معمر بن مطهر الإرياني : الحرب التي لابد منها ..
منذ 3 ساعات
معمر بن مطهر الإرياني محاولات إيران لتصدير ثورتها طوال خمسة عقود قادت إلى الأزمة التي تتكشف اليومتُظهر صورة التُقطت عبر الأقمار الصناعية مجمع نطنز لتخصيب الوقود النووي في إيران بتاريخ 7 مارس 2026
إن السعي المحموم للنظام الإيراني لتطوير سلاح نووي يشكل تهديداً للمنطقة وللعالم
مع استمرار المواجهة العسكرية مع إيران، سارع بعض المراقبين إلى تصوير القتال على أنه تصعيد مفاجئ فرضته مجريات الأحداث
غير أن مثل هذه التفسيرات تغفل حقيقة أعمق
فما يشهده العالم اليوم ليس بداية أزمة، بل هو في الواقع تتويج لمسار استراتيجي تشكّل على مدى ما يقارب خمسة عقود
إن حالة عدم الاستقرار التي يواجهها الشرق الأوسط لم تبدأ مع الحملة العسكرية الحالية
فجذورها تمتد إلى الأسس الأيديولوجية التي قام عليها النظام الإيراني بعد ثورة عام 1979
فمنذ أيامه الأولى، تبنى قادة الثورة في طهران عقيدة تتجاوز بكثير المصالح التقليدية للدولة
وأصبح مفهوم «تصدير الثورة» حجر الأساس في الرؤية الاستراتيجية الإيرانية، موجهاً سياسة خارجية تهدف إلى توسيع النفوذ عبر الحدود وإعادة تشكيل المشهد السياسي في المنطقة
وعلى خلاف أدوات الدبلوماسية التقليدية، اعتمدت هذه الاستراتيجية بدرجة كبيرة على استخدام أدوات القوة بشكل غير مباشر
فقد طورت إيران نموذجاً معقداً للتأثير يقوم على توظيف فاعلين مسلحين من غير الدول، وبناء شبكات أيديولوجية، وتطوير قدرات عسكرية موازية
ومع مرور الوقت، تطور هذا النهج إلى بنية إقليمية معقدة من قوى الوكالة تعمل عبر عدة ساحات صراع
وكان تأثير هذه الاستراتيجية عميقاً
فتنظيمات مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وعدد من الفصائل المسلحة في العراق لم تكتفِ بالعمل كحلفاء سياسيين لإيران، بل أصبحت امتدادات عملياتية لاستراتيجيتها
ومن خلال هذه الجماعات، تمكنت طهران من التأثير في مسارات الصراعات، وإضعاف مؤسسات الدول الوطنية، وممارسة الضغط على الحكومات في مختلف أنحاء المنطقة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قدر من الإنكار الاستراتيجي
وقد حاول النظام الإيراني أيضاً تصدير أيديولوجيته إلى المنطقة، مستلهماً نماذج تنظيمات عنيفة مثل قوات الباسيج شبه العسكرية، التي تقوم بتجنيد الأطفال وقمع المواطنين الإيرانيين أنفسهم
وقد أدرجت الحكومة الأمريكية قوات الباسيج على قائمة المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة بشكل خاص عام 2018 بسبب دعمها للإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان
وبالتوازي مع شبكة الوكلاء هذه، استثمرت إيران بكثافة في قدرات عسكرية أثارت قلقاً دولياً مستمراً
فقد ظل برنامجها النووي مصدراً للتوتر مع المجتمع الدولي لعقود، مثيراً تساؤلات جوهرية حول نواياها الاستراتيجية وأمن المنطقة
وفي الوقت نفسه، طورت إيران منظومات صاروخية متقدمة وتقنيات للطائرات المسيّرة أسهمت في تغيير التوازن الاستراتيجي في عدد من الصراعات الإقليمية
ولم تبق هذه القدرات محصورة داخل حدود إيران
فقد جرى نقل بعض هذه التقنيات والخبرات إلى جماعات مسلحة إرهابية حليفة في المنطقة، ما وسّع نطاق تأثيرها وعزز قدراتها على زعزعة الاستقرار
وكانت النتيجة التراكمية لهذا النهج نمطاً من زعزعة الاستقرار الإقليمي يتجاوز حدود الصراعات الفردية
ففي عدة حالات، أسهمت الجهات المدعومة من إيران في إضعاف مؤسسات الدولة، وإطالة أمد الحروب الأهلية، وتعميق الأزمات الإنسانية التي أسفرت عن سقوط ملايين الضحايا من المدنيين، وموجات نزوح واسعة، وتدمير اقتصادات وطنية بأكملها
ولا تقل التداعيات الأوسع على الأمن العالمي أهمية عن ذلك
فقد أظهرت الجماعات المرتبطة بإيران مراراً قدرتها على تهديد طرق الملاحة الدولية والبنية التحتية للطاقة العالمية
فالممرات البحرية الاستراتيجية مثل البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وخليج عدن، ومضيق هرمز شهدت جميعها اضطرابات مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بشبكة إيران الإقليمية
وهذه الممرات البحرية ليست مجرد أصول إقليمية، بل تمثل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي
وأي اضطراب مستمر فيها يحمل تداعيات تتجاوز الشرق الأوسط، ليؤثر في التجارة الدولية وأسواق الطاقة والأمن العالمي
وبالنسبة لصناع القرار والمحللين على حد سواء، فإن التحدي الأساسي يتجاوز الحرب الحالية
فالقضية الأعمق تتمثل في التعامل مع نموذج استراتيجي طويل الأمد يجمع بين الطموح الأيديولوجي، وحروب الوكلاء، وتوسيع القدرات العسكرية
إن فهم هذا المسار التاريخي الأوسع أمر ضروري
فحالة عدم الاستقرار التي تعاني منها المنطقة لم تظهر بين ليلة وضحاها، وليست نتيجة مواجهة واحدة
بل هي حصيلة تراكمية لعقود من السياسات التي فضلت التوسع الأيديولوجي وتعظيم النفوذ الاستراتيجي على حساب الاستقرار الإقليمي
وأي نقاش جاد حول مستقبل الأمن في الشرق الأوسط يجب أن يبدأ بهذا الإدراك
فمن خلال الاعتراف بالطبيعة المنهجية لهذا التحدي فقط يمكن للمجتمع الدولي تطوير إطار مستدام للاستقرار الإقليمي والأمن العالمي
ويجب فهم الحرب الحالية ضمن هذا السياق الأوسع
فهي تمثل اللحظة التي لم يعد فيها بالإمكان احتواء نتائج هذه الاستراتيجية طويلة الأمد عبر الدبلوماسية أو الردع المحدود وحدهما
ولسنوات طويلة، ناقش المجتمع الدولي كيفية التعامل مع المخاطر التي تفرضها القدرات العسكرية المتنامية لإيران وشبكة المليشيات الإقليمية المرتبطة بها
غير أن تأجيل اتخاذ إجراءات حاسمة كان يحمل في طياته مخاطره الخاصة
فلو استمرت سياسات إيران دون رادع، لكان العالم أقرب إلى مواجهة واقع أكثر خطورة: نظام إيراني يمتلك سلاحاً نووياً في الوقت الذي يحتفظ فيه بشبكة واسعة من الجماعات المسلحة عبر الشرق الأوسط
ومثل هذا السيناريو لن يهدد استقرار المنطقة فحسب، بل سيمثل تحدياً عميقاً للأمن العالمي
ومن هذا المنطلق، فإن المواجهة الحالية ليست مجرد فصل آخر في صراعات المنطقة، بل هي تتويج لاستراتيجية إيران المزعزعة للاستقرار التي تصاعدت عبر العقود
وهي تذكير بأن تجاهل التهديدات المنهجية يدفع الدول في نهاية المطاف إلى دفع الثمن في ظروف أكثر خطورة
* وزير الاعلام اليمني