موسى عبدالله قاسم : يمنيو الداخل ويمنيو الخارج: خطورة التجزئة وضرورة الفهم
منذ 16 أيام
موسى عبدالله قاسم كثير من الدول التي تتعرض لنكسات سياسية أو اقتصادية قاهرة، تمر بحالة من التفكك والشتات المجتمعي، يترافق ذلك مع موجات نزوح داخلي وارتحال قسري إلى الخارج
اليمن واحدة من هذه الدول التي تعرضت لنكسات متعددة ومتتالية، ليس من اليوم، بل منذ أزمان غابرة، حتى غدا الارتحال من الوطن، طوعاً أو قسراً، سمة يمنية بارزة، ومتلازمة مجتمعية متجذرة في المزاج الشعبي، والتاريخ اليمني، قديمه وحديثه، مليء بمثل هذه المآسي والنكسات
إلا أن ما يميّز الإنسان اليمني هو ارتباطه الوجداني بوطنه الأم، سواء كان نازحاً داخل حدوده الجغرافية أو في مهجره الطوعي أو شتاته القسري
هذا الارتباط المشيمي بالأرض يعود إلى واحدية الأصل والانتماء والتاريخ الحضاري المشترك للإنسان اليمني حيثما حل وارتحل
لذلك، كان اليمنيون رغم شتاتهم في الفيافي والقفار يتكتلون في كيان واحد تحت راية الانتماء الأبوي، وشكّلوا، بذلك، هوية جامعة لهم، لحماية وجودهم في تغريبتهم من جهة، ولمجابهة الهويات الأخرى الساعية لتفريقهم من جهة أخرى
هذا التماسك المجتمعي حضر غير مرة بعد هجرة اليمنيين خارج حدود موطنهم الأم لا سيما فيما عُرف بعهد الفتوحات في القرن السابع والثامن الميلادي، بعد أن تركوا موطن أجدادهم وهاموا في الأمصار، مسافرين بلا مُهمة، على حد وصف الأستاذ البردوني، لكنهم ظلوا مرتبطين بوطنهم الأم، شعرا ونثرا وتأريخا وفخرا بأمجادهم، رغم قساوة ظروف تلك النكبات التاريخية المحزنة
على مدار السنوات الماضية، أحدثت عودة الجائحة السلالية الكهنوتية، بنسختها الحوثية، دماراً مُروّعاً في الديموغرافيا اليمنية، إذ شرّدت ملايين اليمنيين في الداخل وفي الشتات القسري
وبرغم ما أحدثته هذه الجائحة من دمار للمجتمع اليمني، إلا أن اليمنيين لم يتخلوا عن قضيتهم في استعادة دولتهم وجمهوريتهم؛ لذلك، انخرط المهجّرون في الداخل مقاتلين في جبهات استعادة الجمهورية، وعاد بعض ممن هم في الشتات الخارجي إلى ذات الخنادق الجمهورية، وظل آخرون في الخارج يحملون هم القضية، يذودون عنها، ويرفعون رايتها في كل محفل عربي ودولي
هذا المسار الوطني القائم على التآزر النضالي ليس جديداً على الحراكات الوطنية اليمنية، فقد جسّدته نضالات الحركة الوطنية خلال القرن العشرين، وقدّمت فيه مثالاً ومنهجاً تمضي عليه الأجيال
والقارئ لتاريخ الحركة الوطنية يلحظ أن كثيرا من روادها وفي مقدمتهم الزبيري والنعمان والحكيمي والعيني والبيضاني والحورش والعنسي وغيرهم من رجالات التحولات الوطنية، عاشوا سنوات طويلة مهجرين قسرياً خارج أسوار وطنهم؛ ومن ذلك الشتات القسري بدأوا معركة التنوير الوطني ثم التثوير الجمهوري، في صورة تكامل وطني مُلهم بين حملة القضية الوطنية في الداخل وفي الخارج
ومع انتصار ثورة 26 سبتمبر الظافرة، برزت أصوات تدّعي الأفضلية المكانية في النضال، على نحو ما يتردد اليوم، مع الأسف! تلك الأصوات كانت تفاضل بين رجالات التنوير والتثوير العائدين من الشتات من جهة، وبين رجالات الثورة من جهة ثانية، في محاولة لتجزئة المجتمع السبتمبري الجمهوري استجابةً لنوازع سلطوية زائلة، وقد أفضت تلك التجزئة إلى عواقب وخيمة طالت الثورة والجمهورية، مبادئ وأهداف وقيم
لهذا نقول، في قضيتنا الوطنية الجامعة، لا ينبغي، اليوم، على حملتها تكرار أخطاء الماضي وكبواته، والانزلاق في وحل تجزئة معركة اليمنيين الوجودية من خلال تجزئة المجتمع اليمني بين يمنيي الداخل ويمنيي الخارج، أو المفاضلة بينهم
وتكرار القول أن هناك فرق بين من هم في الميدان ومن هم خارج خنادقه وجبهاته، كما يحلو للبعض توصيف هذه المفاضلة القاتلة
هذه التجزئة، فضلاً عن كونها تفكيكاً ممنهجاً لتماسك المجتمع اليمني وإضعافاً لإيمانه بقضيته الوطنية، فإنها دون شك خدمة مجانية تُقدّم لأعداء الوطن، ثورة وجمهورية وكياناً وكينونة
إذ إن إضعاف حملة المشروع الجمهوري، وفصم عُرى تلاحمهم الوطني، وتجزئتهم بين رجال خنادق ورواد فنادق، يفضي في النهاية إلى تمكين مشروع الكهنوت السلالي العنصري، وتجذيره على الأرض، ذلك أن هذا المشروع الإجرامي، عبر التاريخ، يجد في تفكك اليمنيين وتمزّقهم إكسير حياته وبقائه وديمومته
مثل هذه المفاضلة سيكون لها ارتدادات عكسية على المستوى الوطني بعد استعادة الدولة ومؤسساتها الشرعية، كما حدث سابقاً، وستُهيئ لنشوء اصطفافات وتكتلات لاوطنية، تضر وحدة الهدف والمصير، وقد تطال عواقبها الجميع دون استثناء
لهذا ولغيره، على كل الذين يعزفون على وتر التجزئة المجتمعية، إما عن جهل أو عن محاولة استئثار واحتكار للفضيلة الوطنية، أن يفهموا خطورة انحرافهم، وأنهم بهذا القول يخدمون أعداء الشعب وجمهوريته الخالدة، ذلك أن فهم القضية الوطنية والوعي بها، والتجرّد التام لأجلها، هو ضرورة وطنية قبل كل شيء، لأن القضايا الوطنية عندما تحضر، تنتفي المسافات، وتتحول الحدود إلى سوائل، ويمتطي المؤمنون بوطنهم مراكب النضال حيثما كانوا، ولا يتوقفون إلا على شواطئ موطنهم، وغايتهم الأسمى أمنه واستقراره، وحرية وكرامة شعبه