من تعز المحاصرة إلى العالم.. “الفضاء الرقمي” كـ”مصدر دخل”

منذ 5 أيام

تعز- نورا فهد بعكس كثير من المعلمات، لا تحتاج سمية نبيل مغادرة منزلها للوصول إلى طلابها، بل تجلس أمام شاشة حاسوبها في غرفتها الصغيرة بمدينة تعز؛ تتأكد من شحن البطارية، تتفقد شبكة الإنترنت، وبضغطة زرٍ واحدة، تستقبل طلابها من مختلف الدول العربية والأجنبية

عبر شاشة حاسوبها، تدير سمية نبيل، 28 عامًا، عملها في التعليم الإلكتروني منذ خمسة أعوام؛ تدرّس اللغة الإنجليزية، تخصصها الأكاديمي، إلى جانب تحفيظ القرآن الكريم لطلابٍ من جنسيات مختلفة، بينهم أمريكيون وأتراك وهنود، وذلك عبر منصات مثل Zoom وGoogle Meet وSkype

 تعود بدايات سمية مع العمل الرقمي إلى فترة جائحة كورونا، حين أغلقت المدارس والمعاهد أبوابها، وقتها حصلت سمية على منحةٍ دراسية إلى إندونيسيا مقابل تحفيظها القرآن الكريم للطلاب هناك، لكن إغلاق المطارات خلال الجائحة حال دون سفرها، وحينها اقترح عليها القائمين على المنحة أن تقوم بتحفيظ القرآن عن بُعد

منذ ذلك الوقت بدأت سمية رحلة العمل الرقمي، حيث وقّعت عقدًا مع الأكاديمية لمدة عام، ثم وجدت نفسها تدريجيًا أمام فرصٍ أخرى للعمل عن بُعد، فبعد انتهاء عقدها مع الأكاديمية الإندونيسية عملت مع أكاديميةٍ مصرية في أمريكا لتحفيظ القرآن الكريم أيضًا

لم يقتصر عملها على تحفيظ القرآن الكريم فقط، فخلال عملها مع الأكاديميات تعلّق الكثير من الطلاب بأسلوبها في التدريس؛ ما جعل أمهات الطلاب يطلبن منها تدريسهم بعض المواد الدراسية كاللغة العربية والرياضيات

ولتفادي عائق اختلاف المناهج، كانت تعود للإنترنت للبحث عن المناهج الخاصة بطلابها، وتقوم بتحضيرها لتعيد شرحها لهم بطريقتها، وبذلك انتشرت سمعتها بسرعةٍ وتوسعت في عملها

بعد تجارب العمل مع أكثر من أكاديمية قررت سمية البدء بالعمل المستقل، مروّجةً لنفسها عبر منصات العمل الحر وقنوات “التليجرام”؛ حتى بات كل طالب تدرسه يجذب طالبًا آخر

تقول سمية لـ”المشاهد”: “أشعر بمزيجٍ من الفخر والتحدي، ففي غرفتي الصغيرة وسط مدينةٍ محاصرة، منحني الفضاء الرقمي القدرة على الوصول إلى طلابٍ خارج الحدود، متجاوزةً الجغرافيا والقيود المحلية”

تجربة سمية ليست بمعزلٍ عن توجه الشباب اليمني اليوم إلى الفضاء الرقمي، حيث تشير دراسة أكاديمية أعدها الباحث خالد حسن الحريري، أستاذ إدارة الأعمال والتسويق الرقمي في جامعة تعز، ونشرتها “المجلة العلوم التربوية  والدراسات الإنسانية” في أكتوبر الماضي، إلى اتجاه عددٍ من الشباب الجامعيين في اليمن نحو التجارة الإلكترونية والعمل الحر عبر الوسائط الرقمية

وحلّلت الدراسة تجارب 46 مشروعًا صغيرًا يديرها شباب جامعيون يمنيون، تعتمد بصورةٍ أساسية على الوسائط الرقمية في ممارسة التجارة الإلكترونية؛ ما يعكس تنامي اعتماد بعض الشباب على الإنترنت كمساحةٍ للعمل وتوليد الدخل

لم يعد التعليم الإلكتروني بالنسبة لسمية مجرد فرصةٍ للعمل من المنزل، فمع اتساع دائرة طلابها أصبح مصدر دخلٍ تعتمد عليه، ومسارًا مهنيًا أعاد تشكيل نظرتها إلى مستقبلها الوظيفي

اقتصاديًا، منحها العمل دخلًا بالعملة الأجنبية، وهو ما منحها قدرًا أكبر من الاستقرار المالي في ظل التقلبات المستمرة لسعر صرف الريال اليمني

تقول: “إن امتلاك دخلٍ بالعملة الصعبة يقلل من مخاوفي مع تغيّر أسعار الصرف ومنحني إحساسًا بالأمان”، وتضيف: “عندما ترتفع الأسعار يكون لديّ دخلٌ يحافظ على قيمته، وعندما ينخفض سعر الصرف أستطيع تحويله عند الحاجة، وهذا يشعرني بالاستقرار والاكتفاء الذاتي”

أما على صعيد تطلعاتها المستقبلية، فتؤمن سمية بأن العمل الرقمي يفتح آفاقًا مهنيةً واسعة لا تقيدها الحدود الجغرافية، وترى أن استمرار تطوير المهارات واكتساب الخبرات كفيلان بتوسيع فرصها المهنية مستقبلًا، في ظل اتساع الطلب على الخدمات التعليمية عبر الفضاء الرقمي

العمل من خلف الشاشة لا يعزل سمية عن عوائق وظروف الواقع المحيط بها، فالوصول إلى طلابها مرهون بتوفّر الكهرباء واستقرار الإنترنت، إلا أن الكهرباء والإنترنت في تعز لا يضمنان لها دائمًا استمرار الحصة حتى نهايتها

تقول: “هذا الأمر يضعني تحت ضغطٍ مستمر، حيث أخشى دائمًا من انقطاع الاتصال أثناء حصة دراسية؛ بسبب انقطاعٍ مفاجئ في الكهرباء أو الانترنت؛ ما قد يؤثّر على جودة العملية التعليمية والتواصل مع الطلاب”

ولا تنتهي العوائق والتحديات عند الجانب التقني فقط، فعندما يأتي موعد استلام أجرها من الطلاب الموجودين خارج اليمن، تبدأ مشكلة أخرى مرتبطة بالتحويلات المالية، موضحةً ذلك بالقول: “استلام الحوالات المالية أمر صعب جدًا، خاصة إذا كانت الحوالة من دولٍ أجنبية، حيث يستلزم أن يكون لدي وسيط في مصر لاستلامها ثم تحويلها لي إلى اليمن، والذي بدوره يأخذ نسبةً منها”

أما من الناحية الاجتماعية، فقد كانت تواجه نظرة تشكيكٍ من بعض المعلمات باعتبارهم أن هذا النوع من التعليم مجرد جلوس أمام الشاشة وليس عملًا حقيقيًا بالمعايير التقليدية

ولا تزال سمية تسمع هذا النوع من الانتقادات

تقول: “لا تزال بعض المعلمات يعتبرنّ هذا العمل غير يفيد للطالب، وإنني لا أؤدّي دوري كمعلمةٍ بالشكل المطلوب، لأنهنّ يعتقدنَ أن العمل لا يكون مثمرًا إلا إذا ارتبط بالجهد والتعب المباشر”

لم تقف سمية أمام هذه التحديات المستمرة، بل بحثت عن حلولٍ عملية مكنتها من الاستمرار في عملها وتطوير تجربتها في التعليم الإلكتروني

ففي مواجهتها للتحديات التقنية، اعتمدت سمية على المرونة والتخطيط المسبق لضمان استمرار الدروس دون أي انقطاع مفاجئ أو يُشعر طلابها بأي خلل، وذلك من خلال جدولة أعمالها وحصصها واعتمادها على أكثر من مصدرٍ للطاقة والإنترنت، مثل شبكات الفورجي أو الشبكات العامة الموزعة على الحارات، وفي الحالات الطارئة تقوم بتفويض بعض المهام لصديقات خارج اليمن لضمان استمرار الخدمة التعليمية بنفس الجودة

وفي التعامل مع مشكلة التحويلات المالية، توضح أنها أصبحت تشترط على عملائها الأجانب توفير الوسيط الذي سيتولى تحويل مستحقاتها من بلدٍ عربي إلى اليمن، بالإضافة إلى استخدام الخدمات البنكية الدولية مثل خدمة Ria Money Transfer والتي سهّلت نوعًا ما استلام الحوالات الخارجية

أما فيما يخص التشكيك في عملها، فاختارت مواجهته بالنتائج التي حققتها، فمنذ بداية تجربتها، درّست أكثر من 200 طالب وطالبة، وهو ما ساعدها، بحسب وصفها، على تغيير نظرة كثيرين إلى طبيعة عملها

وتقول “مؤسسة كل الشباب لتنمية المجتمع“: “إن دعم الفرص الاقتصادية للشباب في اليمن يعد محوريًا باعتبار البطالة أحد جذور الصراع المستمر لأكثر من عقد”

تشارك سمية قصتها مع الشباب وقريناتها في اليمن بهدف تشجيعهم على الابتكار في إيجاد فرص العمل وعدم الاستسلام لـ”غول البطالة” الذي يهدد وقتهم وطاقتهم

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن