من الدولة الهشة إلى الدولة التوافقية.. دراسة تبحث جذور الأزمة اليمنية وتطرح رؤية عملية لبناء السلام والاستقرار
منذ 9 ساعات
لم تعد الأزمة اليمنية مجرد حرب تدور بين أطراف متصارعة، ولا مجرد أزمة سياسية يمكن احتواؤها باتفاق مؤقت أو هدنة عابرة
فبعد أكثر من عقد من الصراع، تكشفت الأزمة بوصفها أزمة دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ دولة تآكلت مؤسساتها، وتراجعت قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، وتعرض نسيجها الاجتماعي والاقتصادي لاختبارات غير مسبوقة
وعلى الرغم من تعدد المبادرات السياسية والجهود الإقليمية والدولية، فإن معظم المقاربات التي طُرحت انشغلت بإدارة الصراع أكثر من انشغالها بمعالجة أسبابه العميقة، الأمر الذي جعل الأزمة تتجدد بأشكال مختلفة دون الوصول إلى استقرار حقيقي
وتحاول هذه الدراسة تقديم قراءة مختلفة للأزمة اليمنية، تنطلق من جذورها البنيوية المرتبطة بفشل بناء الدولة، وتبحث في الأسباب التي أعاقت الحلول السابقة، كما تطرح مسارًا عمليًا للانتقال من منطق إدارة النزاع إلى منطق بناء الدولة، باعتباره المدخل الأكثر واقعية لتحقيق السلام والاستقرار في اليمن
المحور الثاني: الحاضر اليمني
مشكلات وحلولالأزمة اليمنية الراهنة: نحو مقاربة بنيوية ومسار توافقي لبناء الدولةالملخص تناول هذه الدراسة الأزمة اليمنية الراهنة بوصفها أزمة مركبة متعددة الأبعاد، تتجاوز كونها صراعًا مسلحًا إلى كونها تعبيرًا عن تفكك بنيوي في الدولة، وتصدع في الهوية الوطنية، وانهيار في البنية الاقتصادية والاجتماعية
تنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن استمرار التعامل مع الأزمة ضمن إطار إدارة النزاع ساهم في إطالة أمدها وتعميقها، دون معالجة جذورها العميقة المتمثلة في فشل بناء الدولة الحديثة
تعتمد الدراسة على مقاربة تحليلية بنيوية تفسر تداخل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسردية، وتوضح كيف أدى تعدد مراكز القوة، وغياب المشروع الوطني الجامع، وتدويل الصراع إلى إعادة إنتاج الأزمة بشكل مستمر
كما تكشف عن محدودية المقاربات الدولية والإقليمية التي ركزت على التهدئة الأمنية دون إحداث تحول مؤسسي حقيقي
وفي مقابل ذلك، تقترح الدراسة مسارًا توافقيًا بديلًا يقوم على الانتقال المتدرج من إدارة النزاع إلى بناء الدولة، من خلال الشراكة الوطنية، واللامركزية الفاعلة، والإصلاح المؤسسي، مدعومًا بإطار اقتصادي يخرج البلاد تدريجيًا من اقتصاديات الحرب
وخلصت الدراسة إلى أن نجاح هذا المسار يتوقف على وجود إرادة يمنية داخلية قادرة على صياغة عقد سياسي جديد، مدعومة بدور إقليمي ودولي متوازن يركز على بناء المؤسسات لا على إدارة الصراع فحسب
الكلمات المفتاحية: الأزمة اليمنية، الدولة الهشة، المقاربة البنيوية، إدارة النزاع، بناء الدولة، المسار التوافقي، الإصلاح المؤسسي
1
المقدمة:يولد اليمني في وطنه ليكون غريبًا فيه، لا لأن الأرض لفظته، بل لأن الدولة لم تحتضنه
تتحول الحياة إلى معركة يومية للبقاء، حيث يدفع الإنسان ثمن كل حق طبيعي له حتى يعيش بكرامة
هنا، لا تبدأ الأزمة من السياسة، بل من اختلال معنى الإنسان داخل الدولة؛ إذ حين يفقد الفرد شعوره بالأمان والانتماء، تصبح كل البنى السياسية لاحقًا مجرد انعكاس لهذا الخلل الأعمق
ومن هذا المنطلق، فإن الأزمة اليمنية هي في جوهرها أزمة إنسان قبل أن تكون أزمة نظام
تكمن أهمية هذه الدراسة في سعيها إلى إعادة تأطير الأزمة بوصفها أزمة دولة لا نزاعًا عابرًا، وهو ما يتطلب تجاوز المقاربات الضيقة نحو تحليل بنيوي شامل
فعلى الرغم من تراكم الأدبيات وتعدد المبادرات السياسية، لا تزال هناك فجوة واضحة بين المعرفة وصنع القرار، حيث لا تتحول المخرجات البحثية إلى سياسات فاعلة في ظل غياب أطر مؤسسية وسيطة قادرة على تفعيلها
وفي هذا السياق، تبرز مشكلة الدراسة في القصور الذي تعانيه المقاربات السائدة للأزمة اليمنية، والتي انحصرت إلى حد كبير في إطار إدارة النزاع دون معالجة جذوره البنيوية المرتبطة بفشل بناء الدولة
وقد أدى هذا القصور، رغم تعدد المبادرات وتراكم الجهود الدولية والإقليمية، إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلًا من حلها، وعجزها عن تحقيق استقرار مستدام
ومن هنا، تتمحور الإشكالية الرئيسة حول التساؤل الآتي: لماذا فشلت مقاربات إدارة النزاع في معالجة الأزمة اليمنية، وما الشروط البنيوية والسياسية اللازمة للانتقال إلى مسار بناء دولة مستدامة؟ ويتفرع عن هذا السؤال جملة من التساؤلات المتعلقة بطبيعة الخلل المؤسسي، ودور الفاعلين المحليين والخارجيين، وحدود المقاربات الدولية في تحقيق السلام
وانطلاقًا من ذلك، تهدف هذه الدراسة إلى تقديم مقاربة تفسيرية متكاملة للأزمة اليمنية، تفسّر جذورها العميقة، وتطرح مسارًا واقعيًا للانتقال من إدارة النزاع إلى بناء الدولة، عبر ربط التحليل النظري بمسارات تطبيقية قابلة للتنفيذ
وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من سعيها إلى تجاوز التفسيرات السطحية نحو فهم البنى العميقة المنتجة للصراع، بما يسهم في إعادة تعريف الدولة بوصفها إطارًا جامعًا للحقوق لا ساحة للصراع
2
الإطار المنهجي والنظري2
1 المنهجيةتعتمد الدراسة على تحليل نوعي يستند إلى الأدبيات الأكاديمية والتقارير الدولية، مع توظيف منهج تركيبي لإعادة بناء العلاقات بين عناصر الأزمة
وتسعى الدراسة أيضاً، إلى ربط التحليل بالبعد التطبيقي عبر تحويل النتائج إلى مسارات تنفيذية، بما يسهم في تقليص الفجوة بين المعرفة والسياسات العامة
2
2 الإطار النظريوتعيد الدراسة تعريف الأزمة اليمنية بوصفها بنية مركبة لإعادة إنتاج الانهيار، تتكون من بنية سياسية قائمة على تعدد السلطات، وبنية اجتماعية تتسم بتفكك الهوية، وبنية اقتصادية يغلب عليها اقتصاد الحرب والمساعدات (Collier, 2007)، إضافة إلى بنية رقمية سردية تعزز الاستقطاب والخطابات الإقصائية، وبنية سيادية تعكس تآكل القرار الوطني
وتتميز هذه البنى بطبيعة تفاعلية دائرية، حيث يسهم كل منها في تعزيز الآخر، بما يحول الأزمة من حالة مؤقتة إلى نظام مستدام
3
تشخيص الأزمة اليمنية (التحليل البنيوي)تكشف القراءة البنيوية للأزمة اليمنية أنها ليست نتاج لحظة سياسية طارئة، بل نتيجة تراكم تاريخي لاختلالات عميقة في بنية الدولة والمجتمع
وتعود جذور هذه الأزمة إلى مجموعة من العوامل البنيوية، أبرزها فشل بناء الدولة المؤسسية عبر مراحل تاريخية متعاقبة، وغياب نخبة وطنية قادرة على تجاوز الانقسامات، وتحول الصراع من طابعه السياسي إلى طابع وجودي، إلى جانب غياب وسيط وطني محايد قادر على إدارة التوازنات الداخلية
وتشير هذه العوامل إلى أن الأزمة الراهنة ليست إلا تعبيرًا عن مسار طويل من الاختلال البنيوي
3
1 الخلل البنيوي في الدولة3
2 تعدد مراكز القوة3
3 الانهيار الاقتصادي3
4 الانقسام الاجتماعي والهوياتيأسهم التسييس الحاد للهويات في تفكك النسيج الاجتماعي وتآكل الثقة، ما جعل إعادة بناء الدولة أكثر تعقيدًا
ولم يعد الانقسام مجرد نتيجة للصراع، بل أصبح أحد محركاته الأساسية، مما انعكس على ضعف الروابط الوطنية الجامعة
3
5 التدويل والتدخلات الخارجية4
لماذا فشلت المقاربات السابقة؟تعود محدودية فاعلية المقاربات السابقة إلى انحصارها في إطار إدارة النزاع بدلًا من معالجته جذريًا
فقد انصبت الجهود، سواء العسكرية أو التفاوضية، على احتواء العنف أو تجميده عبر هدن مؤقتة وترتيبات أمنية جزئية، دون التطرق إلى الأسس البنيوية التي أنتجت الأزمة، وعلى رأسها فشل بناء الدولة، واختلال توزيع السلطة والثروة، وغياب عقد اجتماعي جامع
ونتيجة لذلك، تحولت هذه المقاربات إلى آليات لإدارة الأزمة لا لتفكيكها، مما أسهم في إعادة إنتاجها بصورة دورية
كما أن التسويات التي طُرحت غالبًا ما اتسمت بالشكلية، إذ ركزت على تقاسم المناصب أو إعادة توزيع النفوذ بين النخب، دون إحداث تحول مؤسسي حقيقي في بنية الدولة
وقد جعل ذلك أي اتفاق عرضة للانهيار بمجرد تغير موازين القوى، لكونه لم يعالج جذور الاختلال، بل أعاد ترتيبها مؤقتًا في إطار هش
إلى جانب ذلك، مثّل غياب مشروع وطني جامع أحد أبرز أسباب الفشل، حيث دخلت الأطراف المختلفة في العملية السياسية دون رؤية مشتركة لمستقبل الدولة
وبدلًا من أن تكون التسويات مدخلًا لبناء شراكة وطنية، تحولت إلى ساحة صراع صفري تسعى فيها كل قوة لتعظيم مكاسبها، في ظل انقسامات داخلية حتى داخل المعسكرات ذاتها
5
المقاربة البنيوية للحل: من إدارة النزاع إلى بناء الدولةتنطلق هذه الدراسة من فرضية أن معالجة الأزمة اليمنية لا يمكن أن تتم عبر حلول جزئية أو تسويات ظرفية، بل تتطلب مقاربة بنيوية شاملة تعالج جذور الاختلال في الدولة والمجتمع والاقتصاد في آنٍ واحد
فالأزمة، كما سبق تشخيصها، ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي تعبير عن خلل عميق في بنية الدولة ووظيفتها
وعليه، فإن الانتقال إلى الاستقرار يستلزم إعادة توجيه مسار التعامل مع الأزمة من إدارة النزاع إلى بناء الدولة عبر عملية تدريجية، توافقية، وواقعية
5
1 مرتكزات المقاربة المقترحة للحلترتكز المقاربة البنيوية المقترحة على ثلاثة مبادئ حاكمة تشكل الإطار الناظم لأي مسار ناجح:أولًا، الشراكة الوطنية، بوصفها الأساس الذي يقوم عليه أي حل مستدام
فإقصاء أي طرف فاعل، مهما كانت طبيعته، يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة
لذلك، يتطلب الحل إدماج جميع القوى المؤثرة—السياسية والعسكرية والمجتمعية—في إطار وطني جامع، يضمن تمثيلًا متوازنًا ويحول دون احتكار السلطة أو تهميش مكونات بعينها
ثانيًا، التدرج، إذ لا يمكن إعادة بناء دولة منهارة دفعة واحدة أو عبر قرارات فوقية
فالمسار الواقعي يقتضي انتقالًا مرحليًا يبدأ بوقف العنف، ويمتد إلى إعادة بناء المؤسسات، وصولًا إلى ترسيخ الاستقرار
ويُعد التدرج هنا شرطًا لتقليل المخاطر، وبناء الثقة، وضمان استدامة التحول
ثالثًا، الواقعية السياسية، التي تقوم على مبدأ لا غالب ولا مغلوب، والاعتراف بميزان القوى القائم دون تكريسه كحل دائم
فالحلول المثالية أو الإقصائية أثبتت فشلها، بينما يتطلب الحل الواقعي التوصل إلى تسويات قابلة للتطبيق، حتى وإن كانت أقل من الطموحات القصوى للأطراف
5
2 أبعاد المسار التوافقي لبناء الدولةانطلاقًا من هذه المرتكزات، يتشكل مسار توافقي متعدد الأبعاد يسعى إلى إعادة بناء الدولة عبر مجموعة من المسارات المتكاملة:أ) المسار السياسييبدأ هذا المسار بإطلاق عملية حوار وطني شامل لا تستثني أي مكون فاعل، بما في ذلك القوى المسلحة، والمكونات المحلية، والمجتمع المدني، مع ضمان تمثيل متوازن يحد من هيمنة طرف واحد
ويُفترض أن تُدار هذه العملية ضمن إطار زمني واضح وآليات متابعة ملزمة، مع تقليص التدخلات الخارجية إلى دور الضامن لا المتحكم
ولا ينبغي أن ينحصر التفاوض في تقاسم المناصب، بل يتجه نحو صياغة عقد سياسي جديد يعيد تعريف شكل الدولة، ويحدد قواعد توزيع السلطة والثروة، ويؤسس لشرعية قائمة على التوافق لا الغلبة
هذا العقد يمثل نقطة التحول من حالة الصراع إلى حالة الدولة
ب) المسار المؤسسييمثل هذا المسار جوهر عملية بناء الدولة، حيث يتم التركيز على إعادة بناء المؤسسات العامة على أسس الكفاءة والاستقلالية
ويشمل ذلك إصلاح الجهاز الإداري، وتعزيز الحوكمة، وإنشاء أطر رقابية فعالة تضمن الشفافية والمساءلة
كما تتطلب هذه المرحلة تبني نموذج لامركزية مرنة (فيدرالية عملية) تمنح الأقاليم صلاحيات حقيقية في إدارة شؤونها المالية والإدارية، مع الحفاظ على وحدة الدولة في القضايا السيادية
ويسهم هذا النموذج في تخفيف الصراع على المركز، وتعزيز شعور المشاركة لدى المكونات المحلية
ج) المسار الأمنييُعد الملف الأمني من أكثر الملفات تعقيدًا، ويتطلب مقاربة تدريجية تقوم على دمج القوات المسلحة وإعادة هيكلة الجيش وفق معايير وطنية ومهنية
ويشمل ذلك تنفيذ برامج لنزع السلاح وإعادة إدماج المقاتلين، مع توفير ضمانات اقتصادية واجتماعية تحول دون عودتهم إلى العنف
ولا يمكن تنفيذ هذا المسار بصورة منفصلة عن التقدم السياسي والاقتصادي، بل يجب أن يكون جزءًا من عملية متكاملة، حيث يرتبط نجاحه بتوافر الثقة والحوافز
د) المسار الاقتصاديلا يمكن لأي تسوية سياسية أن تصمد دون تحسن ملموس في الأوضاع الاقتصادية
لذلك، يتطلب المسار الاقتصادي تنفيذ إجراءات عاجلة تشمل توحيد السياسة النقدية، واستقرار العملة، وضمان صرف الرواتب، إلى جانب إعادة تشغيل الخدمات الأساسية
وبالتوازي، يجب إطلاق إصلاحات هيكلية تتعلق بـإدارة الموارد بشكل شفاف وعادل، من خلال إنشاء مؤسسات مستقلة تشرف على الإيرادات العامة، وتأسيس صندوق وطني للإعمار، بما يحد من اقتصاديات الحرب ويعزز الثقة في الدولة
هـ) المسار المجتمعييمثل البعد المجتمعي ركيزة أساسية لاستدامة السلام، حيث لا يمكن بناء دولة مستقرة دون إعادة بناء الثقة المجتمعية
ويتطلب ذلك إطلاق برامج للمصالحة الوطنية تعتمد على كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وتطبيق نماذج للعفو المشروط، بما يسهم في كسر دائرة الانتقام
كما ينبغي دعم المبادرات المحلية، وإشراك المجتمع المدني، والجامعات، والنخب الفكرية في مراقبة تنفيذ الاتفاقات، بما يعزز الرقابة المجتمعية ويحد من انفراد النخب السياسية بالقرار
و) المسار التطبيقي للمقاربة: من الرؤية إلى التنفيذتكشف التجربة اليمنية عن فجوة واضحة بين تراكم المعرفة حول الحلول وبين قدرتها على النفاذ إلى دوائر صنع القرار، وهو ما جعل كثيرًا من المبادرات تظل في إطار التنظير دون أثر فعلي
وعليه، فإن نجاح المقاربة البنيوية المقترحة يتوقف على تحويلها إلى مسار مرحلي قابل للتنفيذ، محدد الفاعلين، ومقترن بمؤشرات قياس دقيقة
أولًا: الخطوات المرحلية1) المدى القصير (0–12 شهرًا): تثبيت الاستقراريرتكز على وقف إطلاق نار شامل تحت رقابة مشتركة، وفتح الممرات الإنسانية، وضمان صرف الرواتب، مع إجراءات نقدية عاجلة للحد من تدهور العملة
بالتوازي، تُشكَّل هيئة تحضيرية لحوار وطني شامل بإطار زمني واضح
→ الهدف: وقف النزيف وتهيئة بيئة تفاوضية
2) المدى المتوسط (1–3 سنوات): بناء الترتيبات الانتقاليةإطلاق حوار وطني جامع يفضي إلى اتفاق سياسي انتقالي، يتضمن صياغة عقد سياسي جديد، وتطبيق لامركزية تدريجية، وإعادة هيكلة المؤسسات، وبدء دمج القوات بشكل مرحلي، مع إطلاق برنامج إنعاش اقتصادي (توحيد السياسات النقدية، إنشاء صندوق إعمار، ضبط الإيرادات)
→ الهدف: إعادة تأسيس الدولة على قاعدة توافقية
3) المدى الطويل (3–10 سنوات): ترسيخ الاستقراراستكمال بناء المؤسسات، وترسيخ نموذج اللامركزية، وتنويع الاقتصاد، وتعميق المصالحة المجتمعية، بما يحول السلام من حالة مؤقتة إلى بنية مستدامة
→ الهدف: تثبيت الدولة ومنع الارتداد إلى الصراع
ثانياً: الجهات الفاعلةمحليًا: القوى السياسية والعسكرية، والسلطات المحلية، والمجتمع المدني→ التنفيذ وإنتاج الشرعية
مؤسسيًا: البنك المركزي، الأجهزة الرقابية، والإدارة العامة→ إدارة الاقتصاد والإصلاح
معرفيًا: الجامعات ومراكز البحث→ ردم الفجوة بين المعرفة والسياسات
دوليًا وإقليميًا: الأمم المتحدة والدول المؤثرة→ الضمان والدعم الفني والتمويلي
ثالثًا: مؤشرات قياس الأداءأمنيًا: انخفاض الاشتباكات والالتزام بالهدنة
سياسيًا: تقدم الحوار وتوقيع اتفاقات مرحلية
اقتصاديًا: استقرار العملة وانتظام الرواتب وتحسن الخدمات
مؤسسيًا: تحسن الحوكمة والشفافية
مجتمعيًا: تراجع النزوح وتعافي الثقة المحلية
هذه المؤشرات تمثل أداة لقياس التقدم، وتحد من تحويل المسار إلى التزامات شكلية
6
دور الفاعلين الدوليين والإقليميين: من التدخل إلى الضمانيُعدّ البعد الخارجي محددًا حاسمًا في مسار الأزمة اليمنية، حيث أسهم تدخل الفاعلين الإقليميين والدوليين في تعقيد الصراع وإطالة أمده عبر دعم أطراف محلية وتغذية توازنات هشة قائمة على القوة
لذلك، يتطلب أي حل واقعي إعادة تعريف الدور الخارجي ليتحول من منطق التدخل والتأثير إلى منطق الضمان والتيسير
يعني هذا التحول تقليص الانخراط العسكري والامتناع عن استخدام الأطراف المحلية كأدوات في صراعات أوسع، ودعم مسار سياسي شامل يركز على الملكية اليمنية للعملية السياسية دون فرض أجندات مسبقة
كما تبرز ضرورة تحويل نمط الدعم من تمكين الفاعلين المسلحين إلى بناء المؤسسات الإدارية والاقتصادية والرقابية لخلق بيئة أكثر استقرارًا، وربط المساعدات بإصلاحات في الشفافية والمساءلة، والتحول من الإغاثة الطارئة إلى دعم التنمية المستدامة
نجاح هذا التحول يتطلب تنسيقًا دوليًا وإقليميًا منضبطًا يُرسّخ استقرار اليمن كمصلحة مشتركة للجميع، ليصبح الدور الخارجي مساعدًا على الحل بدلاً من إعادة إنتاج الأزمة
7
التحديات المحتملة لتنفيذ الحلعلى الرغم من تماسك المقاربة البنيوية المقترحة، فإن ترجمتها إلى واقع عملي ستواجه جملة من التحديات البنيوية والسياسية التي ينبغي التعامل معها بواقعية:أولًا، مقاومة النخب، حيث تشكّلت خلال سنوات الصراع شبكات نفوذ سياسية واقتصادية مستفيدة من حالة أل لا استقرار، ما يجعلها أقل استعدادًا للانخراط في مسار إصلاحي قد يهدد مصالحها
وتمثل هذه النخب أحد أبرز معوقات الانتقال، إذ تميل إلى تعطيل أي تحول يمسّ توازنات القوة القائمة
ثانيًا، اقتصاد الحرب، الذي تطور ليصبح بنية قائمة بذاتها، تعتمد على الجبايات غير الرسمية، والسوق السوداء، والتحكم في الموارد والمساعدات
هذا الاقتصاد لا يقتصر على تمويل الصراع، بل يخلق حوافز لاستمراره، مما يجعل تفكيكه شرطًا ضروريًا لأي سلام مستدام
ثالثًا، استمرار التدخلات الخارجية، سواء عبر الدعم العسكري أو التأثير السياسي، ما قد يعرقل أي توافق داخلي ويعيد ربط مسار الحل بحسابات إقليمية متغيرة
ويزداد هذا التحدي تعقيدًا في ظل غياب توافق دولي حاسم حول أولويات الحل
رابعًا، ضعف الثقة بين الأطراف، وهو تحدٍّ غير مرئي لكنه عميق التأثير، إذ إن تراكمات الصراع والانتهاكات تجعل من الصعب بناء أرضية مشتركة دون آليات فعالة للمصالحة وجبر الضرر
تُظهر هذه التحديات أن نجاح الحل لا يعتمد فقط على تصميمه، بل على إدارة معوقاته بوعي تدريجي، عبر الحوافز، والضمانات، وبناء الثقة
8
التوصياتتنطلق التوصيات من مبدأ أساسي مفاده أن الأزمة اليمنية تعاني من فجوة واضحة بين المعرفة وصنع القرار، وعليه فإن المطلوب ليس إنتاج حلول جديدة بقدر ما هو تفعيل ما هو قائم ضمن إطار مؤسسي وتنفيذي
أولًا: على المستوى الوطني1
بناء الإطار المؤسسي للدولةيتطلب إعادة بناء الدولة اليمنية تبنّي مشروع وطني شامل لإصلاح المؤسسات على أسس مهنية وشفافة، مع إنشاء منصات وساطة وطنية مستقلة تتمتع بالمصداقية والحياد، تكون قادرة على احتضان المبادرات الوطنية وتقريب وجهات النظر بين الأطراف
لماذا نحتاج إلى منصة وسيطة؟أثبتت الحلول الثنائية القائمة على ثنائية السلطة والمعارضة عجزها عن إنتاج تسويات مستدامة
كما فشلت المبادرات الخارجية في خلق توافق داخلي حقيقي، لعدم وجود فاعل وطني جامع يملأ الفراغ بين الأطراف
الحاجة اليوم ليست إلى طرف جديد ينخرط في الصراع، بل إلى جهة محايدة تعمل فوق الصراع، تكسب ثقة جميع الأطراف وتُسهّل انتقال اليمن من مرحلة التنافس على السلطة إلى مرحلة بناء مؤسسات الدولة
2
تعزيز البنية المعرفية وصنع القرار المبني على الأدلةمن خلال إنشاء قاعدة بيانات وطنية شاملة للدراسات والأبحاث، واستثمار مخرجات البحث العلمي في صياغة السياسات، وإشراك الجامعات ومراكز البحث كشريك فاعل في عملية صنع القرار، بما يسهم في ردم الفجوة بين المعرفة والتطبيق
3
إعادة بناء الثقة المجتمعيةعبر إطلاق برامج وطنية لتعزيز التماسك الاجتماعي، ودعم المبادرات المحلية التي تعيد بناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع، بما يحد من الانقسامات الهوياتية والمناطقية
4
ربط المعرفة بالقرار السياسيمن خلال إيجاد قنوات مؤسسية وغير رسمية تضمن وصول مخرجات المبادرات الوطنية إلى صانعي القرار، وتعزيز دور الخبراء في تقديم استشارات مبنية على الأدلة
ثانيًا: على المستوى الدولي1
دعم بناء الدولة لا إدارة الصراععبر توجيه الدعم نحو المؤسسات بدل الأطراف، وتقليل التدخلات التي تعمّق الانقسام
2
دعم التنمية المستدامة والاستقرار الاقتصاديمن خلال تمويل برامج طويلة الأمد تعزز التعافي الاقتصادي وتبني القدرات المحلية
3
دعم المعرفة والشراكات العلميةعبر تمكين الباحثين اليمنيين، وتشجيع الشراكات الأكاديمية الدولية، وتعزيز دور المعرفة في تحليل السياسات
4
تقديم الدعم الفني مع ضمان الاستقلاليةبحيث يُسهم الدعم الدولي في تقوية المبادرات الوطنية دون توجيهها أو تسييسها
5
مصفوفة تنفيذ التوصياتأولاً: على المستوى الوطنيالمجالالإجراء التنفيذيالجهة المسؤولةالإطار الزمنيمؤشرات القياسبناء الإطار المؤسسيإطلاق برنامج وطني لإعادة بناء مؤسسات الدولةالحكومة + خبراء مستقلونمتوسط – طويلعدد المؤسسات المعاد هيكلتها، مستوى الكفاءة المؤسسيةإنشاء منصات وساطة وطنية مستقلةمؤسسات مدنية + نخب وطنيةقصير - طويلعدد المبادرات الوسيطة، انخفاض النزاعات المحليةتبني المبادرات الوطنية مؤسسياًرئاسة الدولة / مجلس القيادةقصيرقرارات رسمية بالتبني، مستوى المشاركة الوطنيةالبنية المعرفيةإنشاء قاعدة بيانات وطنية للأبحاثوزارة التعليم العالي + الجامعاتقصير – متوسطعدد الدراسات الموثقة، حجم الاستخدامإدماج البحث العلمي في صنع القرارمراكز بحث + جهات حكوميةمتوسطعدد السياسات المبنية على دراساتإشراك الجامعات في المنصات الوطنيةالجامعات + التنسيقيات الوطنيةقصيرعدد الشراكات الأكاديميةالثقة المجتمعيةإطلاق برامج التماسك الاجتماعيمنظمات مجتمع مدني + الدولةمتوسطانخفاض مؤشرات التوتر، عدد المبادرات المجتمعيةدعم المبادرات المحلية للمصالحةالسلطات المحليةقصير – متوسطعدد اتفاقات المصالحة المحليةربط المعرفة بالقرارإنشاء قنوات اتصال بين الخبراء وصناع القرارالحكومة + مراكز بحثقصيرعدد الاجتماعات الاستشاريةتفعيل دور الخبراء في السياسات العامةالمؤسسات الحكوميةمتوسطنسبة إشراك الخبراء في القرار ثانياً: على المستوى الدوليالمجالالإجراء التنفيذيالجهة المسؤولةالإطار الزمنيمؤشرات القياسدعم بناء الدولةتوجيه الدعم نحو المؤسسات الوطنيةالمنظمات الدولية + المانحونمتوسطنسبة التمويل المؤسسي مقابل الإغاثيتقليل التدخلات السياسيةالقوى الإقليمية والدوليةمتوسطانخفاض التدخلات المباشرةالتنمية الاقتصاديةتمويل برامج تنموية مستدامةالبنك الدولي + المانحونطويلمعدلات النمو، تحسن الخدماتالمعرفة والشراكاتدعم البحث المحليمنظمات دولية + جامعاتمتوسطعدد المشاريع البحثيةشراكات بين الجامعات اليمنية والدوليةجامعات دوليةمتوسط – طويلعدد البرامج المشتركةتمكين الباحثين اليمنيينمنظمات دوليةقصير – متوسطعدد المشاركات في السياساتالدعم الفنيتقديم دعم فني مستقلالأمم المتحدة + شركاء دوليونقصير – متوسطعدد البرامج الفنية المنفذةضمان استقلالية المبادرات الوطنيةالجهات الداعمةمستمرمستوى الاستقلال المؤسسي9
الخاتمةتؤكد هذه الدراسة أن الأزمة اليمنية ليست نزاعًا مسلحًا عابرًا، بل تعبير عن خلل بنيوي عميق يجمع بين تفكك المؤسسات، وتآكل الهوية الوطنية، وانهيار القاعدة الاقتصادية
وقد أثبتت التجارب السابقة أن المقاربات القائمة على إدارة النزاع أو التسويات الشكلية لا تمس الجذور، فهي تعيد إنتاج الصراع في دورات متكررة
إن المستقبل اليمني لا يعتمد على غياب الصراع فحسب، بل على القدرة على تحويل التعددية إلى شراكة حقيقية، والانقسام إلى إطار مؤسسي منظم
فالدولة المبنية على الهيمنة تبقى هشة، بينما الدولة المبنية على التوافق والمؤسسات تمتلك مقومات الاستمرار والاستقرار
رغم قتامة المشهد، تظل إمكانية تحقيق سلام توافقي مستدام قائمة، شريطة وجود إرادة يمنية داخلية قادرة على صياغة عقد وطني جديد، مدعومة بدور إقليمي ودولي متوازن ينتقل من التدخل إلى الضمان
فاليمن لا يحتاج إلى حلول مستوردة بقدر حاجته إلى تفعيل رصيده المعرفي والخبرة الوطنية
تكمن المعضلة الأساسية ليس في غياب الحلول، بل في غياب آليات تحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ
لذلك، يجب أن يدمج أي مسار ناجح بين الرؤية النظرية والتطبيق العملي، عبر مراحل واضحة ومؤشرات قياس دقيقة، ليتحول الحل من مجرد إدارة أزمة إلى عملية تحول بنيوي شامل
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي في قدرة اليمنيين على الانتقال من سؤال «من يحكم؟» إلى سؤال «كيف نبني دولة عادلة؟»
حينها فقط، يتحول السلام من حلم مؤجل إلى واقع ممكن، وتستعيد الدولة دورها كإطار للكرامة والانتماء لا كعبء على مواطنيها
المراجع: