يوم الولاية.. قراءة للصراع التاريخي والتوظيف السياسي

منذ 9 ساعات

صنعاء – حافظ الهياجم مثّلت حادثة يوم الغدير “غدير خم” جدلًا واسعًا في التاريخ الإسلامي، و”خم” هي منطقة ما بين مكة والمدينة يوجد فيها غدير ماء

وارتبطت بحديث عن الرسول أنه قال: “من كنتُ مولاهُ فعليٌ مولاهُ”

وذهبت بعض الفرق كالشيعة إلى صناعة مشروعية سياسية من نص حديث الولاية الشهير، لترسيخ نظرية الحكم الحصري لآل البيت

ولم تكن اليمن بعيدة عن هذا الشأن بل كانت في قلب ذلك الصراع الناتج عن المد الشيعي، والفكر السلالي

إذ شكّلت معادلة الولاية واحدة من أهم معادلات الصراع التاريخي في اليمن

يقول الكتاب والباحث السياسي، عمار التام: “إنه إذا كان المعز لدين الله الفاطمي قد أقر يوم الثامن عشر من ذي الحجة عام 362 هجرية عيدًا رسميًا لتثبيت حكمه في مصر؛ فإن المتوكل إسماعيل كان أول من احتفل بالغدير في اليمن عام 1073 هجرية”

وأضاف لـ”المشاهد” أن احتفالات اليمنيين في هذه المناسبة ظلت قائمة بحسب الظروف والمكان، حتى قامت الجمهورية اليمنية عام 1962 ميلادية

من جانبه يكشف الباحث في فلسفة الدين ومقاصد الشريعة، الدكتور عبدالله القيسي، أن المسلمين لم يكونوا يعرفون احتفالًا بما يسمى يوم الغدير طوال القرون الإسلامية الأولى

وإنما ظهر هذا الاحتفال لأول مرة في عهد الدولة البويهية الشيعية سنة 352 هجرية، ثم انتقل بعد ذلك إلى الدولة الفاطمية التي احتفت به كذلك

إلى أن ترسخ بصورةٍ أكبر في عهد الدولة الصفوية الإمامية التي جعلته من أبرز مناسباتها الدينية

وينوّه القيسي أن الزيدية في اليمن لم يذكر أنها احتفت بهذا اليوم في تاريخها المبكر

حيث أن هذا النص يرتبط بفكرة الوصية بالنص الجلي على إمامة علي بن أبي طالب

وهي الفكرة التي تتبناها الإمامية الاثنا عشرية، إذ ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على خلافة علي تصريحًا في يوم الغدير

بينما الزيدية على الرغم من قولهم بأفضلية علي وأحقيته بالإمامة فإن المشهور عنهم أنهم لا يقولون بالنص الجلي الصريح

بل يعتمدون على ما يسمونه بالنص الخفي، ولذلك فإن الاستدلال بالإمامة عندهم لا يقوم على حديث الغدير وحده بل على مجموعة من الروايات

لكن القيسي يلفت إلى أن تاريخ الاحتفال بهذا اليوم في اليمن يعود ظهوره إلى سنة 1073هجرية في عهد الدولة القاسمية

وتحديدًا في زمن المتوكل على الله إسماعيل، وذلك في مرحلة شهدت تنامي النفوذ الجارودي وتقارب بعض اتجاهاته مع الفكر الإمامي الاثنا عشري

وقد استمر الاحتفال بهذه المناسبة بدرجات متفاوتة إلا أنه ظل محدود الانتشار، ثم ضعف مع تراجع الدولة القاسمية

وأصبح مقتصرًا على مدينة صعدة، وبين الفئات الأكثر تأثرًا بالفكر الجارودي

ويتفق الباحثان عمار التام وعبدالله القيسي على أن مظاهر الاحتفال بهذا اليوم انتهت مع قيام الجمهورية اليمنية عام 1962 ميلادية

وحول المفهوم التشريعي للولاية يقول الدكتور عبدالله القيسي: “إن مفهوم “الوِلاية” بكسر الواو لم يرد في القرآن الكريم

والوارد فيه هو “الوَلاية” بفتح الواو وهذه الوَلاية لا تعني إدارة الشأن السياسي للأمة

وإنما تدور دلالاتها في السياق القرآني حول النصرة والتناصر بين المؤمنين

وضمن حديثه لـ”المشاهد” عن الدلالات اللفظية التي تعبر بشكل أوضح وأقرب إلى إدارة الشؤون السياسية، فإن مفهوم الإمامة هو الآخر لا يعني السلطة، وإنما القدوة

مستدلًا بالآية الكريمة “وجعلناهم أئمةً يهدون بأمرنا”، والآية الأخرى “وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار”

ويشير إلى أن المصطلح القرآني الأقرب إلى إدارة الشأن السياسي هو “الأمر” وما تفرع عنه من مفاهيم الإمارة، “وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”

مشددًا على أن الأمر هنا هو الشأن العام الذي يتعلق بإدارة المجتمع، ومن يدير ذلك الشأن تاريخيًا يسمى “أمير المؤمنين”

وينطلق من ضوء هذه الدلالات لاستخلاص أن الشيعة باستخدام مصطلحي الإمامة والولاية أرادوا سلب حق الأمة في إدارة شأنها العام

رغم أن السياقات القرآنية الأصلية لا تتحدث عن تلك المعاني السياسية الخاصة بهذين المصطلحين

من جهته، يشير الباحث عمار التام إلى أن هناك تسرب للروايات الشيعية في التراث السني

سيما في الروايات الحديثية المدونة في العصر العباسي

حيث يرى أن حديث الولاية “الغدير” هو واحد من أبرز تلك الروايات المتسربة في الموروث السني

ويضيف أنه في حال اتفق فرضًا على صحة الحديث فإنه لا يعدو على كونه حديثًا جاء في سياق حادثة خاصة عارضة

إثر ملابسات موقف خلاف نشبّ بين علي بن أبي طالب وبعض الصحابة في موضوع الزكاة التي ذهبوا لأخذها من أهل نجران، أو بعض قبائل همدان

وفي سياق اليمن الحديث يؤكد التام أنه وبعد قيام الجمهورية عام 1962 ميلادية توجهت مجاميع من صنعاء نحو شعاب جبل نقم للاحتفال بالغدير

وعلى إثر ذلك تم إبلاغ المشير عبدالله السلال، أول رئيس للجمهورية حينها

وأمر السلال بالسماح لهم بالتجمع، وذهب إليهم مخاطبًا إياهم

وأوضح أن الغدير مناسبة سلالية استخدمها الكهنوت الإمامي للتدجين؛ ولاستعباد الشعب وتعزيز سلطة الإمامة

وأن الدين الإسلامي براء من يوم الغدير -كما ذكر ذلك القاضي العمراني-

واختتم التام حديثه لـ”المشاهد” بقوله إن تلك الحادثة التي تلتها هتافات الحاضرين بعبارة “يحيا السلال” ، وقول السلال لهم بل تحيا الجمهورية اليمنية؛ كانت إيذانًا رسميًا بإلغاء الاحتفال بعيد الغدير في ظل الجمهورية اليمنية

وتتفق رواية القيسي معه، إذ يقول: “إن الرئيس السلال حضر في العام التالي من قيام ثورة 1962 أحد التجمعات المرتبطة بهذه المناسبة، فاعتقد بعض الحاضرين أنه جاء تأييدًا لها

لكن خطابه جاء في الاتجاه المعاكس

حيث هاجم فكرة الوصية السياسية، وعدّها مخالفة لمبدأ الشورى، ولما فهمه من تعاليم الإسلام وسيرة علي بن أبي طالب

وبحسب القيسي فإنه منذ ذلك الوقت توقف الاحتفال بيوم الغدير قبل أن يعود مجددًا مع صعود التيار الحوثي المعاصر

وهو تيار تأثر بدرجة كبيرة بالموروث الجارودي المتأخر، وعدد من المفاهيم الإمامية المتعلقة بالإمامة والولاية

وأعادت جماعة الحوثي توظيف هذه المناسبة منذ العام 2004 في إطار معركتها الفكرية والسياسية مع الدولة والمجتمع، وضمن مساعي عسكرة البلد وتطييفها

ويختتم الباحث القيسي حديثه لـ”المشاهد” بالقول: “إن هذا الاحتفال ليس مناسبةً دينية خالصة، وإنما هو تغيير سياسي عن فكرة الحق الوراثي، أو الحق الإلهي في الحكم

واصفًا إياها بالفكرة التي تتعارض مع مبدأ الشورى، وحق الأمة في اختيار من يتولى إدارة شؤونها العامة

مستطردًا في هذا السياق أنه لاحظ أن الفوارق العقدية التقليدية بين الزيدية والإمامية قد تراجعت مع وصول الحوثيين

وذلك لصالح قدر من التقارب السياسي والفكري، بعد أن كانت كتب الزيدية القديمة شديدة النقد للإمامية وتصفهم بالرافضة

ويرى الصحفي أسامة فرحان أن جماعة الحوثي لجأت إلى المبالغة في الحشد والتنسيق لهذه الفعاليات المرتبطة بهذه المناسبة

وذلك نتيجة دوافع تتجاوز جانب المنظور الديني والاعتقادي إلى التأثير على المشهد السياسي الحالي

ويشير فرحان لـ”المشاهد إلى أن الجماعة تسعى من خلال هذه المناسبة إلى التعبئة والحشد الشعبي

وتستخدمها كأداة لتجييش المجتمع في مناطق سيطرتها وفرض الحضور الإجباري أو الضغط على الموظفين والمواطنين للمشاركة

مما يعطي انطباعًا بوجود قاعدة شعبية واسعة داعمة لمشروعها

ويخدم أهدافها في استقطاب مقاتلين جدد للجبهات

وفي ظل هذه التعقيدات التي تمر بها المنطقة يعتقد فرحان أن جماعة الحوثي تجد نفسها أمام تحديات مستمرة تستدعي ابقاء المجتمع في حالة استنفار متواصلة

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن