منشأة بلحاف مورد اقتصادي معطل
منذ 4 ساعات
عتق- محمد الوهبانيمنذ أكثر من تسع سنوات، تقف منشأة بلحاف لتسييل وتصدير الغاز الطبيعي المسال في محافظة شبوة خارج الخدمة، رغم كونها أحد أكبر المشاريع الاقتصادية في اليمن
المشروع الذي كان يعوَل عليه بوصفه رافدًا مهمًا للاقتصاد ومصدرًا للنقد الأجنبي، تحول منذ شهر أبريل 2015 إلى منشأةٍ متوقفةٍ بفعل الحرب، والتعقيدات الأمنية، وإقحام الاقتصاد في الصراع السياسي
بحسب الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال، فإن المشروع صُمم بطاقةٍ إنتاجيةٍ تبلغ نحو 6
7 ملايين طن متري سنويًا، تنقل عبر خط أنابيب بطولٍ يقارب 320 كيلومترًا من قطاع 18 في مأرب إلى ساحل بلحاف على بحر العرب، وبلغت تكلفة المشروع نحو خمسة مليارات دولار، بمشاركة سبعة شركاء دوليين
وفي فبراير 2009 دخل اليمن فعليًا سوق مصدري الغاز الطبيعي المسال، وبدأ تصدير أولى الشحنات، في مرحلةٍ اعتبرت آنذاك تحولًا نوعيًا في الاقتصاد الوطني
بحسب الخبير الاقتصادي، فارس النجار، قبل اندلاع الحرب مثّلت صادرات الغاز أحد أكثر مصادر النقد الأجنبي استقرارًا، مستشهدًا ببيانات أوردها نقلًا عن صندوق النقد الدولي
حيث ارتفعت قيمة صادرات الغاز الطبيعي المسال من نحو 980 مليون دولار في 2010، إلى 1
47 مليار دولار في 2011، ثم إلى نحو 1
9 مليار دولار في 2013، قبل أن تقفز إلى حوالي 3
8 مليارات دولار في 2014
لكن هذه القيمة الإجمالية للصادرات لا تعكس صافي حصة الحكومة اليمنية، إذ يوضح النجار أن صافي إيرادات الحكومة من المشروع في 2014 تراوحت بين 665 و740 مليون دولار؛ نتيجة لطبيعة العقود طويلة الأجل وتقاسم العوائد مع الشركاء الدوليين في المشروع
ويؤكد النجار أن هذه الإيرادات كانت تلعب دورًا محوريًا في دعم ميزان المدفوعات، واستقرار سعر الصرف، وتقليل عجز الموازنة، وتخفيف الضغط على الاحتياطيات النقدية، وتقليل الاعتماد على التمويل التضخمي والمساعدات الخارجية
الخبير الاقتصادي، فارس النجار: كانت بلحاف قبل الحرب تمثل أحد أكثر مصادر النقد الأجنبي انتظامًا خارج النفط، وغيابها ترك فجوةً يصعب على أي مَوردٍ آخر تعويضها”في أبريل 2015، أعلنت اليمن حالة “القوة القاهرة” على صادرات الغاز بسبب تدهور الوضع الأمني عقب انهيار الحكومة وتصاعد النزاع، جرى إجلاء الموظفين الأجانب، وتم تخفيض الإنتاج، ثم إيقافه بالكامل في وقتٍ لاحق
في يوليو عام 2019 أكدت شركة “توتال” في بيانٍ على صفحتها، أن موظفيها الأجانب غادروا اليمن منذ 2015، وأن الشركة لم تحقق أي أرباحٍ منذ ذلك الحين، بل استمرت مع بقية الشركاء في تمويل عمليات الصيانة والحفاظ على الموقع ومنشآته، لضمان بقائه صالحًا للتشغيل مستقبلًا
وأكدت “توتال” أن استئناف التشغيل غير ممكن في ظل الظروف الأمنية والسياسية الحالية، مشيرةً إلى حوادث تخريب طالت خط الأنابيب في 2019، كدليلٍ على هشاشة البيئة التشغيلية
“القوة القاهرة لم تكن قرارًا تقنيًا فقط، بل كانت نقطة تحول أنهت فعليًا علاقة اليمن بسوق الغاز العالمي”بعد التوقف في 2015، تحولت منشأة بلحاف إلى عنوانٍ لتوترٍ سياسي وأمني، وأصبحت ثكنةً عسكريةً لقواتٍ إماراتيةٍ وقواتٍ محليةً موالية لها
وفي هذا الصدد يشير الخبير الاقتصادي، الدكتور سعيد عبدالمؤمن، إلى أن عملية التشغيل كانت تواجه في السابق معضلاتٍ سياسيةً وأمنية، من بينها السيطرة الإماراتية على المنشأة لفترة
إضافةً إلى الخلاف بين حكومتي عدن وصنعاء حول تقاسم الإيرادات، وهو ما أدّى إلى تعطيل التصدير، بحسب عبدالمؤمن، مشيرًا الى أن تجاوز هذه العقبات يتطلب الانتقال إلى مرحلة حوارٍ وطني اقتصادي يضمن إدارة موحدة للموارد السيادية
وكانت السلطة المحلية في شبوة، وعلى رأسها المحافظ السابق محمد صالح بن عديو، طالبت بإخلاء المنشأة من القوات الإماراتية وإعادة تشغيلها، محذرةً من تصاعد الاحتجاجات الشعبية نتيجة تعطيل المشروع وحرمان آلاف الموظفين من أعمالهم، وحرمان الدولة من مورد سيادي رئيسي
كما اعتبر ناشطون وشخصيات اجتماعية في شبوة أن استمرار عسكرة المنشأة يعرقل أي إمكانيةٍ لاستعادة النشاط الاقتصادي، ويحوّل منشأةً تنمويةً إلى بؤرة صراع
وانسحبت الإمارات من منشأة بلحاف في شبوة في سياق خروجها من اليمن، بعد مهلة 24 ساعة التي أعلنها رئيس مجلس القيادة الرئاسي للقوات الإماراتية بمغادرة الأراضي اليمنية، وإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين
“حين تتحول منشأة اقتصادية إلى ثكنة عسكرية، يصبح تعطيلها جزءا من الصراع لا نتيجة للصراع فقط”بحسب الخبير الاقتصادي، فارس النجار، تقدر الخسائر التراكمية لقيمة صادرات الغاز منذ 2015 بنحو 50 مليار دولار، فيما تقدر الخسائر المباشرة على موارد الدولة بين 9 و11 مليار دولار، وفق سيناريو محافظ يراعي تقلبات الأسعار العالمية، بما في ذلك الطفرة الكبيرة التي شهدها سوق الغاز جراء الحرب في أوكرانيا
ويضيف النجار أن استمرار التشغيل بعد 2020، في ظل ارتفاع الأسعار، كان يمكن أن يرفع قيمة الصادرات الى حوالي سبعة مليارات دولار سنويًا؛ وهو ما سيوفر للخزينة أكثر من مليار دولار سنويًا، وهو ما كان كفيلًا بتغيير مسار الاستقرار النقدي والمالي في البلاد
يرى الدكتور سعيد عبدالمؤمن أن إعادة تشغيل منشأة بلحاف واستئناف تصدير يتطلب حزمةً من الإجراءات السياسية والفنية والاقتصادية، وفي مقدمتها العودة إلى الاتفاقيات المنظمة للتصدير، مع إعادة النظر في شروطها بما يتناسب والمتغيرات الحالية في السوق العالمية وأسعار الطاقة
واكد عبدالمؤمن على أن العقود السابقة، سواءً مع كوريا الجنوبية أو مع الجانب الفرنسي، انتهى بعضها وتم تعديل بعضها الآخر، وهو ما يفتح المجال لإعادة التفاوض حول الأسعار وربطها بالأسعار العالمية الحالية؛ بما يضمن تعظيم استفادة الاقتصاد الوطني، خصوصًا إذا ذهبت الإيرادات مباشرةً إلى البنك المركزي وأسهمت في دعم المالية العامة واستقرار العملة
كما انتقد الخبير الاقتصادي، عبدالواحد العوبلي، عقود الغاز الموقعة مع شركة “توتال”، واصفًا إياها بـ”المجحفة”، مشيرًا إلى أن شركة “توتال” استفادت بشكلٍ غير عادل من المشروع، سواءً عبر تضخيم كلفة المحطة أو عبر شروط التعاقد؛ ما أضعف حصة اليمن من العوائد الحقيقية
ويشير العوبلي إلى أن هناك مسارات قانونية يمكن لليمن اللجوء إليها لإعادة النظر في هذه التعاقدات، سواء عبر ملفات الفساد، أو المخالفات الإدارية والمالية، أو الانتهاكات البيئية، داعيًا إلى فتح هذه الملفات ومساءلة “توتال” عن جرائمها وفسادها في حق اليمنيين، وبما يضمن حماية الحقوق السيادية والاقتصادية للبلاد
تواجه منشأة بلحاف الغازية تحديًا كبيرًا لإعادة تشغيلها مجددًا، يتمثل هذا التحدي بأهميتها الاقتصادية السيادية، والتعقيدات السياسية والأمنية العميقة في الوقت الحالي، وتعكس صورةً عن الحكومة اليمنية التي تعاني أزمةً في السيادة، والحوكمة، واتخاذ القرار
من حيث الإمكانات، يستطيع المشروع أن يعود موردًا اقتصاديًا مهمًا إلى خزينة الدولة، وأن يسهم في دعم استقرار العملة، وتقليص الاعتماد على المساعدات، وتحسين الاستقرار المالي والنقدي، فضلًا عن إرسال رسالةٍ إيجابيةٍ للمستثمرين بأن اليمن لا يزال قادرًا على استعادة جزء من عافيته الاقتصادية
لكن هذه الإمكانية لا يمكن أن تتحول تلقائيًا إلى واقع، فهي تظل مشروطةً بتوفر بيئةٍ أمنيةٍ مستقرة، وإرادةٍ سياسية واضحة، وإطارٍ مؤسسي شفاف لإدارة هذا المورد، ومعالجةٍ جذريةٍ لأسباب التعطيل، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والموارد، وبين الأمن والاقتصاد، وبين الشراكة المحلية والدولية
ويرى الخبير الاقتصادي، فارس النجار، أن إعادة تشغيل منشأة بلحاف يمكن أن تشكل نقطة تحولٍ حقيقية للاقتصاد اليمني، لكن ذلك مشروط بجملةٍ من العوامل السياسية والأمنية والمؤسسية
فقرار إعادة التشغيل، بحسب وصفه، ليس اقتصاديًا فقط، بل سيادي وأمني بامتياز، ويتطلب ضماناتٍ حقيقيةً للشركات، ومعالجة ملف القوة القاهرة، وإعادة التفاوض على بعض الشروط التعاقدية بما يضمن مصلحة الدولة، وحماية المنشأة من الاستهداف
ومع اتساع الجدل حول الجوانب الفنية والاقتصادية والقانونية لإعادة تشغيل منشأة بلحاف، يبرز سؤال أعمق يتعلق بطبيعة إدارة الموارد السيادية في بلدٍ يعيش صراعًا مفتوحًا، وحول ما إذا كانت هذه الموارد يمكن أن تتحول من موضوع نزاعٍ إلى مدخلٍ للتوافق والاستقرار
في هذا الجانب، يرى رئيس مركز الدراسات والاعلام الاقتصادي، مصطفى نصر، أن تحييد الموارد والمنشآت الاقتصادية عن الصراع السياسي والعسكري يمثل شرطًا أساسيًا لأي مسارٍ جاد للتعافي الاقتصادي في اليمن، مؤكدًا أهمية العمل وفق مبادئ الشفافية والحوكمة لكي لا تتحول هذه الثروة إلى لعنةٍ على الاستقرار
وأشار نصر إلى أنه لا يمكن الحديث عن استقرارٍ مالي أو جذب استثمارات في ظل تحويل المنشآت الإنتاجية إلى أدوات ضغطٍ أو ساحات صراع
وأضاف نصر أن هذه الموارد ثروة وطنية للأجيال، ويجب إدارتها باعتبارها ثروة سيادية، كما هو الحال في كثير من دول العالم
داعيًا جميع الأطراف إلى تحييد الاقتصاد عن المواجهة، وحمايته من الاستخدام السياسي والعسكري، مشددًا على أن استمرار تسييس الاقتصاد لا يطيل أمد الأزمة فحسب، بل يضاعف كلفتها الاجتماعية والإنسانية ويقوّض فرص التعافي الاقتصادي
ويؤكد الدكتور سعيد عبدالمؤمن أن من أبرز العوائق التي واجهت التشغيل في السابق، الخلافات السياسية بين الأطراف اليمنية، إضافةً إلى الأوضاع الأمنية حول المنشأة وخطوط الأنابيب، مؤكدًا أن تجاوز هذه العوائق يتطلب حوارًا اقتصاديًا وسياسيًا يضمن إدارةً موحدةً للموار، بعيدًا عن الصراع السياسي
وأشار عبدالمؤمن إلى أن اليمن لم يعد بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الصراع، بل إلى توافقٍ سياسي واقتصادي يتيح المجال لإعادة بناء الدولة والمؤسسات، وتحفيز الاستثمار، ووقف تدهور المؤشرات الاقتصادية من بطالةٍ وفقرٍ وهجرةٍ وانهيارٍ للعملة، داعيًا إلى بناء دولة مؤسسات قائمة على الكفاءة والمساواة والتعاون بين مختلف فئات المجتمع في هذا السياق، شدد الخبير في شؤون النفط والغاز، وكيل محافظة الجوف، ناجي مسيح، أن نجاح العودة لا يرتبط بالأمن فقط، بل بالإصلاح المؤسسي
مضيفًا: “تأمين المنشآت لا يكفي وحده، يجب استكمال هيكلة وزارة النفط، وتفعيل لجنةٍ مستقلة للتسويق والتصدير بصلاحياتٍ واضحة وشفافية كاملة”
ويرى ناجي أن هذا التكامل بين الأمن والإدارة هو الشرط الأساسي لتحويل الموارد النفطية والغازية إلى محركٍ حقيقي للاستقرار الاقتصادي
من جانبه، حذّر النجار من أن إعادة التشغيل دون إطار حوكمة شفاف قد يحول الإيرادات إلى مصدر توترٍ وصراع بدلًا من أن تكون رافعةً للاستقرار
وختامًا، إلى أن تتهيأ الظروف ستظل منشأة بلحاف مشروعًا اقتصاديًا كبيرًا جاهزًا من حيث الوجود، معطلًا من حيث القرار، ومتوقفًا بفعل الصراع السياسي
ما رأيك بهذا الخبر؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن