ملف الأسرى.. اختراق إنساني بعد سنوات الجمود

منذ 4 ساعات

بشرى الحميدي بعد سنوات من التعثر والجمود فيما يخص ملف تبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن، عاد هذا الملف الإنساني إلى واجهة المشهد السياسي مجددًا

جاء ذلك عقب اختتام الجولة العاشرة لاجتماعات اللجنة الإشرافية المنبثقة عن اتفاق ستوكهولم في العاصمة العُمانية مسقط، التي استمرت 12 يومًا، واعتُبرت الأطول منذ بدء المشاورات

التفاهمات التي أُعلن عنها في مسقط لا ترقى إلى اتفاق شامل، ولا تعني حسم ملف الأسرى بشكل نهائي

لكن تمثل –وفق مراقبين– محاولةً جديدةً لكسر الجمود الذي أقرّ به المبعوث الأممي نفسه في وقت سابق

حيث وصف الملف بأنه وصل إلى «جمودٍ شبه تام»؛ نتيجة الخلافات حول القوائم وآليات التنفيذ وغياب الثقة بين الأطراف

في هذا السياق، تبرز جولة مسقط بوصفها اختراقًا إنسانيًا محدودًا، تحيط به أسئلةً كبرى تتعلق بمدى جدية الأطراف، وضمانات التنفيذ

بالإضافة إلى إمكانية البناء على هذا التقدم في ملفاتٍ إنسانيةً أخرى، أو ما إذا كان سيظل محصورًا في إطاره الضيق

لكن دون أن ينعكس على المسار السياسي والعسكري الأوسع

رئيس الفريق الحكومي المفاوض، هادي هيج، أوضح في حديثه لـ”المشاهد” أن جولة المفاوضات الأخيرة في مسقط حول ملف الأسرى تميزت عن سابقاتها بطول مدتها وحساسية توقيتها

وأضاف هيج أن جميع الأطراف شعرت بطول أمد هذا الملف الإنساني، وما ترتب عليه من حاجةٍ ملحّة لإحراز تقدمٍ

يأتي هذا بعد سنواتٍ من التعثر في تنفيذ اتفاق ستوكهولم

وأشار إلى أن الاختبار الحقيقي لالتزام الأطراف بهذا الاتفاق يظل مرهونًا بالتوافق على قوائم الأسماء

وتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه عمليًا على الأرض

ولفت هيج إلى أن قائمة الأسماء الذين سيشملهم التبادل لم يتم التوافق عليها بعد، ولا زالت قيد النقاش بين الأطراف

وبيّن أن المرحلة الجديدة المتفق عليها لا تشمل جميع الفئات المنصوص عليها في اتفاق ستوكهولم

لكنها هي الأكبر من حيث العدد الذي جرى التوافق عليه من حيث المبدأ خلال الفترة الماضية

ويمثل ذلك خطوةً متقدمة قياسًا بالمراحل السابقة، رغم أنها لا تزال جزئية

وفيما يخص الأنباء المتداولة بشأن إدراج أسماء شخصيات سياسية بارزة ضمن هذه المرحلة

أوضح هيج أن هناك توافقًا مبدئيًا على شمول شخصيات سياسية، على رأسهم محمد قحطان

لكن إدراج الأسماء بشكل نهائي يبقى مرهونًا باستكمال الاتفاق على القوائم

وأشاد رئيس الفريق الحكومي المفاوض بالدور المحوري الذي اضطلعت به سلطنة عُمان في رعاية واستضافة هذه الجولة

معتبرًا أن جهودها أسهمت بشكل كبير في تهيئة بيئةٍ إيجابيةٍ للتفاهم بين الأطراف

وحول ما إذا كان هذا التقدم جاء نتيجة مراجعة حكومية للأولويات في ظل تعدد الأزمات السياسية والعسكرية

قال هيج إن الحكومة تقوم بشكل مستمر بمراجعة أدائها وسياساتها

ويأتي هذا العمل ضمن تلك المراجعات

كما أن الحكومة تنظر إلى ملف المحتجزين بوصفه ملفًا إنسانيًا بحتًا، ولا يرتبط ولا تؤثر عليه أي ملفاتٍ أخرى

وبالنسبة لضمانات تنفيذ الاتفاق، شدد هيج على أن الضمانة الحقيقية لتنفيذ أي اتفاقٍ هم المحتجزون أنفسهم وحقهم في الحرية

مشيرًا لالتزام الحكومة ببذل كل الجهود الممكنة لضمان التنفيذ

الكاتب والباحث السياسي عشق بن محمد بن سعيدان، قال إن التوصل للاتفاق الأخير في مسقط، يعد تطورًا مهمًا في المسار الإنساني

وأضاف سعيدان لـ”المشاهد” أن التوصل للاتفاق جاء نتيجة مسار طويل من المفاوضات والضغوط الأممية والعُمانية وأطراف دولية فاعلة بالملف اليمني

وأوضح أن هذا التقدم الإنساني لا يعكس اختراقًا حقيقيًا في المسار السياسي المتعثر نتيجة استمرار جماعة الحوثي بالتهديد العسكري

وكان آخرها تهديد الجبهات في مأرب، وهو ما يؤكد أن هذه الجماعة لا تزال بعيدة عن خيار السلام

وأضاف أن الحوثيين اعتادوا، كلما تصاعدت الضغوط ضدهم التقدم خطوات محدودة في الملف الإنساني؛ كوسيلة للتنفيس السياسي وضمان بقائهم

يأتي هذا في ظل عزلة الجماعة المتزايدة وتراجع حضورها إقليميًا ودوليًا

وفيما يتعلق بمحاولات ربط ملف تبادل الأسرى بالتطورات الأخيرة في بعض المحافظات

أشار بن سعيدان إلى أن جماعة الحوثي تسعى لإبقاء موطئ قدم لها بين القوى والمكونات السياسية اليمنية، رغم عزلتها محليًا ودوليًا

معتبرًا أن هذه محاولات لتحقيق مكاسب سياسية بأي ثمن، في ظل تعثر المسار السياسي

وأشار إلى أن مرونة الأطراف في ملف الأسرى تظل محصورة في الإطار الإنساني فقط

موضحًا وجود ضغوط إقليمية ودولية متزايدة على الحوثيين، خاصة عقب الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية

منوهًا أن ذلك أحد أسباب الضغط الإيراني الأخير على الحوثيين

بن سعيدان أوضح أن ملف تبادل الأسرى يظل نجاحًا إنسانيًا محدودًا، بينما المسارين السياسي والعسكري لا يزالان في طريق مسدود

يحدث هذا في ظل استمرار الحوثي بخرق الهدن ونقض الاتفاقيات وتهديد الجبهات

وحول احتمالات تحول التفاهمات الإنسانية إلى مدخلٍ لإعادة تشكيل تحالفات سياسية جديدة

قال بن سعيدان إن هشاشة المشهد الداخلي وانقسامات معسكر الشرعية تمنح الحوثي فرصةً لإثبات وجوده السياسي

لكن يبقى الحل الحقيقي يكمن في مظلة الدولة اليمنية والشرعية المعترف بها دوليًا

وختم بن سعيدان تصريحه بالتأكيد على أن نجاح ملف تبادل الأسرى تحقق سابقًا أكثر من مرة دون أن ينعكس على المسار السياسي

مجددًا قناعته بأن جماعة الحوثي، بحكم عقيدتها المرتبطة بأجندات خارجية، لن تنحاز للسلام

واصفًا إياها بأنها الخطر الحقيقي على الجمهورية اليمنية، والدستور، والقانون، ووحدة الأرض والشعب اليمني

الكاتب والباحث العُماني المهتم بالشؤون السياسية، الدكتور محمد العريمي

قال إن استكمال اتفاق الأسرى بعد سنوات من التعثر من أبرز التطورات الإنسانية والسياسية في المشهد اليمني خلال الفترة الأخيرة

وأشار إلى أن الاتفاق الذي شمل الإفراج عن نحو 2900 محتجز، واكبتها أنباء عن إطلاق سراح شخصيات بارزة

لافتًا إلى ذلك ما منحها بعدًا رمزيًا وسياسيًا إلى جانب بعدها الإنساني

وأوضح العريمي أن هذا الإنجاز يمكن قراءته بوصفه نتيجة لتداخل عوامل داخلية وإقليمية ودولية أسهمت في إعادة تحريك ملف ظل مجمّدًا لسنوات طويلة

منوهًا إلى أن الضغوط الأممية والدولية، إلى جانب الوساطات الإقليمية، لعبت دورًا حاسمًا في تهيئة المناخ لإحياء هذا الملف

يأتي هذا في ظل الحاجة الملحة لتخفيف المعاناة الإنسانية وتقديم إشارات إيجابية للمجتمع الدولي

وأضاف أن الأطراف المحلية سعت، إلى توظيف هذا التقدم لتعزيز صورتها أمام جمهورها وحلفائها، في مرحلة متعددة الجبهات والضغوط الاقتصادية والعسكرية

وأشار العريمي إلى أن الحكومة وجدت نفسها أمام تحديات داخلية معقدة؛ دفعتها لتحقيق اختراقٍ إيجابي في أحد المسارات؛ لإعادة ترتيب أولوياتها في ظل تشتت مراكز النفوذ

وأكد العريمي أنه من المبكر اعتبار نجاح صفقة تبادل الأسرى مؤشرًا على تقاربٍ سياسي واسع أو تمهيدًا لتفاهمات استراتيجية بين الطرفين

موضحًا أن التفاهم ظل حتى الآن محصورًا إلى حدٍ كبير في إطاره الإنساني، وبعيدًا عن المسارات العسكرية والسياسية الأكثر حساسية

ومع ذلك، رأى العليمي أن هذا الاختراق المحدود قد يفتح نافذةً لاتفاقاتٍ جزئية في ملفات إنسانية أخرى

لكن دون أن ينعكس سريعًا على مسار التسوية الشاملة

وحذّر العريمي من المخاطر المرتبطة بتحويل التفاهمات الجزئية إلى مدخلٍ لإعادة صياغة التحالفات السياسية داخل الساحة اليمنية

يحدث هذا في ظل هشاشة البنية الداخلية وتنامي الانقسامات بين القوى المناهضة للحوثيين

واعتبر أن أي تقاربٍ جزئي قد يعمّق الشكوك داخل معسكر الشرعية، مع حساسية موقع المجلس الانتقالي وتنامي دوره العسكري والسياسي

واختتم العريمي: “نجاح ملف الأسرى قد يشكل رسالةً على إمكانية تحقيق تقدمٍ في بعض المسارات الإنسانية، كفتح المعابر والطرق

لكن لن يكون بالضرورة بداية لمسار تفاوضي شامل، ما لم تتوفر بيئة سياسية وتوافقات أعمق تتجاوز حالة التجزئة والانقسام القائمة

من جانبه، قال رئيس مركز «يني يمن»، الإعلامي صالح الجبري، إن اتفاق تبادل الأسرى جاء ثمرة “حوارات” بين الحكومة والحوثيين

كانت في معظمها حوارات ثنائية، إلى جانب تدخلاتٍ إقليمية شملت السعودية وعُمان، إضافةً إلى إيران

وأشار إلى أن الاتفاق السعودي– الإيراني الأخير برعاية صينية؛ أثّر بوضوح في ممارسة ضغوط على إيران لدفع الحوثيين لإبداء حسن نية في الملف الإنساني

وأضاف أن الرياض لعبت دورًا مهمًا في هذا الملف، كونها تقدم نفسها اليوم كوسيط للحل بين اليمنيين

كما أن هذا الإنجاز يحسب لها، خاصةً أن من بين المفرج عنهم جنود سعوديون وسودانيون ضمن قوات التحالف

وأشار الجبري إلى أن من العوامل المؤثرة أيضًا توقف الحرب في غزة، وما رافق ذلك من تراجع الذرائع التي كانت تستخدمها جماعة الحوثي

حيث ادّعت خلال الفترة الماضية أنها تدافع عن القضية الفلسطينية، عبر هجماتها بالبحر الأحمر واستهداف مواقع داخل الأراضي المحتلة

وبيّن الجبري أن هذا الواقع دفع ميليشيات الحوثي إلى محاولة تقديم نفسها كطرف إنساني وأخلاقي؛ لتخفيف الضغط الدولي والإقليمي عليها

وتوجيه رسائل إيجابية بعد سنوات من التعنت

ولفت إلى أن الحكومة اليمنية طالبت منذ وقت طويل بأن بإثبات جدية الحوثي في الحوار الوطني عبر الإفراج عن جميع المعتقلين

موضحًا أن من تحتجزهم جماعة الحوثي هم في الغالب معتقلون مدنيون جرى اعتقالهم من منازلهم بسبب مواقفهم السياسية

بينما من لدى الحكومة اليمنية هم أسرى حرب تم أسرهم من جبهات القتال، وهو فرق جوهري قانونيًا وأخلاقيًا

وأضاف الجبري أن الضغوط الشعبية بمناطق سيطرة الحوثي، بسبب الفقر والجوع وانقطاع الرواتب منذ عشر سنوات، شكّلت عاملًا داخليًا مهمًا

لافتًا إلى أن توقف الحرب الإقليمية أسقط آخر الذرائع التي كانت تستخدمها الجماعة لتبرير تعطيل الملفات الإنسانية

واعتبر أن الحوثي يحاول من خلال هذه الخطوة تحريك حالة الركود السياسي

وتقديم نفسه كسلطة أمر واقع في الشمال، وحامٍ مزعوم للوحدة اليمنية، في محاولة لتكريس شرعيته

الجبري يعتقد أن ما تحقق لا يمكن أن يمحو الجرائم والانقلاب الذي نفذته جماعة الحوثي بحق الدولة اليمنية

لكنه في الوقت ذاته يمثل نجاحًا للمفاوض اليمني، ويعكس وجود نية صادقة لدى الحكومة للدفع نحو الحل السياسي

وأشار إلى أن الحوثي كان يرفض سابقًا الحوار مع الحكومة، ويصر على التفاوض فقط مع السعودية

لكنه اليوم رضخ للجلوس على طاولة الحوار مع ممثلي الحكومة نتيجة الضغوط المحلية والإقليمية والدولية

وأوضح أن الاتفاق الإقليمي الأخير تضمّن شروطًا تتعلق بوقف الحرب والدخول في مسار الحوار

مرجحًا أن تشهد المرحلة المقبلة تطورات إضافية قد تدفع الحوثي للانخراط في الحوار الوطني والقبول بخارطة الطريق المطروحة

يأتي هذا في ظل حالة الضعف التي تعيشها الجماعة، وتصاعد السخط الشعبي في مناطق سيطرتها

وأضاف أن هذا الاتفاق قد يفتح المجال أمام تفاهمات أخرى في الملفات الإنسانية، وقد يشجع الأطراف الراعية على دفع العملية السياسية قدمًا

الجبري اعتبر أن أي تقدمٍ حقيقي يتطلب توحيد موقف الحكومة اليمنية

مشيرًا إلى أن الانقسامات داخل مؤسسات الشرعية أضعفت قدرتها على تحقيق إنجازات أكبر، سواء عسكريًا أو سياسيًا

واختتم: استمرار الضغط المحلي والإقليمي والدولي سيجبر جماعة الحوثي في نهاية المطاف على القبول بالحل السياسي

كما حدث مع أطراف أخرى مرتبطة بإيران في المنطقة

ما رأيك بهذا الخبر؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن