرّفني على مدرسة سالمين لأبناء البدو الرحل، التي سمعت عنها كثيرا من أفواه مثقفين ومهندسين عمانيين التحقوا بها في بداية فكهم للأبجدية

تبقى المدن بلا مثقفيها هياكل حجرية خاوية لا روح فيها ولا ذاكرة؛ لأن المثقف هو الأقدر على التعبير عن مكامن الجمال في بيئته، ومن خلال إنتاجه يمكننا التعرف على الأثر الإنساني في المدن والحواضر

عن عمان اليوم شُنفت آذاننا بالأغنية اليمنية منذ الطفولة بحكم التواصل الجغرافي ورقي الموسيقى وعذوبة الكلمة وإبداع الفنانين أمثال أيوب طارش ومحمد حمود الحارثي وفيصل علوي وكرامة مرسال وأمل كعدل ومنى علي، وغيرهم ممن برعوا في الغناء اليمني الأصيل الذي يتردد صداه في الفنون الموسيقية الخليجية على وجه التحديد لحنا وإيقاعا

ولكثرة تأثرنا بالفن اليمني كنا نحفظ في صغرنا أغنية رددي أيتها الدنيا نشيدي التي غناها ولحنها فنان اليمن الكبير أيوب طارش عبسي، ولم نكن ندري أنها النشيد الجمهوري لليمن الشقيق

بعد منتصف التسعينيات تعرفنا على فناني محافظة المهرة بسبب سهولة التواصل بين اليمن وسلطنة عمان أمثال الفنان عسكري حجيران ومحمد مشعجل وآخرين، الذين أدخلوا الغناء باللغة المهرية إلى جلسات الطرب وإلى فن البرعة أيضا

وكان عسكري حجيران صاحب التجربة الأولى في غناء اللون المهري؛ نظرا لاحترافه الغناء منذ السبعينيات وكانت له مشاركات غنائية في اليمن والخليج وإفريقيا

حاولت التواصل مع الفنان عسكري حجيران حينما زرت مدينة الغيضة قبل أيام، والحقيقة لم تكن دوافع اللقاء لأجل الغناء أو الموسيقى، وإن كانت الأخيرة أنيسة الجلسات وليالي السمر

لكن رغبة اللقاء بالأستاذ عسكري كانت للاستماع له ولتجربته في جامعة هايدلبيرج الألمانية، التي درستُ بها في 2017، وكان عسكري حجيران حديث اللقاءات مع الأساتذة في المعهد والطلبة الذين التقوا به حين التحق بالجامعة بين عامي (2001-2003) وسجل في معهد الدراسات الشرقية (اللغات السامية) تسجيلات صوتية كثيرة حول آداب اللغة المهرية مثل: الأمثال والمعتقدات والقصص الشعبية

وتعرض عسكري لحادث سير في محافظة المهرة مع الشاب النمساوي الإسكندر سيما (1969-2004) الباحث في اللغات السامية، الذي توفي بعمر 34 سنة، وكان منتظرا منه أن يكون خليفة لعلماء اللغات السامية أمثال مواطنه ماكسمليان بيتنر (1869-1918) صاحب الدراسات عن اللغات العربية السامية الجنوبية الحديثة (الشحرية والمهرية والسوقطرية) وشيخ المستشرقين الألمان ثيدور نولدكه (1836- 1930) وكارل بروكلمان (1868-1956) صاحب كتاب فقه اللغات السامية؛ ونظرا لمكانة الأسكندر سيما لدى معهد اللغات السامية فقد نُصبت صورته في قاعة الدروس بالمعهد تخليدا لذكراه

يعتبر عسكري حجيران من المطربين القلائل الذين غنوا بلغاتهم الأم (اللغة المهرية) ونشر الفن المهري وشجع الأجيال على الغناء بالفن المهري والإبداع به

حين كنت في الغيضة بحثت عن رقم هاتف الفنان عسكري ولما حصلت على الرقم من شخصين في الوقت نفسه، هما الفنان توفيق النهيان والشابة اليمنية الناشطة في حساب الفيسبوك نور عبد العزيز

اتصلت بالفنان عسكري (أبو ميادة) قصد مقابلته والسلام عليه، فوصلني صوته واهنا قائلا: يا ولدي أنا طريح الفراش

كنت أحسب أنه قد تعافى من مضاعفات الجلطة التي أصابته قبل سبع سنوات، وتعالج على أثرها في الهند بتوجيه محافظ المهرة السابق راجح باكريت

بعد المكالمة التي جرت سريعا، استذكرت مقاطع بعض أغانيه، فذكرتني بالأمكنة المرتبطة بها، مدرسة أبوعبيدة بن الجراح بمدينة سدح وترديد الزملاء أغنية يا سعيد شيل مكتوبي وبلغ سلامي، وراعي إبل في جبال ظفار يردد مقاطع من أغنية مابي مرض غير نار الشوق في صدري، بسبة اللي يعذبني من الدوحة

مررت في طريق العودة بمدينة حوف التي ولد بها عسكري وغنى لها سحب على جادب وحوف، ودلفت إلى الذاكرة الكتب التي ذكرت مدينة حوف كنقطة تواصل بين محافظتي المهرة وظفار

لم أخسر لقاء عسكري حجيران فحسب بل إنني لم أجد من يعرّفني على مدرسة سالمين لأبناء البدو الرحل، التي سمعت عنها كثيرا من أفواه مثقفين ومهندسين عمانيين التحقوا بها في بداية فكهم للأبجدية

تبقى المدن بلا مثقفيها هياكل حجرية خاوية لا روح فيها ولا ذاكرة؛ لأن المثقف هو الأقدر على التعبير عن مكامن الجمال في بيئته، ومن خلال إنتاجه يمكننا التعرف على الأثر الإنساني في المدن والحواضر

عن عمان اليوم