“الأَسود” يربك حياة السكان في الحديدة

منذ ساعة

الحديدة- ياسمين الصلويلم تعد أصوات أمواج البحر وحركة السفن وضجيج الأسواق الشعبية هي الأصوات الأبرز في مدينة الحديدة الساحلية، بل أصبح نعيق الغربان ليلًا ونهارًا جزء من الحياة اليومية للسكان

الطيور التي باتت تشكل إزعاجًا وقلقًا للسكان مع تزايد أعدادها وانتشارها بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة

لا تقتصر معاناة السكان على أصوات الغربان المزعجة بل تمتد لنهب مقتنيات المواطنين والتبول على المارة واتساخ المركبات بمخلفاتها، إلى جانب السطو على الأطعمة من أيادي الأطفال والمواطنين في الشوارع والمنازل المفتوحة

وأصبحت الغربان أكثر جرأة في الاقتراب من البشر وتنافسهم على تفاصيل حياتهم وممتلكاتهم

لم يجد العم عبدالله أحمد (70 عامًا) راحةً؛ لأنه يعيش في منزلٍ شعبي في أحد الأحياء الشعبية وسط الحديدة حيث المنازل المفتوحة، وأشجار “المريمرة” تتوسط المنازل والأفنية

وفي هذا النوع من المباني تجد فيها الغربان مكانًا ملائمًا لأعشاشها، وتصدر نعيقًا لا ينقطع ليلًا ونهارًا، متسببةً بإزعاجٍ طوال اليوم

يقول عبدالله :”لم يتسنَ لنا النوم في الغرف بسبب الحر، فنلجأ إلى الأسطح وأفنية المنازل، هربًا من جحيم الغرف؛ فيتلقفنا نعيق الغربان الذي يزعجنا طول الليل حتى في الساعات الأخيرة، ونستيقظ على أصواتها المرتفعة التي تغزو الأجواء”

 ليس وحده العم عبدالله يعاني من نعيق الغربان، فقد لجأ مواطنون من أبناء الأحياء الشعبية إلى مطاردتها وقتلها

عندما تدخل الأحياء الشعبية في الحديدة تشاهد بعض الغربان نافقةً على أسلاك الكهرباء في محاولةٍ من المواطنين للتخلص من إزعاجها المتسبب في إقلاق السكينة العامة

يضيف العم عبدالله: “أحيانًا يتجمع عدد منها على شكل أسرابٍ في النهار، متنقلةً بين المنازل وفي الأزقة، في ساعات الليل المتأخرة نسمع إزعاجها بشكل لافت فوق الاشجار ، تهدأ قليلًا وتعود للنعيق مرةً أخرى، يستيقظ الأطفال والكبار من نومهم

بعض سكان المنازل يضطرون لقطع الأشجار التي كانت تظللهم من الشمس وسط أفنية المنازل؛ بسبب تجمع الغربان وبناء أعشاشهم عليها”

وتقول رنا محمد: “الغربان تنقل بقايا الطعام والجيَف إلى المنازل المفتوحة وأسطحها، متسببةً بإزعاجٍ لهم من خلال إلقاء مخلفاتها على الفُرُش والاثاث التي يجلسون أو ينامون عليها بعيدًا عن الغرف خاصة في فصل الصيف

تقول رنا: “أحيانًا ونحن نتناول الطعام وسط الحوش، تمر غربان وترمي بقايا أسماكٍ أو عظامٍ أو خبزٍ علينا، ملابسنا المنشورة على الحبال لتجفيفها بالشمس بعد غسلها تتسخ بمخلفاتهم؛ ما يستدعي غسلها مرةً أخرى، كما تحتاج ألواح الطاقة الشمسية إلى غسلها يوميًا؛ بسبب مخلفات الغربان، وليس متاحًا على الإطلاق تعريض طعامٍ للشمس بغرظ تجفيفه”

لم تعد أسطح المنازل أو أفنيتها مكانًا آمنًا لترك الأشياء إذ باتت الغربان تهاجم كل ما يترك من مقتنياتٍ صغيرة أو أكل، إما تأكله أو تبعثر به أو تأخذه بعيدًا، بحسب أم أمير، من مديرية الحالي، وسط الحديدة

وتقول: “الغربان باتت تشكل ازعاجًا حقيقيًا للأسر في المدينة”

وتضيف: “يصل زوجي من عمله في وقتٍ متأخر من الليل، ومع شدة الحرارة نضطر للنوم على سطح المنزل، وغالبًا ما يجلب معه بعض المأكولات الخفيفة كالكعك والمقرمشات، لكننا لا نستطيع تركها بجوارنا أثناء النوم، لأننا نستيقظ على تجمع كبير من الغربان فوق رؤوسنا، وفي أحيانٍ كثيرة تهاجم الغربان مقرمشات الأطفال أو تخطف الطعام منا ثم تطير به، وأصبحنا حريصين على أي شيء قد تصل إليه، فنضعه داخل خزانةٍ أو تغطيته بأقمشة ثقيلة”

تقول أم أمير: “إن أطفالها الثلاثة كثيرًا ما يعودون إلى المنزل باكين بعد أن تهاجمهم الغربان، وتسلب ما بأيديهم من مقرمشات أو بسكويت؛ ما يثير في نفوسهم الخوف والذعر

”وتشير إلى أن هذه الحوادث لا تقتصر على أطفالها فقط، بل تتكرر مع كثير من أطفال الحي الذين يخرجون عصرًا للعب وتناول بعض الوجبات الخفيفة

فيما تحكي أم سامي أنها تضطر للبقاء بجانب بقايا الطعام الذي تطلبه من المطاعم أو الأفران أو المنازل كغذاء لمواشيها، عند تجفيفها، إذ تتجمع فوق سطح المنزل جموع كبيرة من الغربان لأكله

تحكي أم سامي لـ”المشاهد” قائلة: “تعود ابنتي أحيانًا من الشارع وهي متسخة من مخلفات الغربان التي تلقيها فوق رؤوس المارة، وفي الجامعات فوق الطلاب، وعلى المركبات التي يضطر أصحابها لغسلها باستمرار”

يقول الناشط والشاعر، علي مغربي الأهدل، من أبناء مدينة الحديدة: “إن السكان بدأوا مؤخرًا يشعرون بشكل متزايد بحجم الإزعاج الذي تسببه الغربان، بالتزامن مع تنامي أعدادها وانتشارها في مختلف شوارع المدينة وأحيائها”

ويشير الأهدل إلى أن مخلفات الغربان تترك مناظر منفردة وتشوّه المظهر العام للأماكن، فيما لا يكاد ينقطع نعيقها منذ ساعات الفجر الأولى وحتى غروب الشمس؛ ما يزيد معاناة السكان اليومية

ولا يقتصر ضرر الغربان، بحسب الأهدل، على الازعاج والأوساخ، بل يمتد إلى الاعتداء على بعض المقتنيات الثمينة؛ إذ تنجذب أحيانًا إلى الأجسام اللامعة مثل الحلي الذهبية، إذا تُركت في أماكن مكشوفة داخل المنازل

مؤكدًا أن العديد من النساء تعرضن لفقدان بعض مقتنياتهن بهذه الطريقة، إلى جانب ذلك فإن الغربان تتغذى على الجِيَف والحيوانات النافقة؛ ما يؤدي إلى نقل بقاياها وإلقائها في أماكن مختلفة؛ ما يفاقم المخاوف الصحية والبيئية

ويؤكد الأهدل أن ظاهرة انتشار الغربان باتت تستدعي وضع خططٍ عملية وتنظيم حملاتٍ للحد من أعدادها والسيطرة عليها، بعدما تحوّلت إلى مشكلةٍ مزعجة تُثقل كاهل سكان المدن الساحلية، وفي مقدمتها مدينة الحديدة

الخبير الجيولوجي، فهد البراق، يقول: “إن أعداد الغربان في محافظة الحديدة قد يرتبط بعدة عوامل بيئية وليس بالضرورة لسببٍ واحدٍ محدد، وهي من الطيور التي تتميز بقدرتها العالية على التكيف واستغلال الظروف المتاحة؛ لذلك فظهور تجمعات كبيرة منها قد يكون مؤشرًا على توفر مصادر غذاء أو تغيّر البيئة المحيطة”

ويضيف: “من الاحتمالات وجود زيادةٍ في المخلفات العضوية أو بقايا الأطعمة في بعض المناطق، أو تراكم النفايات التي توفر مصدر غذاء

كما أن وجود حيوانات نافقة أو بقايا كائنات ميتة قد يؤدي إلى جذب الغربان، خصوصًا إذا كانت هناك مشكلة في التخلص الصحي من الحيوانات النافقة”

ويتابع: “كذلك قد تكون هناك أسباب بيئية أخرى مثل تغيّر الظروف المناخية، توفر المياه، وتغير الغطاء النباتي، أو حدوث تغير في التوازن الطبيعي بين الطيور والكائنات الأخرى بالمنطقة

وأحيانًا يؤدي انخفاض أعداد بعض المفترسات الطبيعية أو تغيّر نمط النشاط البشري إلى زيادة أعداد أنواعٍ معينة من الطيور”

ويرى البراق أن تحديد السبب الحقيقي يحتاج الى دراسةٍ ميدانية تشمل معرفة أماكن تجمع الغربان، مصادر غذائها، ومراقبة التغيرات التي حدثت في البيئة خلال الفترة الاخيرة، خاصة أن زيادة أعداد الغربان ليست مجرد ظاهرة مرتبطة بالطائر نفسه، بل قد تكون انعكاسًا لتغيراتٍ بيئية تحدث في المنطقة

يقول الأهدل: “تزايد أعداد الغراب في المدن الساحلية بشكل كبير منذ أواخر الثمانينيات بسبب مجئ الكثير منها من منطقة سواحل إفريقيا الشرقية مع المراكب والسفن

ويضيف أن تكاثرها وعدم فائدتها بالنسبة للإنسان أدى إلى مضاعفة أعدادها بشكل مهول، خاصة في عدن، الخوخة، والحديدة، حتى تحولت ظاهرة ومشكلة في نفس الوقت”

وزاد من تفشي وانتشار ظاهرة الغربان عدم قيام الجهات المختصة والمواطنين بتنظيم حملاتٍ لمكافحتها أو الحد من تواجدها

وكان المختص في الطيور والبيئة، الأمين العام للجمعية اليمنية لحماية الحياة الفطرية، “عمر الصغير” قال لـ”المشاهد” في تقرير نشر خلال يوليو الماضي: “إن الحد من انتشار الغراب الهندي، يتطلب برنامجًا متكاملًا لإدارة الآفة، يشمل تحسين إدارة النفايات والحد من وصول الغربان إلى مصادر الغذاء، وجمع الفراخ قبل مغادرتها الأعشاش، واستخدام الشباك والأقفاص والمصائد، إلى جانب إشراك المجتمع والسلطات المختصة في تنفيذ خطة مستمرة وطويلة الأمد”

كما حذّر من أن استمرار انتشار الغراب الهندي يشكل تهديدًا للتنوع الحيوي، لافتًا إلى أنه يفترس بيض وفراخ الطيور المحلية؛ ما يؤثر في تكاثرها وبقائها

قال الناشط الاجتماعي والحقوقي بمحافظة الحديدة، أحمد بلعوص عتيق: “إن انتشار الغربان تسبب في هجرة العديد من الطيور المحلية، عندما لم تجد بيئةً آمنةً لحماية أعشاشها وبيضها وصغارها”

ويوضح أن الغربان تعمد إلى تخريب أعشاش الطيور الأخرى والتهام بيضها، وأحيانًا إلقاء الفراخ الصغيرة خارج الأعشاش، ما اضطر كثيرًا من الطيور إلى الهجرة والبحث عن مناطق أكثر أمانًا

وأضاف أن أضرار الغربان لم تقتصر على الطيور فحسب، بل امتدت إلى بعض الأشجار والنباتات النادرة، إذ تهاجم ثمارها في مراحل مبكرة من النمو أو عند بداية نضجها؛ ما يؤدي إلى إتلافها قبل الاستفادة منها

ويشير إلى أن شجرة الأراك تُعد من أبرز الأمثلة على ذلك، حيث تراجعت ثمارها بشكل ملحوظ نتيجة تعرضها المستمر لهجمات الغربان، بعد أن كانت تمثل موردًا طبيعيًا يستفيد منه السكان

ويقول: “إن هناك أنواعًا من الطيور اختفت أو تراجعت أعدادها بصورة كبيرة بسبب هذا الانتشار المتزايد للغربان”

بحسب المدير الفني لوحدة تغير المناخ، في وزارة المياه والبيئة بعدن، عبدالرقيب العكيشي، فإن المدن والبلدات الساحلية في اليمن تشكل بيئةً مثالية للغربان، ففي المناطق الساحلية اليمنية تنتشر القمامة العضوية المفتوحة، ومخلفات الأسماك والحيوانات النافقة، وهي تمثل بيئة مناسبة لتكاثر الغربان

ويتابع: “تعيش الغربان في مجتمعاتٍ متكافلة وتجمعات كبيرة، وتختار أماكن تواجدها بعناية؛ لذلك يُلاحظ انتشار الغربان بشكل كبير قرب نقاط تجميع القمامة والمكبات والسواحل، ويشكل وجود بعض الأشجار والمباني السكنية وأعمدة الكهرباء وغيرها أماكن آمنة ومرتفعة جيدًا للغراب؛ لبناء أعشاشه بالقرب من مصادر الغذاء”

ويشير العكيشي إلى أن أولى حالات وجود الغربان المنزلية في الجزيرة العربية في عدن سُجّلت في أربعينيات القرن التاسع عشر، حوالي عام 1840 حيث أدخلت مع السفن البريطانية القادمة من الهند

ويشير العكيشي إلى أن بعض المصادر أشارت بأن إدخال الغراب المنزلي كان متعمدًا لمكافحة بعض الآفات الزراعية، ولكنها انتشرت بشكل غير متوقع، وأن عدن كانت نفسها مصدرًا رئيسيًا لتجمّع هذه الطيور إقليميًا وعالميًا عبر حركة الملاحة البحرية عن طريق السفن القادمة من شبه القارة الهندية

في الوقت الذي يطارد فيه سكان مدينة عدن جنوب اليمن الغربان، دعوات لإطلاق حملة أخرى في الحديدة المدينة التي أنهك أبناؤها الحر والغربان وتدهور ظروف المعيشة

فهل تشهد الحديدة قريبًا حملةً طوعيةً مماثلة للتخلص من الغراب المنزلي؟ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن