“التشهير والابتزاز” سلاح لإسكات الصحفيات

منذ 6 ساعات

مأرب- غادة الحسيني(م

س

)، صحفية فضلت عدم الكشف عن هويتها، قالت في حديث مع “المشاهد” إنها تعرضت في صنعاء خلال عام 2020 للابتزاز الممنهج لمدة تزيد عن عامين ونصف

وتقول إن الابتزاز امتد ليطال أسرتها بشكل مباشر، موضحةً أن الاستهداف بدأ تدريجيًا عقب نشرها تقارير صحفية تناولت قضايا فساد حساسة، قبل أن يتحول إلى حملةٍ منظمة هدفت إلى إسكاتها بكل الوسائل الممكنة

وتقول إن الابتزاز بدأ عبر رسائل نصية على الهاتف الشخصي من أرقامٍ دولية وهمية، ثم تبعه رسائل من حساباتٍ بأسماء مستعارة على الـ”فيسبوك”

وتشير إلى أن المبتز لجأ إلى محاولاتٍ متكررة لاختراق حساباتها الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني، وتمكن من الوصول إلى معلوماتٍ خاصة، استخدمها لاحقًا كورقة ضغط

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلى مضايقاتٍ ممنهجة استهدفت أفراد عائلتها، حيث تعرضت شقيقاتها لحملات تشويهٍ وتهديد، كما تم تداول شائعاتٍ تمس سمعة الأسرة في محيطها الاجتماعي، في محاولةٍ واضحة لعزلها مجتمعيًا وكسر إرادتها

وتضيف الصحفية أن الضغوط لم تكن رقميةً فقط، بل رافقها تهديد غير مباشر عبر رسائل تحمل طابعًا ترهيبيًا، وأحيانًا إيحاءات بالمراقبة، ما خلق حالةً من الخوف الدائم وعدم الأمان؛ دفعتها في فتراتٍ متقطعةٍ إلى التوقف عن العمل أو تقليل نشاطها الصحفي

كما تؤكد أنها عاشت حالةً من القلق المستمر؛ أثّرت على استقرارها النفسي وحياتها اليومية، في ظل غياب أي حمايةٍ حقيقية أو استجابةٍ سريعة في بداية الأزمة

وبعد نحو عامين ونصف من المعاناة، تمكنت الجهات المختصة من تتبع الجاني وإلقاء القبض عليه، ليتم تقديمه إلى العدالة، في خطوةٍ اعتبرتها متأخرة لكنها ضرورية

ورغم ذلك، لا تزال الصحفية تفضل إخفاء هويتها، ليس فقط خوفًا من انتقامٍ محتمل، بل أيضًا خشيةً من الوصم المجتمعي الذي قد يلاحقها وأسرتها، في بيئةٍ لا تزال تلقي باللوم على الضحية

وفي هذا السياق، تسرد صحفية أخرى من محافظة الضالع، تجربةً مشابهة

وتوضح أنها تعرضت لابتزازٍ إلكتروني عام 2024 وهي في محافظة مأرب، بدأ باختراق أجهزتها الشخصية، بما في ذلك هاتفها المحمول وحساباتها الخاصة، حيث تمكن المبتز من الحصول على صورٍ وملفات شخصية حساسة

وتقول إن المبتز استخدم هذه المواد لتهديدها بشكل متكرر، ملوحًا بنشرها على نطاقٍ واسع، وهو ما وضعها تحت ضغطٍ نفسي هائل، دفعها أحيانًا إلى التفكير في ترك العمل الإعلامي بالكامل

كما أشارت إلى أن الابتزاز لم يكن معنويًا فقط، بل تضمن مطالب مالية صريحة، إضافةً إلى محاولات فرض السيطرة عليها والتأثير في طبيعة عملها وما تقدمه من محتوى

وتضيف أن الاستهداف توسع ليشمل عائلتها، حيث تم التواصل مع بعض أفراد الأسرة بطرقٍ غير مباشرة، في محاولةٍ لزيادة الضغط عليها وإجبارها على الرضوخ

وتشير إلى أنها وجدت نفسها بين الخوف على سمعتها المهنية، والقلق على سلامة أسرتها واستقرارها الاجتماعي

واختتمت حديثها بالتأكيد على أن كل ما تعرضت له كان بسبب عملها الإعلامي وظهورها العلني

مشيرةً إلى أن غياب الحماية القانونية الفعالة، وضعف آليات الملاحقة، واستمرار إفلات الجناة من العقاب، كلها عوامل تعمّق من حجم المخاطر التي تواجهها الصحفيات

وترى أن هذه التجارب تعكس واقعًا مقلقًا لبيئة العمل الإعلامي، خاصةً بالنسبة للنساء، في ظل هشاشة الحماية وارتفاع كلفة المواجهة

وفي دراسةٍ أجراها مركز الدراسات والاعلام الاقتصادي شملت 79 صحفيةً ونشرت عام 2022، كشفت أن 72 % من عينة الدراسة تعرضنّ لنوعٍ من أنواع التنمر الالكتروني وبصورة متكررة

وتصدر الـ”فيسبوك” قائمة أكثر المنصات الاجتماعية التي تعرضت فيه الصحفيات للتنمر الالكتروني بنسبة 90 % مقارنةً مع المنصات الاجتماعية وتطبيقات الرسائل الفورية الأخرى

وقالت الدراسة إن ظاهرة التنمر الالكتروني أدّت إلى عزوف الصحفيات عن الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي في التعبير عن آرائهنّ أو تبني قضايا المجتمع والنساء

وهذا قد يفسر نسبة عدد النساء المتدني في اليمن على الـ”فيسبوك”

إذ لم يتجاوز عدد مستخدمي المنصة من النساء في نهاية 2025 حاجز 31

2 %، مقابل 86

8 % من الذكور، بحسب داتا بورتال، المتخصصة في تقديم بيانات استخدام الانترنت حول العالم

بل إن إجمالي عدد مستخدمي وسائل التواصل من النساء خلال الفترة نفسها لم يتجاوز 31 % رغم أن نسبة الاناث تصل إلى نحو 50 % من إجمالي عدد السكان

في اليمن، لا تقتصر المخاطر التي تواجهها الصحفيات على التغطية الميدانية في بيئة صراعٍ معقدة، بل تمتد إلى مساحةٍ أكثر خطورة: استهداف السمعة الشخصية

فبين حملات التشهير، وفبركة الصور، والابتزاز بنشر الحياة الخاصة، تعمل الصحفيات في بيئةٍ خطرة وتتحول خصوصيتهنّ وسمعتهنّ إلى أدوات ضغطٍ لإسكات أصواتهن

ووفق تقرير مشترك بين الاتحاد الدولي للصحفيين ونقابة الصحفيين اليمنيين، نشر منتصف العام الماضي؛ فإن نحو 60% يواجهنّ العنف القائم على النوع الاجتماعي والتحرش عبر الإنترنت، فيما يتعلق بعملهن

وأعلنت 63% من الصحفيات أنهنّ يخفينَ هويتهنّ عند نشر موادٍ عبر الإنترنت

واعترفت 93% من النساء المشاركات في التقرير بأنهنّ يشعرنَ دائمًا بالقلق بشأن مواجهة التحرش عبر الإنترنت والعنف القائم على النوع الاجتماعي

هذه المؤشرات تعكس بيئة عملٍ محفوفةً بالمخاطر؛ تدفع العديد من الصحفيات إلى ممارسة رقابةٍ ذاتيةٍ أو تجنب الخوض في ملفاتٍ حساسة؛ خشية التعرض لحملات تشهيرٍ أو تهديدات

يقول الصحافي في صحيفة عدن الغد، ناصر علي الزيدي، لـ”المشاهد”: “إن العمل الإعلامي الميداني في اليمن أصبح أكثر تعقيدًا من أي وقتٍ مضى، في ظل المخاطر الأمنية والضغوط السياسية وضعف الحماية القانونية”

ويوضح أن غياب الحماية القانونية يحد من هامش حرية الصحفي، ويدفع كثيرين إلى تجنب التغطية في ملفاتٍ حساسة، خوفًا من الاستهداف أو الانتقام

لكن بالنسبة للصحفيات، فإن المخاطر غالبًا ما تتخذ شكلًا مختلفًا؛ فبدلًا من استهداف الموقف السياسي أو المهني، يتم اللجوء إلى التشهير بالسمعة أو الحياة الشخصية

وتوضح الإعلامية في إذاعة عدن الغد، مواهب الجيلاني، لـ”المشاهد”، أن الصحفية غالبًا ما تتعرض لهجمات تستهدف “سمعتها وشرفها” كوسيلة لإسكاتها، مشيرةً إلى أن هذا النوع من الاستهداف يشكل ضغطًا مضاعفًا عليها مقارنةً بزملائها الرجال

”مواهب الجيلاني، صحفية في إذاعة عدن الغد: الصحفية غالبًا ما تتعرض لهجمات تستهدف “سمعتها وشرفها” كوسيلة لإسكاتها، مشيرةً إلى أن هذا النوع من الاستهداف يشكل ضغطًا مضاعفًا عليها مقارنةً بزملائها الرجال

”وتضيف أن الابتزاز بنشر الصور أو المعلومات الشخصية أصبح من أكثر الأساليب استخدامًا لترهيب الصحفيات، إلى جانب المضايقات اللفظية والتحرش أثناء التغطيات الميدانية

وبحسب الجيلاني، لم يعد التنمر الرقمي مجرد تصرفاتٍ فردية، بل تحول في كثير من الأحيان إلى حملاتٍ منظمة تهدف إلى إقصاء النساء من الفضاء العام

وتشير إلى أن بعض أطراف الصراع تستخدم ما يعرف بـ “الجيوش الإلكترونية” لاستهداف الصحفيات اللواتي يطرحن خطابًا نقديًا، حيث يتم الرد على آرائهنّ عبر نشر صورٍ مفبركة أو إطلاق اتهاماتٍ أخلاقية بدلًا من مناقشة مضمونٍ ما يتم كتابته

هذا النوع من الهجمات لا يستهدف صحفيةً واحدة فقط، بل يوجه رسالة ترهيبٍ لبقية الصحفيات؛ مفادها أن الخوض في قضايا حساسة قد يقود إلى حملات تشهيرٍ مماثلة

ورغم خطورة هذه الانتهاكات، فإن القانون اليمني لا يوفر حمايةً واضحة للصحفيات في هذا المجال

تقول المحامية المتخصصوب بقضايا المرأة، أمل الصبري، لـ”المشاهد”: “إن التشريعات اليمنية، سواء في قانون الصحافة والمطبوعات أو في قانون الجرائم والعقوبات، لا تتضمن نصوصًا صريحةً تتعامل مع قضايا التشهير القائم على النوع الاجتماعي أو الابتزاز المرتبط بالسمعة”

وتوضح أن غياب هذه النصوص يجعل العديد من الجرائم المرتكبة ضد الصحفيات تُعامل كخلافاتٍ شخصيةً أو قضايا أخلاقية، بدلًا من اعتبارها انتهاكات مرتبطة بحرية العمل الصحفي

وتشير الصبري إلى أن الصحفيات يواجهنَ صعوباتٍ إضافية عند محاولة الإبلاغ عن حالات الابتزاز أو التشهير، إذ قد تتحول الشكوى في بعض الأحيان إلى عبءٍ اجتماعي على الضحية نفسها

ففي مجتمعٍ محافظ، قد تخشى الصحفية من أن يؤدي الكشف عن الواقعة إلى مزيدٍ من الوصم أو اللوم الاجتماعي؛ ما يدفع الكثيرات إلى الصمت

فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت حملات التشهير والتهديد أكثر سهولةً وأوسع انتشارًا؛ ما يضاعف تأثيرها على السمعة والحياة الشخصية للصحفية

يقول مستشار وزير الاتصالات في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، المهندس رائد الثابتي، لـ”المشاهد”: “إن المنصات الرقمية غيّرت طبيعة الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون، خصوصًا الصحفيات”

فبدلًا من الاعتداءات المباشرة، باتت الهجمات تعتمد على العنف النفسي والاجتماعي، مثل التشهير والابتزاز وفبركة الصور واختراق الحسابات

ويشير إلى أن خطورة هذه الانتهاكات تكمن في سرعة انتشارها وصعوبة تحديد هوية الجناة، إذ يستخدم كثير منهم حساباتٍ وهميةً أو أسماءً مستعارة

كما أن هذه الهجمات لا تهدف بالضرورة إلى إسكات الصحفية بالقوة، بل إلى تقويض مصداقيتها وتشويه سمعتها؛ ما يدفعها في النهاية إلى الانسحاب من المجال العام

في مواجهة هذه الانتهاكات، تلعب نقابة الصحفيين دورًا مهمًا في رصد الحالات وتوثيقها، رغم محدودية الإمكانيات

وتقول عضو مجلس النقابة فاطمة مطهر، لـ”المشاهد”: “إن النقابة تستقبل بلاغاتٍ تتعلق بمختلف أشكال الانتهاكات، بما في ذلك التهديدات والابتزاز الإلكتروني”

لكنها تشير إلى أن الكثير من الصحفيات يترددنَ في الإبلاغ عن هذه الحالات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالتشهير أو نشر الصور أو الابتزاز

فالخوف من الفضيحة أو من ردود الفعل الاجتماعية يدفع بعض الضحايا إلى الصمت؛ ما يجعل حجم المشكلة أكبر بكثير مما يظهر في التقارير الرسمية

وتوضح مطهر أن النسبة المرتفعة دفعت النقابة إلى إعداد مسودة آليةٍ لحماية الصحفيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي، تتضمن آلياتٍ لتلقي الشكاوى وتقديم الدعم القانوني والمناصرة

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن