مساواة الحرب وانتقائية السياسة
منذ 9 أيام
عدن- منيرة سالمداست الحرب اليمنيين في الشمال والجنوب بالتساوي، وكانت آثارها “أكثر عدلًا” من أولئك الذين يريدون تقاسم ثروات البلاد تحت مسميات “الوحدة” أو “الانفصال”
ربما لم يعش اليمنيون تجربةً أكثر “ديمقراطية” من الحرب؛ فقد كانت القذيفة واللغم والرصاصة “عمياء”، لم تسأل الضحية يومًا عن مذهبه، انتمائه السياسي، أو لقبه
ومؤخرًا برز السؤال الأهم: ماذا سيفعل الساعون إلى حلم الانفصال باليمني “البين-بين”؟ ذاك الذي جذوره من ريف الشمال ونشأ في أزقة عدن، أو الذي وُلد في صنعاء ويحمل في نبراته صوت “الدان”؟
باعتبارها النموذج الأقرب زمنيًا وجغرافيًا، انفصل جنوب السودان عام 2011، وتحول مئات الآلاف من السودانيين إلى “عديمي جنسية” أو “أجانب في وطنهم” بين ليلةٍ وضحاها
عدّل السودان (الشمالي) قانون الجنسية فور الانفصال؛ مما أدى لإسقاطها تلقائيًا عن كل من له “أصول جنوبية”، حتى لو قضى حياته كلها في الخرطوم
في بيان لمنظمة هيومن رايتس ووتش نشر في مارس 2012، قدم قصصًا مأساويةً لأسرٍ بقيت عالقةً في العراء لسنوات في منطقة “كوستي” (نقطة العبور)
كما سجلت المحاكم أحكامًا بالسجن على مواطنين لمجرد محاولتهم الحصول على بطاقة هوية لأن أمهاتهم من الجنوب، رغم أن آباءهم من الشمال
ونتيجةً لذلك، اضطر آلاف الجنوبيين إلى بيع منازلهم بأسعارٍ زهيدة تحت ضغط “المغادرة الإجبارية”، وفقدوا وظائفهم دون تعويضات؛ لأنهم أصبحوا في نظر القانون “رعايا دولة أجنبية”
لم يعد الحديث عن استهداف اليمني الواقع في المنتصف مجرد سيناريو افتراضي
فقد شهدت مدينة عدن موجات من التهجير القسري والنهب على أساس الهوية، كانت بمثابة “بروفة” قاسية لما قد يؤول إليه الحال
ففي 2016، عقب استعادة عدن من جماعة الحوثيين “أنصار الله” استهدفت حملات أمنية العمال والباعة المنتمين للمحافظات الشمالية
تم تجميع المئات في شاحنات ترحيل قسري بناءً على “بطاقة الهوية” فقط؛ مما أدى لضياع ممتلكاتهم ومصادر رزقهم في ساعات
وفي أغسطس 2019، تحوّل الغضب السياسي عقب مقتل أحد قيادات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، منير اليافعي المعروف بأبي اليمامة؛ إلى عقابٍ جماعي
حيث تعرضت عشرات المحال التجارية والمطاعم للنهب والحرق
ووثقت “هيئة الأمم المتحدة” حالات اعتداء جسدي وتنكيل طالت مدنيين في عدن من الشمال
شملت حالات الانتقام على يد عناصر الحزام الأمني في عدن الاعتقال التعسفي، تفتيش المطاعم والفنادق؛ بحثًا عن شماليين، ونزوح قسري للمئات من عدن إلى المحافظات المجاورة
ووفقًا لتقرير منظمة “سام” للحقوق والحريات المعنون بـ”بيت العنكبوت”، شهدت أحداث أغسطس 2019 في عدن انتهاكات جسيمة طالت المدنيين على أساس الهوية
حيث وثّق التقرير عمليات ترحيل قسري لآلاف المواطنين المنحدرين من المحافظات الشمالية
وتضمن التقرير شهادات صادمة عن احتجاز مسافرين في نقاط التفتيش (مثل نقطة الرباط) وإجبارهم على الصعود إلى شاحنات نقلٍ مفتوحة في ظروفٍ قاسية، ترافقت مع اعتداءات جسدية ولفظية، ونهب للممتلكات والأموال، وإغلاق للمحال التجارية، في مشهدٍ جسّد أعمق صور الانقسام الاجتماعي والمأساة الإنسانية
في أبريل 2025 تم ترحيل قسري لمواطنين من أبناء المحافظات الشمالية من أرخبيل سقطرى دون تهمٍ قانونية واضحة، وفقًا لتقرير نشره “المشاهد” وثّق فيه الحادثة على لسان أحد الضحايا
حيث أُجبر 21 شخصًا على مغادرة الجزيرة بالقوة عبر البحر إلى مدينة الشحر بمحافظة حضرموت دون طعامٍ أو دواءٍ لأكثر من ثلاثة أيام، بعد اعتقال تعسفي واقتحام منازلهم فجرًا بدون إذن قضائي
وتحدث بعض الضحايا عن ظروفٍ مهينة وغير إنسانية خلال الرحلة البحرية، بينما خلّف الترحيل وراءه عائلاتٍ بلا معيل وممتلكاتٍ مهجورة، وهو ما اعتبر استهدافًا مناطقيًا لشماليين على خلفية انتمائهم الجغرافي وليس لأية أسبابٍ قانونية مشروعة
يميل الخطاب الانفصالي دائمًا نحو “االعنصرية”؛ لذا يُتوقع أن يواجه أبناء الزيجات المختلطة تدقيقًا أمنيًا وإقصاءً من الوظائف السيادية، حيث سيُنظر إليهم كـ”طابورٍ خامس” محتمل
ترتبط العائلات اليمنية بشبكة مصالح عابرةٍ للحدود والتوقعات تشير إلى “حرب وثائق”؛ حيث قد تُصادَر أملاك الشماليين في الجنوب بحجة أنها “غنائم حرب”، وقد يواجه الجنوبيون في الشمال تضييقًا قانونيًا يجعل استثماراتهم غير محمية؛ مما يخلق طبقةً من “اللاجئين الاقتصاديين”
سيجد اليمني نفسه مضطرًا لـ”اختيار هوية واحدة قسرًا” ولن يكون النزوح هذه المرة هربًا من الرصاص، بل بحثًا عن “ورقةٍ ثبوتية” تمنح الأبناء حق التعليم والعلاج
والتقسيم هنا ليس مجرد فصلٍ إداري، بل اقتلاع لجذور عائلاتٍ وتمزيق لنسيجٍ اجتماعي تداخلت فيه الدماء والمصالح عبر عقود
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن