وفيق صالح : الإصدار النقدي في الاقتصادات الحديثة

منذ 5 أيام

وفيق صالح منذ تأسيس البنوك المركزية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مرت أنظمة الإصدار النقدي، بمراحل مختلفة اتسمت بوجود قيود مادية صارمة لضمان قيمة العملة، حيث تأخر نشأة البنوك المركزية عن البنوك التجارية، التي ظهرت في الدول الأوروبية قبل القرن السابع عشر، وذلك لأن الظروف المالية والاقتصادية في ذلك الوقت لم تكن بحاجة إلى إنشاء بنوك مركزية بالمعنى السائد حاليا، حيث كانت البنوك التجارية تقوم بإصدار النقود في بعض الدول وتقبل الودائع وتقدم القروض، ونتيجة لتوسع البنوك التجارية في إصدار النقود مما أدى إلى أزمات مالية انعكست بصورة سيئة على اقتصادات تلك الدول، ثم ظهرت الحاجة إلى البنوك المركزية بحيث تتولى عملية الإصدار النقدي بشكل أحادي، وتحتكر هذه العملية لتنظيم النقد، وضمان عدم حدوث أزمات مالية

بدأت البنوك المركزية تسحب وظيفة الإصدار النقدي من البنوك التجارية في بعض الدول بشكل متدرج، إلى أن تم حكر هذه الوظيفة على البنوك المركزية، وأصبح البنك المركزي في دول العالم المختلفة، يعرف بأنه بنك الإصدار، وتمحورت نظم الإصدار النقدي عالميا حول قاعدتين أساسيتين ،الأولى: قاعدة الذهب، وتتفرع إلى عدة نماذج تهدف لتقييد قدرة البنك المركزي على التوسع النقدي بضوابط معدنية، ومن أبرز صورها: نظام الإيداع البسيط (تغطية كاملة بنسبة 100%)، ونظام الإصدار الثابت الوثيق (تحديد سقف ثابت للإصدار غير المغطى)، إضافة إلى نظام الحد الأقصى للإصدار الذي يضع سقفا إجماليا للنقد المتداول، ونظام الاحتياطي التناسبي الذي يشترط نسبة مئوية من الذهب مقابل كل وحدة نقدية، وصولا إلى نظام الاحتياطي الأدنى الذي يكتفي بحدٍّ كمي ثابت من المعدن النفيس

أما القاعدة الثانية، فهي نظام النقود الورقية الإلزامية، والتي تمثل الانتقال نحو النقد الائتماني حيث تُستمد قيمة العملة من قوة الاقتصاد، وتتخذ شكلين إداريين: نظام الإصدار المقيد بسلطة البرلمان، حيث تخضع كمية النقد لرقابة التشريعات المسبقة لمنع الإفراط التضخمي، ونظام الإصدار الحر، وهو النظام المعاصر الذي يمنح البنك المركزي مرونة كاملة في إدارة عرض النقود وفقا لمتطلبات السياسة الاقتصادية الكلية، مثل مكافحة الركود أو استهداف التضخم، معتمدا في ذلك على استقلالية القرار النقدي وجودة الأصول المقابلة للإصدار

وفي ظل نظام الإصدار الحر، الذي هو محور هذه المقالة، هناك مجموعة من الضوابط التي تؤخذ في الاعتبار لتحديد الكمية المصدرة من النقود وذلك للحد من حرية البنك المركزي في الإفراط من الإصدار، مثل: احتياطيات البنك المركزي المعني من الذهب والفضة، وأرصدة البنك المركزي في حساباته الخارجية لدى البنوك المركزية

وكذلك هناك متطلبات أخرى كشروط أساسية يؤخذ بها عند الإصدار، مثل أرصدة البنك المركزي من العملات الأجنبية، وأرصدته من أذونات وسندات الخزينة التي أصدرتها البنوك المركزية الأجنبية واحتفظ بها، بالإضافة إلى المعيار الحقيقي لحجم الاقتصاد الكلي للبلد والمتمثل بالناتج القومي الحقيقي من السلع والخدمات

ولنظام الإصدار الحر للنقد حالتين، الأولى، وفقا لظروف الرواج أو الركود الاقتصادي، حيث يزداد الإصدار النقدي في أوقات الرواج والازدهار الاقتصادي بينما ينخفض الإصدار في أوقات الركود الاقتصادي، إلا أن هذه الصورة قد انتقدت لآثارها السلبية الكبيرة، فعندما يزيد الإصدار في أوقات الرواج، فإن هذا يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة النقود

أي أن زيادة الإصدار تكون على حساب استقرار الأسعار وقيمة العملة الوطنية في أوقات الرواج، أما انخفاض الإصدار في أوقات الركود الاقتصادي، فإنه يسبب انخفاض الأسعار وهو الأمر الذي يؤدي إلى تحول الركود إلى كساد اقتصادي إضافة إلى انخفاض معدل النمو الاقتصادي

والحالة الأخرى، الإصدار الحر وفقا لمتطلبات السياسة النقدية والسياسة الاقتصادية، وهذه هي الصورة الأحدث في تطبيق نظام الإصدار الحر للبنوك المركزية، تعتمد هذه الصورة للإصدار على قاعدة أن الغطاء الحقيقي للإصدار إنما يعتمد على القدرات الإنتاجية والاقتصادية للاقتصاد الوطني، وأن هذه القدرات تنعكس على وضع ميزان المدفوعات الذي يعكس حقيقة مركز تعامل هذه الدولة مع العالم الخارجي في إطار العلاقات الاقتصادية الدولية

ومع ذلك، فإن نظام الإصدار الحر لا يعني حرية البنك المركزي المطلقة في الإصدار، وإنما هي حرية مقيدة بصورة ضمنية، حيث يكون البنك حراً في الإصدار وبما لا يتعارض مع أهداف الاستقرار الاقتصادي وأهداف النمو الاقتصادي

الإصدار النقدي الحر لا يمنح البنك المركزي شيكا على بياض بل يتطلب وجود بيئة مؤسسية واقتصادية تضمن عدم تحول هذا الإصدار إلى أداة تدميرية للقوة الشرائية، ويعد شرط استقلالية البنك المركزي من أهم متطلب للإصدار النقدي السليم، بمعنى استقلال قرار البنك المركزي عن ضغوط الإنفاق الحكومي، وذلك لمنع ظاهرة التمويل بالعجز التي تؤدي إلى تضخم مفرط

ويشدد اقتصاديين أيضا على أن من أهم الاعتبارات التي يؤخذ بها في نظام الإصدار النقدي الحر، هو التوافق مع النمو الحقيقي، بحيث يسير معدل نمو الكتلة النقدية جنبا إلى جنب مع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في اقتصاد أي بلد

*يمن شباب نت