هل تُسرّع الألواح الشمسية استنزاف المياه الجوفية باليمن؟

منذ ساعة

تعز – عبدالملك الأغبريلم تعد أصوات مولدات الديزل المرتفعة جزءًا أساسيًا من مشهد الري الزراعي في اليمن، كما كان الحال خلال السنوات الماضية، بعد أن تحولت الطاقة الشمسية إلى الخيار الأكثر قدرة على إبقاء الآبار الزراعية تعمل في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المشتقات النفطية والانهيار الاقتصادي الذي تعيشه البلاد

غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من فوائد اقتصادية وتخفيف لأعباء الوقود، يثير مخاوف متزايدة من تسارع استنزاف مخزون المياه الجوفية، مع توسع عمليات الضخ والري بصورة أكبر من السابق، في ظل غياب الرقابة والإدارة المستدامة للموارد المائية؛ ما يهدد بتفاقم أزمة المياه مستقبلًا

اليوم، يقف طلال علي رضوان، أحد مزارعي مديرية ماوية، محافظة تعز، جوار بئرٍ مهجورة ارتبطت لسنوات طويلة بأصوات مولدات الديزل وكلفتها اليومية كانت ثقيلة

يقول لـ”المشاهد”: إن تجربته مع أنظمة الطاقة الشمسية في تشغيل الآبار بدأت مبكرًا، موضحًا أنه استخدم في البداية منظومة مكونة من 240 لوحًا شمسيًا بلغت تكلفتها نحو 180 ألف ريال سعودي (48 ألف دولار)، وتعمل على عمق يتراوح بين 500 و550 مترًا، وبإنتاجية تتراوح ما بين 200 إلى 250 لترًا في الدقيقة

وأشار إلى أن تلك المنظومة لم تكن من النوعية الممتازة؛ نظرًا لكون التقنية في ذلك الوقت لم تكن متطورة، لافتًا إلى أنه أول من أدخل أنظمة الطاقة الشمسية إلى مديرية ماوية، وكان ذلك عام 2017، تقريبًا، وأضاف أنه يضطر إلى تشغيل مولد ديزل إلى جانب المنظومة الشمسية لزيادة القدرة التشغيلية خلال ساعات النهار، حيث يستهلك نحو 60 لترًا من الوقود يوميًا

وفي تجربة لاحقة، أوضح طلال أنه اشترى منظومة أحدث للبئر الأخرى، مكونة من 120 لوحًا شمسيًا بتكلفة بلغت نحو 14 ألف دولار، وتعمل على عمق 440 مترًا، وبإنتاجية أعلى تتراوح ما بين 300 و350 لترًا في الدقيقة

وتعمل هذه المنظومة من الساعة السابعة صباحًا حتى الخامسة مساءً، مشيرًا إلى أنه في حال وجود غيوم يتم تشغيل المولد الاحتياطي، باستهلاك يتراوح ما بين 20 و40 لترًا من الديزل خلال عشر ساعات، أما في الأيام المشمسة لا يحتاج إلى تشغيله إطلاقًا نظرًا لجودة المنظومة وحداثتها

وذكر أنه أثناء إجراءات استخراج ترخيص حفر البئر عام 2010، أفادته بيانات الموارد المائية بوجود نحو 2500 بئر في مديرية ماوية، تشمل الآبار اليدوية والآبار الارتوازية

وفي سياق حديثه، قدّم طلال تفاصيل إضافية حول الأثر الاقتصادي المباشر لاستخدام الطاقة الشمسية في تشغيل الآبار، موضحًا أن تشغيل المضخة في السابق كان مرتبطًا بالقدرة المالية للمزارعين، في ظل الارتفاع الكبير لأسعار الوقود؛ الأمر الذي كان يفرض تقليص ساعات الري والاكتفاء بالحد الأدنى

وأضاف أن تشغيل المضخة كان في السابق يتم بحساب دقيق لكل ساعة تشغيل بسبب كلفة الديزل، حيث كان تشغيل المولد لمدة 20 ساعة يتطلب نحو 400 لتر من الديزل، بتكلفة تصل إلى 200 ألف ريال يوميًا، أي ما يقارب ستة ملايين ريال شهريًا (نحو 11,320 دولار)، وهو ما كان يشكل عبئًا كبيرًا على المزارعين ويجعل استمرار النشاط الزراعي صعبًا

وأوضح أنه في الوقت الراهن تعمل المضخة بالطاقة الشمسية من الساعة السابعة صباحًا حتى الخامسة مساءً بشكل منتظم، بينما يتم تشغيلها ليلًا باستخدام الديزل لمن يريد مقابل أجرة تبلغ ثلاثة آلاف ريال لكل ساعة ماء، على أن يتحمل المستفيد تكلفة الوقود

وأكد أن إدخال منظومات الطاقة الشمسية ساهم في خفض التكاليف التشغيلية بشكل كبير، ومنح المزارعين قدرة أكبر على الري، مقارنةً بالاعتماد السابق على الديزل، والذي يحدّ من الإنتاج ويثقل كاهل المزارعين، خاصةً في مواسم الصيف وتراجع أسعار المحاصيل

كما أشار إلى أن الانتقال إلى الطاقة الشمسية شجّع المزارعين على زيادة عدد مرات الري وتحسين الإنتاج الزراعي، بعد أن كان كثير منهم يواجه صعوبةً في الاستمرار أو يضطر إلى ترك أراضيه بسبب ارتفاع التكاليف

يرى مهندس في الهيئة العامة للموارد المائية بصنعاء، طلب عدم نشر اسمه، في حديثه لـ”المشاهد”، أن التوسع في استخدام منظومات الطاقة الشمسية لضخ المياه الجوفية أصبح من أبرز التحديات التي تهدد المخزون المائي في اليمن، في ظل غياب اللوائح المنظمة لعمل هذه المنظومات وآليات الرقابة على استخدامها

وأوضح المهندس أن تشغيل مضخات الري بالطاقة الشمسية يتم غالبًا خلال ساعات النهار، وهي الفترة التي ترتفع فيها معدلات التبخر؛ ما يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من المياه على شكل مفقودات مائية بدلًا من الاستفادة منها فعليًا في الري

وبحسب المهندس، فإن عدد الآبار في اليمن يتجاوز 115 ألف بئر، أكثر من 90% منها حفرت بصورة مخالفة للقانون، استنادًا إلى إحصائيات تعود إلى عام 2018

ولفت إلى أن أحواض تعز، البيضاء، صنعاء، عمران، وصعدة تُعد من أكثر الأحواض المائية حرجًا في البلاد

وأشار إلى أن محافظة تعز تضم نحو 2800 بئر، فيما تضم البيضاء قرابة 3200 بئر، ويضم حوض صنعاء نحو 17,700 بئر، وصعدة نحو 16 ألف بئر، وفي عمران قرابة 5800 بئر

وبقية الآبار تنتشر في المحافظات الأخرى، حسب مصدر الهيئة العامة للموارد المائية في صنعاء

وأضاف أن القات يستهلك نحو 90% من المياه الجوفية في اليمن، فيما تستحوذ زراعته وحدها على ما يقارب 60% من المياه المستخدمة في الزراعة

وبيّن أن إجمالي المياه المتجددة في اليمن يُقدر بنحو 2

5 مليار متر مكعب سنويًا، منها مليار متر مكعب من المياه السطحية، ونحو 1

5 مليار متر مكعب من المياه الجوفية المتجددة، في حين يصل حجم السحب السنوي إلى نحو 5

1 مليار متر مكعب؛ ما يعني استنزاف ما يقارب 2

6 مليار متر مكعب سنويًا من المخزون الاستراتيجي غير المتجدد

وحذّر المهندس من أن الاحتياج السنوي للمياه قد يصل بحلول نهاية عام 2026 إلى نحو ستة مليارات متر مكعب، نتيجة النمو السكاني المتزايد، الأمر الذي قد يرفع حجم العجز السنوي إلى نحو 3

5 مليار متر مكعب

ولفت إلى أن الجهات المختصة لم تنفذ، منذ عام 2018، أي مسوحات أو دراسات ميدانية حديثة لرصد التغيرات المتعلقة بالمياه الجوفية أو التوسع في استخدام الطاقة الشمسية في القطاع الزراعي

وتشير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن الآبار التي تعمل بالطاقة الشمسية، والتي يُفترض أنها طريقة فعّالة لاستخراج المياه، تُفاقم الوضع

معتبرةً أن ذلك يعود إلى الحفر الذي يتم حاليًا بشكل عشوائي، بعد أن انتشر خلال فترة الصراع بسبب غياب أو ضعف أدوات الرقابة

فإلى جانب الأعماق الكبيرة التي تُحفر لاستخراج هذه الموارد الثمينة (يصل عمق بعضها إلى 700 متر)، توجد حالات لا يفصل بين الآبار سوى عشرة أمتار

بحسب الوكالة الدولية للطاقة فإن 10

4% من إجمالي الكهرباء المولدة في اليمن عام 2023 تم توليدها باستخدام الطاقة الشمسية

كما أن نسبة الطاقة المتجددة من إجمالي الطاقة المولدة قد زادت من 2% في 2015 إلى أكثر من 11% في 2024، بحسب منصة كونتري اكونومي، المختصة في البيانات الاقتصادية الدولية

فيما اعتبرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة(الفاو) أن اليمن أفقر دولة في العالم من حيث الموارد المائية، إذ لا تتجاوز حصة الفرد السنوية من المياه 83 مترًا مكعبًا، مقارنةً بالحد الأدنى المطلق البالغ 500 متر مكعب، ويستهلك القطاع الزراعي نحو 90% من المياه، ويُخصص معظمها لزراعة القات

وبحسب “الفاو”، فإن المياه الجوفية في جميع أنحاء اليمن تُستنزف بمعدل ضعف معدل تجدده، وتُستخدم موارد المياه الجوفية بشكل عشوائي

وبمعدل الاستخراج الحالي، ستنضب أحواض المياه بحلول عام 2030

وسيكون هذا كارثيًا على بلد يمارس فيه 70% من سكان الريف الزراعة؛ وسيؤدي استنزاف موارد المياه في اليمن إلى ضياع أجندة تحويل النظم الغذائية الزراعية

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن