نبيل البكيري : حتى لا نظلّ معشر العرب خارج الحسابات

منذ 4 ساعات

من عجائب الحرب الأميركية الإسرائيلية الراهنة على إيران أنّها ربّما قد تكون الوحيدة التي يمكن أن نقول عنها، نحن معشر العرب، إنّ لا ناقةَ لنا فيها ولا جمل، لكنّها في الوقت نفسه الحرب التي قد نكون نحن أكثر الخاسرين فيها، لأنّنا في قلبها ولسنا طرفاً فيها

ومع ذلك، نحن أصحاب النصيب الأكبر من الخسارات الباهظة من أموالنا ومصالحنا وأمننا القومي، بل ومستقبل منطقتنا

وحرب كهذه هي حرب هجينة ومركّبة ومعقّدة، لا نستطيع أن نتنبأ بمآلاتها بالنسبة إلينا معشر العرب، وخصوصاً الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي الذين تعرّضوا للنصيب الأكبر من ضربات إيران وصواريخها ومسيّراتها، ويتضح أنّ لدى طهران استراتيجية واضحة تجاه جيرانها العرب تعتبرهم عدوّاً لها قبل أن تكون إسرائيل هي العدوّ

تفصح عن ذلك تصرّفاتها في هذه الحرب التي نال العرب النصيب الأكبر من نيرانها

فعلى مدى ما يقارب شهراً، تتعرّض دول الخليج العربي لهذه الضربات، وهي التي أعلنت مراراً وتكراراً عدم السماح باستخدام أراضيها لأيّ هجوم على إيران، وترفض هذه الدول الحرب منذ بدايتها، وتدعم خيار الحلّ السياسي السلمي لأيّ خلاف بين أميركا وإيران

مع ذلك، لم يقتنع الإيرانيون، وجعلوا من الخليج هدفاً مشروعاً لضرباتهم، رغم خروج بعض مسؤوليهم (الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عراقجي) للاعتذار والوعد بعدم التكرار

السؤال المركزي هنا: لماذا يدفع العرب ثمن هذه الحرب ويكتوون بنارها وهم ليسوا طرفاً فيها، وهي لا تعنيهم؟ وإلى متى سيظلّ العالم العربي مستباحاً؟ وما هو الهدف الأميركي من هذه الحرب، وهي الحليف الاستراتيجي لدول الخليج، ما يحتم عليها ألا تتخذ قراراً مصيرياً واستراتيجياً بالحرب إلا بالتشاور والعودة إلى حلفائها في المنطقة؟

قبل هذا كلّه، ندرك حجم التباين الكبير غربياً حول هذه الحرب على الصعيدَين الأوروبي، الرافض تماماً للانخراط فيها، والأميركي الرافض في معظمه لها، وهي الموصوفة لديه بأنّها حرب نتنياهو الذي ورّط ترامب فيها

لكن أيضاً لا يمكن أن يحجب عنا هذا الانقسام، وذاك الرفض، أنّ ثمّة أهدافاً استراتيجيةً لصنّاع القرار يلجؤون إليها، متجاوزين بذلك أحياناً حتى المؤسّسات التشريعية، كما فعل ترامب، الذي يرى في هذه الحرب صفقةً تجاريةً مُغرية بعد غزّة وفنزويلا

بالعودة إلى السؤال، الإجابة باختصار: لأنّ العرب ربّما لم يفكّروا يوماً بالوصول إلى هذه اللحظة بتفاصيلها، ولم يضعوها ضمن استراتيجياتهم المستقبلية وكيفية مواجهتها وطنياً، ولهذا رأينا حالة الارتباك والحيرة الكبيرة التي تحاصر الجميع

ومع ذلك كشفت لنا هذه الحرب إيجابيات أخرى كان يفترض أن تكون ضمن مصفوفة الاستراتيجيات العليا للمنطقة كلّها، وهو ما تمثّل بالقدرات الدفاعية الذاتية لهذه الدول التي أثبتت قدراً من التفوّق الدفاعي، ويجب تطويرها بمعزل عن أيّ تحالفات أخرى، فضلاً عن أهمية إعادة تقييم استراتيجي شامل لأمن المنطقة ومهدّداتها، فالحرب ليست مجرّد تراشق بالصواريخ والمسيّرات فحسب، بل هي، قبل هذا كلّه، رؤية وسردية، وحينما يُغيب (أو يُغيّب) منك هذا كلّه، فماذا عساك أن تفعل سوى الانتظار المُحيِّر الذي يجعلك تنزف بصمت ولا تعرف علاجاً لذلك؟ والمسألة هنا ليست مجرّد توصيف لفظي ومجازي للأزمة وتعقيداتها، بقدر ما هي واقع محيّر فعلاً، وقد أثبت صناع القرار في الخليج قدرة كبيرة على الاحتمال والصبر الاستراتيجي، لكن في حال طالت الحرب، فلا يمكن لأحد التنبؤ بمآلاتها

 الخليج العربي اليوم، في معظم دوله، يمثّل نموذجاً تنموياً واقتصادياً ناجحاً جدّاً، وهو النموذج الذي لا يشابهه نموذجٌ آخر، لا شرقاً ولا غرباً، وهو إلى جانب هذا كلّه يقف اليوم تنموياً منافساً، بل متفوّقاً حتى على بعض الدول المتقدّمة فيما يتعلّق بالتحديث والأتمتة، وتدفّقات الطاقة من نفط وغاز وأسمدة وهيدروجين أخضر وألمنيوم وحديد، وكلّ ما له علاقة بعجلة التنمية حول العالم اليوم

فإذا كان نصيب الخليج وحده اليوم من إنتاج النفط العالمي ما يُقدّر بـ31% من السوق العالمية، أي الثلث، وكذلك 17% من الغاز، فنحن أمام أهم مصدر للطاقة في العالم، والأسهل استخراجاً ورخصاً ونقلاً، ما يعطيه أولويةً قصوى في سوق الطلب العالمي

كما هو الحال بالنسبة إلى الأسمدة التي ينتج منها الخليج ما يُقدّر بـ45% من الإنتاج العالمي، وكذلك ما يُقدّر بـ9% من الألمنيوم والحديد، هذا عدا عن مصادر الطاقة المتجدّدة كالرياح والشمس التي بدأ الاتجاه للاستثمار فيها بشكل كبير خليجياً، ما يجعل الخليج اليوم في مقدّمة منظومة الأمن الدولي

لكن ما شاهدناه خلال هذه الحرب كان بعكس ذلك، إذ يدفع صانعا القرارين الأميركي والإسرائيلي، على حدّ سواء، العالم كلّه إلى أزمة عالمية طاحنة، ستكون سلاسل التوريد للطاقة والتجارة والأسمدة هي الهدف الأول لها، ما يشعل أسعار الطاقة حول العالم، ويدخل العالم في أزمة اقتصادية كبرى

وبرغم الخطورة التي بات يمثّلها الخليج في المعادلة الأمنية الدولية، إلا أنّه ظلّ بلا منظومة أمنية خاصّة به، يمكنها الاعتماد على قدراتها وإمكاناتها الخاصّة، لتشكّل مظلّةً أمنيةً متقدّمةً تضمّ في إطارها شعوب المنطقة، مستفيدةً من وجود اليمن ضمن هذه المنظومة الأمنية بموقعه الاستراتيجي عند باب المندب، وبثرواته البشرية الهائلة والمتسرّبة حول العالم أو التي توّظّفها اليوم قوى عدوة للخليج والعرب عموماً

استقرار اليمن وإعادة شرعيته من أهم الخطوات في معالجة الخلل الأمني الحاصل لمنظومة أمن الجزيرة العربية كلّها، ذلك الخلل المتمثّل بالاتكاء على قواعد عسكرية أجنبية مكلفة، أثبتت هذه الحرب أنها عبء كبير على هذه الدول، وأنّ قدرات هذه الدول التسليحية تؤدي أداءً أفضل من هذه القواعد العسكرية بكثير

أمّا تفسير لماذا يخسر العرب في حرب ليست حربهم، فلا تفسير سوى أنّ لهذه الحرب أهدافاً مخفيّة للأطراف المتحاربة (إيران وإسرائيل وأميركا)، وأبرزها ربّما ضرب هذا النموذج الخليجي، وعدم السماح له بتقديم نموذج جذّاب، تنموياً على الأقلّ، فهو في الأخير نموذج سيُحسب لهذه المنطقة، ما يعني أنها منطقة لديها من الإمكانات والقدرات والفرص الكثيرة للنهوض متى ما تحقّق لقيادتها فرص الاستقرار والعمل

هذا فيما يتعلّق بالملفّ التنموي الكفيل بالنهوض بالمنطقة العربية كلّها، أمّا الأخطر فهو ما يتعلّق بحرب السرديات الدينية التي هي في قلب هذه الحرب، شئنا أم أبينا، السردية الصهيونية المسيحية ونظرية إسرائيل الكبرى أو السردية الشيعية الإيرانية ونظرية أمّ القرى ومظلومياتها، أو السردية المسيحية الصهيونية، وهذه السرديات كلّها حاكمة لكثير من سياسات هذه البلدان، وهو ما يحكم كثيراً من تفاصيل الصراع الدائرة في هذه الحرب، التي نحن العرب فيها الطريدة الأخيرة التي تنتظر مصيرها على يد المنتصر فيها

لهذا كلّه، فإنّ هذه الحرب، التي لا تزال في بدايتها، تطرح حقيقةً لا يمكن الهروب منها، وهي أنّ العرب سيظلّون خارج الفاعلية والتأثير في المعادلة الدولية حتى يؤمنوا بقدراتهم ومكانتهم وموقعهم وإمكاناتهم التي يفتقر إليها الآخرون، وأنّ هذا المشروع يتطلّب رؤيةً واضحةً، وإعادة تعريف الدور العربي في هذه اللحظة التاريخية ومصير بلدانهم وأمّتهم في المستقبل، وقد تفوق مشتركات العرب مشتركات الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، وكلّ الاتحادات في العالم

غير ذلك، أي: البقاء من غير مشروع، فمعناه أن تظلّ المنطقة العربية، وفي قلبها الخليج العربي، في دائرة الخطر والاستهداف الدائم لمشاريع الهيمنة على المنطقة الطامعة في مقدرات الخليج، وفي واجهة هذه المشاريع المشروع الصهيوني، وخاصّةً إذا ما تمكّن من هزيمة إيران وضرب مشروعها في هذه الحرب، وهو ما لا يمكن التنبّؤ به، لما تتمتّع به إيران من ممانعة كبيرة، ولامتلاكها مشروعاً عملت عليه طويلاً، عدا أنّه لا فرقَ كبيراً بالنسبة إلى مصير المنطقة أيّاً كان المنتصر في هذه الحرب

خسارة العرب في حرب ليسوا طرفاً فيها كارثة كبيرة، تتطلّب أن يجتمع العرب أولاً، وخصوصاً في مجلس التعاون الخليجي، ويضعوا رؤيةً استراتيجيةً أمنيةً موحّدة، وألا يسمحوا بأيّ نقاش يتم على طاولة أيّ مفاوضات سلام ممكنة، إلا ويكونوا حاضرين فيها طرفاً متضرّراً أمنياً واقتصادياً، وأنّ أيّ اتفاق يجب أن يكون لهم فيه القول الفصل

وفي مقدّمة ذلك كلّه أمن الخليج، وفي قلبه مضيق هرمز الذي يجب أن يبقى ممرّاً عالمياً مفتوحاً وغير خاضع لأيّ طرف كان، كما ظلّ عبر التاريخ