مهرجان يافع بين الطابع التراثي والحضور السياسي

منذ 5 ساعات

لحج-عبد الرقيب اليعيسيشهدت نسخة مهرجان يافع التراثي هذا العام جدلاً واسعاً وغير مسبوق، بعد كلمة ألقاها الشيخ القبلي عبد الرب أحمد النقيب في مهرجان الهجر بمديرية لبعوس، تضمنت انتقادات حادة للمملكة العربية السعودية ورسائل سياسية مرتبطة بالقضية الجنوبية والمجلس الإنتقالي المنحل، الأمر الذي أعاد فتح النقاش حول حدود تداخل التراث بالسياسة داخل واحدة من أبرز الفعاليات الشعبية في جنوب اليمن

يقام هذا المهرجان سنويا خلال أيام عيد الأضحى المبارك وتشمل فعاليات المهرجان أداء رقصات شعبية للرجال، إلقاء الزوامل “أغاني قبلية” ومعارض تعكس الهوية الثقافية لمنطقة يافع، في لحج

وبحسب مقاطع مصورة متداولة على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، هاجم النقيب السعودية، معتبراً أنها مسؤولة عن مقتل جنود الانتقالي الذي يناصره في حضرموت

كما ذهب إلى القول إن ما تتعرض له المملكة من هجمات في إشارة لهجمات إيران يمثل “عقاباً إلهياً”، في خطاب أثار ردود فعل غاضبة ومؤيدة في آن واحد

كما وجه حديثه إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان واصفا إياه بالظالم، في سياق اعتبره منتقدون تجاوزاً حاداً في الخطاب السياسي داخل فعالية تراثية

ولم تقتصر كلمة النقيب على البعد السياسي المباشر، بل ربط بين اجواء الاحتفال في يافع، مثل رقصة البرع والأهازيج القبلية، وبين ما وصفه بالثبات على مشروع استعادة دولة الجنوب، ما اعتبره معارضون محاولة لدمج الفعاليات التراثية بالخطاب السياسي بشكل مباشر

يأتي هذا الهجوم ضد السعودية في سياق مهرجان يافع التراثي الذي يقام سنوياً خلال موسم عيد الأضحى، وتشمل بين ثلاثة إلى أربعة مهرجانات رئيسية موزعة بين مديريات يافع، أبرزها مهرجان القارة ومهرجان الهجر ومهرجان المفلحي ومهرجان الموسطة

وتعد هذه المهرجانات مناسبة اجتماعية وثقافية تهدف إلى إحياء التراث اليافعي، من خلال الرقصات الشعبية، واللباس التقليدي، والأهازيج، واللقاءات القبلية التي تجمع أبناء المنطقة من مختلف المحافظات

لكن خلال السنوات الأخيرة، بدأ الحضور السياسي يتصاعد داخل هذه الفعاليات من أنصار المجلس الإنتقالي، سواء عبر رفع أعلام الجنوب أو حضور شخصيات سياسية أو إطلاق خطابات مرتبطة بالإنفصال والمناطقية والتجاذبات السياسية، وهو ما جعل المهرجانات محل جدل دائم بين من يراها مناسبة تراثية يجب الحفاظ على طابعها الاجتماعي، ومن يعتبرها مساحة طبيعية للتعبير السياسي

وفي نسخة هذا العام، برز الجدل بشكل أكبر في مهرجاني القارة والهجر، مع ارتفاع مستوى الخطاب السياسي وتعدد الرموز والشعارات من مناصري الإنتقالي المنحل، ما دفع أصواتاً محلية إلى التحذير من فقدان المهرجانات لهويتها التراثية الأصلية

وقبل انطلاق الفعاليات، دعا عدد من الشخصيات البارزة من ناشطين وإعلاميين ورجال أعمال من أبناء يافع إلى ضرورة تحييد مهرجانات يافع عن التجاذبات السياسية

ومن بين هذه الدعوات ما نشره مدير مؤسسة يافع للتنمية خالد الحصني عبر صفحته على “فيسبوك“، حيث دعا على أهمية الحفاظ على الطابع الثقافي والاجتماعي للمهرجانات، والابتعاد عن رفع الشعارات الحزبية أو صور القيادات، مؤكداً أن هذه الفعاليات يجب أن تبقى مساحة جامعة لكل أبناء يافع، بعيداً عن أي استقطابات سياسية

وفي خضم الجدل، تداولت وسائل إعلام محلية ومصادر على مواقع التواصل الاجتماعي أن سلطان يافع العليا إسكندر بن حمود آل هرهرة، والشيخ عبد الحق بن عاطف جابر، انسحبا من فعاليات مهرجان الهجر هذا العام

وبحسب تلك المصادر، فإن الانسحاب جاء احتجاجاً على ما وصفاه بتسييس الفعاليات التراثية وتحويلها إلى ساحة تجاذب سياسي، إضافة إلى رفض ربط المهرجان بشخصيات أو قضايا سياسية، مع التأكيد على أن هذه الفعاليات يفترض أن تبقى ذات طابع اجتماعي جامع

كما أشارت مصادر أخرى إلى أن قرار الانسحاب جاء أيضاً لتفادي أي توترات أو احتكاكات محتملة داخل الفعاليات، في ظل حالة الانقسام حول طبيعة إدارة المهرجان ومساره

وفي السياق ذاته، صدرت عدة بيانات عن مشايخ ووجاهات قبلية في يافع عبّرت عن إدانتها واستنكارها لما ورد في كلمة الشيخ عبد الرب النقيب خلال مهرجان الهجر التراثي

ومن بين هذه البيانات، بيان صادر عن سلطان ومشايخ مكاتب يافع (بني قاصد)، وموقّع من السلطان نواف بن فضل بن محمد عيدروس العفيفي وعدد من مشايخ المكاتب، أكد أن ما ورد في الكلمة لا يمثل إلا رأي قائله الشخصي ولا يعكس موقف أبناء يافع

وأعلن البيان الموقف تجاه المملكة العربية السعودية وتقدير دورها في دعم الاستقرار، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على العلاقات التاريخية والأخوية بين الجانبين، وضرورة تحييد المهرجانات التراثية عن التجاذبات السياسية والإبقاء عليها كمساحة اجتماعية جامعة لكل أبناء المنطقة

وفي حديثه لـ”المشاهد”، اعتبر الكاتب والناشط السياسي الجنوبي عبدالرقيب الهدياني أن مهرجانات يافع تمثل إرثاً مجتمعياً يعود لعقود طويلة، بل وربما لقرون، وأن تحويلها إلى ساحة للتجاذبات السياسية يفقدها جزءاً من دورها الاجتماعي

وقال الهدياني إن الخطأ لا يكمن في وجود السياسة بحد ذاتها، بل في تحويل الفعاليات الجامعة إلى منصات للصراع والاستقطاب، مشبهاً ذلك بمحاولة تسييس المساجد أو الأعراس أو المناسبات الاجتماعية العامة

وأضاف أن المهرجانات التراثية يجب أن تبقى ملكاً لجميع أبناء المجتمع بمختلف انتماءاتهم، محذراً من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى إضعاف الروابط الاجتماعية وتحويل المناسبات الثقافية إلى ساحات انقسام سياسي

في المقابل، رفض مؤيدون للمجلس الانتقالي الانتقادات الموجهة للمهرجان، مؤكدين أن القضية الجنوبية جزء من هوية أبناء يافع، وأن التعبير عنها داخل الفعاليات التراثية ليس أمراً جديداً

وكتب الصحفي والناشط الجنوبي منير اليزيدي في صفحته على فيسبوك أن مهرجانات يافع لم تكن في أي مرحلة مجرد مناسبات للرقص والغناء والترفيه، بل حملت دائماً رسائل مرتبطة بتاريخ المنطقة وهويتها السياسية والوطنية

واعتبر أن استحضار القضية الجنوبية داخل المهرجان لا يمثل تسييساً حزبياً، وإنما امتداداً طبيعياً لدور يافع التاريخي في مختلف المحطات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة

من جانبه، رأى الناشط العدني ناصر المشارع أن مهرجان يافع حمل في مختلف نسخه السابقة رسائل سياسية ووطنية إلى جانب رسائله التراثية، معتبراً أن الحفاظ على الهوية الثقافية لا يتناقض مع التعبير عن المواقف الوطنية والقضايا العامة

وبين هذه المواقف المتباينة، يبقى الجدل حول مهرجانات يافع مفتوحاً على احتمالات متعددة، مع تزايد الأصوات المطالبة بإعادة ضبط طبيعة هذه الفعاليات، ووضع حدود واضحة بين التراث والسياسة، في مقابل تمسك أطراف أخرى برؤية تعتبر أن التراث والهوية والسياسة عناصر متداخلة لا يمكن فصلها بسهولة

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن