همدان العليي : الوحدة والانفصال.. بين الخطاب العاطفي ومنطق هندسة الدولة

منذ 3 ساعات

همدان العليي بعد التحرر من الحكم الإمامي العنصري في الشمال، والاحتلال البريطاني في الجنوب، بدأت النخب اليمنية شمالا وجنوبا وشرقا بالعمل على تمهيد الطريق لتحقيق الوحدة باعتبارها كانت حلم الأجداد وضمن أهداف ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر

كانت الوحدة أولوية للجماهير والنخب، بل أن النظام في جنوب اليمن –وخلال أكثر من 20 عاما- اندفع بحماس كبير إلى دعم تكتلات سياسية في وسط اليمن بالمال والسلاح، وشن أكثر من حرب حتى وصل بجيشه الأراضي الشمالية لفرض الوحدة اليمنية بالقوة، ولولا تدخل الاخوة العرب لسيطر الجيش الجنوبي -والشماليين المواليين له- على العاصمة صنعاء نهاية سبعينيات القرن الماضي

تحققت الوحدة في مايو 1990

كنت طفلا لم يتجاوز الثامنة من عمره وقتها، ومازلت أتذكر مشهد أقاربي وهم يبكون أثناء مشاهدتهم علم الوحدة يُرفع على يد الموحدين للبلاد

وحتى اليوم أتذكر عبارة نعم لدستور الوحدة اليمنية التي كتبها عامة الناس على جدران الشوارع في 1991

اندفع اليمنيون شمالا وجنوبا نحو الوحدة بكل عاطفتهم وعشقهم، لكن من صنعوا هذه اللحظة العاطفية العظيمة، لم يستوعبوا أن لهذه الخطوة التاريخية المهمة استحقاقات ومتطلبات يجب إنجازها للحفاظ على هذا المكسب اليمني الذي احتفت به كل الدول العربية والإسلامية حينها وما زالت تحرص عليه حتى اليوم

باختصار شديد

حققوا الوحدة العظيمة، لكنهم لم يهندسوا للدولة

!تحققت الوحدة لكن النخبة لم تسأل نفسها كيف سيتم ترتيب المنزل الوحدوي الجديد بعدما جاء كل طرف بعفشه القديم؟كيف سيتم معالجة نتائج اندماج دولتين، الأولى رأسمالية والثانية اشتراكية؟! من الناحية المجتمعية كان الشعب واحدا لأن الجد والنسب واحد والدين واللغة واحدة

لكن كيف سيتم التعامل مع الجوانب الاقتصادية والسلوك الوظيفي والسياسي والدبلوماسي المختلف؟ كيف سيتم التعامل مع الثروة والتفاوت السكاني؟ هل عملية دمج المؤسسات تتم فقط عبر دمج أسماء الموظفين في قائمة واحدة بدلا من قائمتين؟!دعونا نتأمل تجربة ألمانيا التي توحدت في العام نفسه

في 3 أكتوبر 1990 أعلن قيام ألمانيا الموحدة، لكن الألمان لم يتعاملوا مع الوحدة كنهاية عاطفية لتقسيم قديم، بل كمشروع دولة جديدة لها متطلبات وستواجه مشكلات يجب أن تحل

قُدرت تكاليف إعادة توحيد ألمانيا بما بين 1

3 و2 تريليون يورو خلال العقدين الأولين من الوحدة فقط

تم إنشاء أدوات دمج معقدة مثل صندوق التضامن وصناديق نقل مالي من الولايات الغربية (الرأسمالية) الغنية إلى الولايات الشرقية (الاشتراكية) الفقيرة ليساهم ذلك في إذابة الفوارق الاقتصادية والمجتمعية

بواسطة الأموال المخصصة لتوحيد ألمانيا، تم إعادة تأهيل مئات الآلاف من العمال والمتقاعدين، وصمم برنامج دمج مدني وعسكري طويل الأجل، واستمر العمل لأكثر من عشرين عاما لضمان عدم تحول الاختلالات البنيوية الناتجة عن الدمج إلى مشاعر احتجاج شرقي تهدد المشروع الوحدوي خاصة مع وجود حالة مجتمعية سميت في ألمانيا بـ حالة الحنين إلى النظام القديم، Ostalgie

نحن أمام استراتيجيات سياسية وعسكرية وإدارية ومالية ومجتمعية وأموال هائلة كان شرطا لمنع انهيار الوحدة الألمانية

!ليس ألمانيا فقط احتاجت لمثل هذه الخطوات، فكل مشروع وحدة يحتاج إلى خطط وعمل وليس مجرد أناشيد وشعارات تتغزل في الوحدة كحسناء جميلة

الدول الأوربية مثلا التي أنشأت الاتحاد الأوروبي بعد حوالي قرنين من الحروب

لم يتطور ويتماسك اتحادها تلقائيا، بل فرضت مؤسسات وصناديق دعم وبرلمان ومحاكم وعدد هائل من الإجراءات التي تهدف في جوهرها إلى تصحيح الفوارق بين الأغنياء والفقراء عبر ما سمي بـ صناديق التماسك التي تضمن نقل المال من ألمانيا وهولندا وبقية الدول الاسكندنافية إلى دول مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا لضمان استمرار مشروع الوحدة

!بلجيكا مثلا كانت تعاني من تشققات ناتجة عن اختلافات لغوية وثقافية بين الفلامان والوالون، لكنها عملت على اصلاح اتحادي تدريجي بدأ في 1970 وتوج عام 1993 بتحويل الدولة إلى فدرالية لمنع الانقسام وضبط التوتر الداخلي عبر الدستور

!وفي آسيا لدينا فيتنام التي توحد شمالها وجنوبها في 1975، لكنها كادت أن تتمزق خلال العقد الأول للوحدة، واضطرت في 1986 لتدشين برنامج واسع يعيد هندسة الاقتصاد والمؤسسات وفق رؤية واقعية تضمن معالجة التحديات التي تنتج عن دمج منزلين في منزل واحد

!ثمة نماذج وتجارب دولية كثيرة، تؤكد أن الوحدة لا تنجح بـ الحب فقط، وإن كانت نوايا كل الأطراف صادقة ووطنية

وإذا كان هذا هو الحال في دول غنية وذات خبرات مؤسسية عالية، فما بالنا باليمن؟!في السنوات الأولى للوحدة اليمنية، بدأ الاحتكاك بين الوعود والواقع الصعب وهو واقع طبيعي ناتج عن دمج الأشياء حتى وإن كانت متشابهة ومن نفس الخامة

وبسبب الفشل في معالجة التحديات لأسباب كثيرة من بينها عدم توفر الإمكانيات المالية والخبرات السياسية والإدارية، بدأ التذمر واشتعلت الحروب واستمر الجدل حتى اليوم

قبل حوالي 18 عاما، كتبت عن هذا الخلل في مقال نشر بعنوان متقاعدو ألمانيا الشرقية ومتقاعدو جنوب اليمن في موقع مأرب برس

ما الذي يحدث اليوم؟!الحقيقة أننا نشاهد إعادة انتاج نفس المشهد العاطفي لكن في الاتجاه المعاكس

فالنخب التي روجت للوحدة بالشعارات والأناشيد الحماسية، تروج للانفصال بذات الطريقة الانفعالية

!الذين قادونا إلى الوحدة دون أن يستعدوا لمعالجة نتائج إعادة الدمج بشكل علمي ومنهجي ومدروس، يقودون اليوم الدعوات إلى تفتيت ما تم دمجه بعد حوالي ستة وثلاثين عاما، متجاهلين النتائج الكارثية لمثل هذه الخطوة على اليمن والمنطقة معا

تمت الوحدة واليمنيون شمالا وجنوبا وشرقا وغربا يحملون مشاعر إيجابية تجاه بعضهم، ومع ذلك ظهرت مشكلات وتحديات كبيرة بسبب فشل النخبة في هندسة الدولة

فكيف ستكون نتائج أي خطوة للتقسيم اليوم بينما لم يعد المناخ عاطفيا كما كان، بل مشحونا بالأحقاد وسوء الظن والخطابات التحريضية؟إذا كانت الوحدة في بيئة المحبة والاحتفاء لم تنج من التعقيدات، فكيف سيضمن الانفصال النجاح في بيئة مشحونة وممزقة وهشة؟الحقيقة التي يجب أن يعرفها الشعب اليمني شمالا وجنوبا وشرقا وغربا بأن النتائج السلبية لتقسيم اليمن لا تحتاج إلى جهدا كي تتحقق، بل يكفي إطلاق قرار الانفصال لتتفعل وبشكل تلقائي عدد من المشكلات والمآزق السياسية والاقتصادية والعسكرية والمجتمعية والأمنية والإدارية، إضافة للتأثر الاقليمي

أما الإيجابيات المفترضة للتقسيم لن تتحقق إلا بعمل مضاعف يتطلب موارد هائلة وقدرة دولة ومؤسسات وسياسات توزيع ووقتا طويلا ولا ندري هل تتحقق أم لا بسبب الوضع الهش والضعيف والصعب الذي يعيشه اليمن بكامل اتجاهاته، مع وجود دعوات انفصالية أخرى

يكفي أن نطلع على تجربة جنوب السودان

بعد حرب استمرت قرابة نصف قرن، اعتقدت النخبة أن الحل هو التقسيم، فتم تعديل الدستور والتصويت عليه برضى الدولة السودانية ومن ثم الاعتراف بدولة جنوب السودان، لكن بدلا من جنة الثروات كما أرادتها نخبة جنوب السودان، غرقت الدولة الجديدة في حرب دامية وهي اليوم دولة هشة حوالي 80 بالمئة من  سكانها يعيشون تحت خط الفقر بحسب بيانات البنك الدولي، وقد اتضح أن الذي استفاد من التقسيم فئة قليلة من سكان الدولة الجديدة

مصير شمال السودان لم يكن مختلفا، فقد اعتقدت نخبته أن قبول انفصال الجنوب والتضحية بحوالي 70 بالمائة من احتياطات النفط، قد يضمن استقرار البلاد بعد الحرب الطويلة مع المطالبين باستقلال دولة جنوب السودان التي يحمل سكانها دين ولغة تختلف عنهم

لكن الذي حدث عكس ذلك تماما، فقد دخل شمال السودان (جمهورية السودان) في سلسلة حروب وأزمات اقتصادية ومذابح نشاهدها اليوم في وسائل الإعلام

ماذا نستفيد من كل هذا؟علينا أن نعترف اليوم أن المشكلة ليست في الوحدة بذاتها، لكن الخلل في فشل النخبة اليمنية بشكل عام في هندسة الدولة

ولهذا، لا يجب على اليمنيين أن يستمروا في السير خلف الخطابات والشعارات العاطفية، بالأمس شعارات الوحدة واليوم شعارات الانفصال

يجب إيجاد صيغة لا تجعلنا نفشل ونشعر بـالحنين إلى النظام القديم بحسب تعبير النخبة الألمانية

يجب البحث عن صيغة عملية تمنعنا من إعادة انتاج المأساة اليمنية من الاتجاه المعاكس

فالمشاكل والمعاناة والتحديات التي ستواجه الجميع نتيجة تمزيق الجسد اليمني بعد أكثر من ثلاثة عقود ونصف، أضعاف لتلك التحديات التي واجهها اليمنيون بعد الوحدة

!ما الصيغة التي تعالج مشكلة المركزية الفاشلة، دون أن تصنع دولا ضعيفة تتصارع على الثروات والحدود والشرعية ومسارات المياه والتداخل القبلي والمصالح المتعلقة بالإقليم والعالم؟هنا تبرز الفيدرالية باعتبارها الصيغة الوحيدة التي تسمح لليمنيين بإعادة توزيع السلطة والثروة وإدارة التنوع الجغرافي والسياسي وتكامله دون كسر أو إلغاء الدولة اليمنية أو سحق أحد الأطراف داخلها

الفيدرالية أو الحكم المحلي واسع الصلاحيات قادر على تحقيق ما يطالب به أهلنا في المحافظات الجنوبية والشرقية من حكم وإدارة محلية واسعة للموارد والتنمية والمؤسسات والأمن

في الوقت ذاته، قادر على تحقيق ما يحتاجه الشماليون من بقاء الدولة الواحدة وحماية الجغرافيا ومنع التحول إلى كيانات متناحرة تعيش على عداء مستمر كما في السابق

هذه الصيغة ستمنع الاستغلال الدولي إذا ما استمرت الخلافات بين اليمنيين، وتمنح الوقت اللازم لبناء مؤسسات محلية حقيقية بدلا من الاندفاع العاطفي الذي جربناه من قبل

بلا شك الفيدرالية ليست حلا سحريا، لكنها الإطار الوحيد الذي يحقق مكاسب المطالبين بالتقسيم دون حدوث كوارث، وبقاء الوحدة اليمنية دون مشاكلها، وتمنع شرعنة تقسيم الدول في المنطقة العربية

تكلفة نجاح هذه الخطوة أقل بكثير من التكلفة الاقتصادية والزمنية والمجتمعية التي ستنتج عن فرض التقسيم، خصوصا إذا عمل الأشقاء في المملكة العربية السعودية على رعاية ودعم وحماية وضمان تنفيذ هذه الصيغة بما يضمن عدم ظلم الشمال والجنوب والشرق والغرب اليمني