مشكلة “الغراب الهندي” في عدن وتجربة سقطرى بمكافحته

منذ 3 ساعات

عدن- معاذ مدهش“مع الحر هذه الأيام نضطر ننام في السطح، يجيء الغراب يآذينا، يقترب من رؤوسنا تماما، تعبونا تعبونا”

هكذا تصف أماني محسن، إحدى ساكني عدن، جزءًا من معاناة أهالي المدينة اليومية مع الغراب الهندي

وتضيف أماني في حديثها مع “المشاهد”، بلهجتها الدارجة: “أما الملابس فمشكلة ثانية، أعلق ملابسي وعباءاتي وأجي وقد توسخوا، حتى الأكل في الخرجات وعندما نطلع السطح، يخربوه علينا، الغربان إزعاج فظيع، نقوم من النوم وهم يصيحوا من الطاقة”

وبحسب دراسة للاتحاد الدولي لصون الطبيعة، نُشرت عام 2011، عن مشروع استئصال الغراب المنزلي في أرخبيل سقطرى، فإن الغراب المنزلي هو كائن غازي وصل إلى عدن في نهاية القرن التاسع عشر من الهند، مع المستعمرين البريطانيين

في يونيو الماضي، قادت مجموعات شبابية حملة لمكافحة الغراب المنزلي في عدن عبر القنص

شارك في الحملة عدد من الناشطين والصحفيين في عدن

ولاقت تشجيعًا ونقدًا في آنٍ واحد

صابر عبد الجبار، مقيم في عدن، وسافر مؤخرًا إلى السعودية، يعلّق على الحملات الشبابية للحد من الغراب الهندي

يقول لـ”المشاهد”: “الحملات ضد الغراب لها أسباب، يفهمها كل شخص عائش بعدن، وخاصة حين تتجمع على أسلاك الكهرباء وتتسبب بانقطاعات”

ويرى “أنها تشوه المنظر في بعض الأماكن، وأكثر شيء عندي أن صوتها وصياحها يزعجني، كما أنها تترك فضلاتها في الأماكن العامة وعلى السيارات والأرصفة أو على الملابس”

يضيف صابر: “رغم أنها في النهاية جزء من البيئة ولها فوائدها، لكن المشكلة ليست في وجودها بحد ذاته بقدر ما هي في كيفية التعامل مع تكاثرها وانتشارها داخل عدن، مع أنني زرت جدة ولم أرَ غرابًا رغم أن جدة تشبه عدن في طقسها”

تختلف أنوار أرسلان، إحدى ساكنات عدن، عن الرأيَين السابقين، تقول لـ”المشاهد”: “أني مش متضررة منها أبدًا، في ناس متضررين بلا شك، بس ما أعتقد أن الضرر  يحتاج حملة قتل، يعني مستحيل كذا”

وتضيف: “حتى صوت الغراب في الصباح بالنسبة لي واللي ينزعج منه الكثير، أنا ما أنزعج منه؛ لأني أحب طائر الغراب أصلًا، وضد حملة التخلص منهم بالقتل، وقتل أي حيوان بشكل عام”

بدورها، تقول المعلمة المقيمة في عدن، زينب عبدالله، لـ”المشاهد”: “أنا ما أحب الغراب الهندي، بس ما عندي لهم إلا الذكريات الحلوة، وكل مرة أخرج البحر أجلس أطعمهم معي”

ويعطي “أسعد أحمد” -مقيم في عدن- أسباب الحملات الشبابية ضد الغراب، طابعًا سياسيًا، يقول لـ”المشاهد”: “المجتمع المظلوم والمقهور يلجأ عادة لحملات إبادة تجاه الحيوانات، على سبيل المثال، يتخلصوا من الكلاب، والغربان كما حصل مؤخرًا، بينما لو اقتربنا بعمق من الأسباب الحقيقية، فسنجدها سياسية بحتة، وتأتي كرد فعل للغليان المكبوت تجاه ما يعيشونه من حرمان في الخدمات والتخاذل السياسي”

من جهته، يؤكد المختص في الطيور والبيئة، الأمين العام للجمعية اليمنية لحماية الحياة الفطرية، “عمر الصغير” لـ”المشاهد”، أن الغراب الهندي لم يعد يقتصر على عدن وحسب، فالغراب الهندي بدأ ينتشر في محافظات أخرى، مشيرًا إلى أنه رصد مؤخرًا تزايد أعداده في محافظة تعز، بعد انتقاله عبر خط العند – كرش، الشريجة، الراهدة- الدمنة

ويرجح الصغير أن الحرب أسهمت في تسريع انتشار هذا الطائر؛ نتيجة توافر مصادر الغذاء على امتداد خطوط المواجهات، من خلال المخلفات التي تتركها القوات العسكرية

ويرى أن القضاء على الغراب الهندي بشكل كامل أصبح أمرًا غير واقعي، لكنه يؤكد أن تقليل أعداده ممكن إذا نُفذت برامج طويلة الأمد ومستمرة، مضيفًا أن الأمر قد يحتاج، بحسب تقديره، إلى ما بين 20 و30 عامًا لتحقيق نتائج ملموسة في الحد من انتشاره

يستند الصغير إلى تجربة ميدانية سابقة في مكافحة الغراب الهندي، موضحًا أنه عمل بين عامي 1997 و1999 ضمن مشروع التنوع الحيوي في أرخبيل سقطرى، حيث ظهر الغراب الهندي بعد دخول زوج منه على متن إحدى السفن القادمة من عدن

ويقول الصغير إن المشروع بدأ بتشجيع فتيان من أبناء المنطقة على جمع بيض الغربان مقابل مبلغ رمزي للبيضة الواحدة، مع إزالة الأعشاش، إلا أن الفريق فوجئ بأن الغربان تعيد بناء أعشاشها بسرعة وتضع بيضًا جديدًا؛ ما دفعهم إلى تغيير الاستراتيجية والتركيز على جمع الفراخ قبل تمكنها من الطيران، مقابل ألف ريال لكل فرخ

ويضيف أن المشروع تمكن خلال نحو عشر سنوات من التخلص من قرابة 500 بيضة وفرخ، قبل أن يحصل على منحة في حينها، بقيمة 15 ألف دولار، استُقدم من خلالها خبيرَين من ألمانيا وبريطانيا، أحدهما قناص متخصص تمكّن من اصطياد 12 غرابًا باستخدام بنادق مزودة بكواتم صوت، بينما ظل غراب واحد على قيد الحياة؛ ما استدعى عودة القناص إلى سقطرى مرة أخرى حتى تمكن من القضاء عليه باستخدام بندقية رش، بعد أن أصبح الطائر شديد الحذر ويتنقل باستمرار إثر اختفاء بقية أفراد مجموعته

ويشير الصغير إلى أن زوجًا آخر من الغربان وصل لاحقًا إلى الأرخبيل على متن ناقلة نفط، وتمكّن الفريق من اصطياد أحدهما، بينما بقي الآخر منفردًا لنحو عامين، متنقلًا بين المواقع ويطلق أصواته باستمرار، في سلوك يعكس قدرة هذا الطائر على التكيف والحذر

ويؤكد أن الغراب الهندي من أذكى الطيور، إذ يستطيع تمييز الأشخاص الذين يؤذونه، كما تتعاون الغربان في الدفاع عن بعضها البعض، مستشهدًا بحادثة شهدتها في مديرية الشيخ عثمان بمدينة عدن، عندما نفق أحد الغربان داخل مطعم بعد اصطدامه بمروحة، فتجمعت مئات الغربان حول المكان خلال وقت قصير

ويرى الصغير أن الحد من انتشار الغراب الهندي يتطلب برنامجًا متكاملًا لإدارة الآفة، يشمل تحسين إدارة النفايات والحد من وصول الغربان إلى مصادر الغذاء، وجمع الفراخ قبل مغادرتها الأعشاش، واستخدام الشباك والأقفاص والمصائد، إلى جانب إشراك المجتمع والسلطات المختصة في تنفيذ خطة مستمرة وطويلة الأمد

كما يحذر من أن استمرار انتشار الغراب الهندي يشكل تهديدًا للتنوع الحيوي، لافتًا إلى أنه يفترس بيض وفراخ الطيور المحلية؛ ما يؤثر في تكاثرها وبقائها

وفي هذا الصدد، أشار مدير عام الطوارئ البيئية في الهيئة العامة لحماية البيئية، “جميل القدسي” في حديث مع “المشاهد” إلى أهمية التعامل مع انتشار بعض الكائنات الدخيلة أو الغازية في البيئة المحلية وفق منهج علمي، بعيدًا عن التناول الإعلامي غير المبني على بيانات دقيقة

ويقول لـ”المشاهد”: “إن تقييم مثل هذه القضايا لا يمكن أن يتم بشكل فردي أو انطباعي، إنما يجب أن يتم بالتنسيق مع الجهات المختصة المعنية بالدراسات والرصد وإصدار التقديرات العلمية

”ودعا القدسي إلى تعزيز التنسيق مع هذه الجهات للحصول على معلومات موثوقة، تضمن دقة البيانات، بدل الاعتماد على تقديرات غير مكتملة قد تزيد من الجدل دون معالجة حقيقية للمشكلة

ويضيف أن الكائنات الغازية، رغم أن لكل كائن دورًا في بيئته الأصلية، إلا أن نقلها إلى بيئات جديدة قد يؤدي إلى اختلال في التوازن البيئي، إذ تتغير سلوكياتها وتزداد قابليتها للتكاثر؛ ما قد يحولها إلى تهديد للبيئة المحلية

ويشدد على أن التعامل مع هذه الظواهر يجب أن يتم ضمن دراسات علمية شاملة، تراعي طبيعة البيئة والتغيرات التي تطرأ عليها، بدل القرارات غير المبنية على تقييم بيئي دقيق

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن