“السوا” طريق تجارة الحِميَريين.. معلم تاريخي يصارع العبث

منذ 11 ساعات

تعز – عزالدين مطيع على قمة جبلية شاهقة في “عزلة السوا” بمديرية المعافر، جنوب محافظة تعز، يقف حصن القدم شاهدًا على تاريخٍ طويل تختزنه المنطقة منذ عصور ما قبل الإسلام

فبين بقايا أسواره الحجرية ومنشآته المائية وآثار معابده القديمة، تظهر ملامح مدينةٍ كانت يومًا مركزًا تجاريًا مهمًا على طرق القوافل التي ربطت مناطق اليمن بميناء موزع “المخا” على البحر الأحمر، بحسب دراسةٍ للباحث بشير حميد، نشرتها “مجلة جامعة الملكة أروى” في ديسمبر 2023، عن “الطريق التجاري الحِميَري القديم”

حيث مثلت “السوا” حلقة وصلٍ بين ميناء المخا على البحر الأحمر ومدينة ظفار في الشمال، ضمن طريق قوافل التجارة التي حولها الحميريون من ميناء عدن إلى ميناء المخا، وفق الدراسة

حيث كانت تستغرق الرحلة البرية من ميناء المخا إلى السوا ثلاثة أيام ومن هناك إلى ظفار تسعة أيام

وتقع أطلال مدينة السوا فوق قمة جبلٍ مرتفع، غرب مدينة النشمة حاليًا، على بُعد ثمانية كيلومترات منها، وتسمى اليوم “حصن القدم”

ويذكر حميد في بحثه أن مواقع في هذه المنطقة استُخدمت قديمًا لمراقبة الطريق التجاري المؤدي إليها

حيث كانت تتجمع القوافل التجارية القادمة من المخا وعدن عبر المفاليس وطور الباحة في البوابة الرئيسية

لكن هذا الإرث التاريخي يواجه اليوم خطر الاندثار، بعد سنواتٍ من الإهمال وتراجع جهود الحماية

وهذه الأوضاع تفاقمت مع الحرب التي أضعفت قدرات المؤسسات المعنية بالآثار في متابعة المواقع المنتشرة بالمناطق الريفية؛ ما فتح المجال أمام أعمال النبش والتنقيب العشوائي التي طالت أجزاءً كبيرةً من الحصن ومواقع أثريةٍ مجاورة له

حيث يخشى سكان المنطقة أن يؤدي استمرار العبث وغياب الحماية إلى فقدان أجزاءٍ من تاريخ المكان الذي ظل صامدًا لقرون

“كنا نسمع من آبائنا وأجدادنا عن مكانة هذا الحصن، وعن المدينة التي كانت تحيط به، لكننا اليوم نشاهد أجزاءً منه تتعرض للعبث والاختفاء”

يقول أحد المهتمين بالتراث، إيهاب الحداد، من أبناء السوا خلال حديثه لـ”المشاهد”

ويضيف: “المشكلة أن بعض الناس ينظرون إلى هذه المواقع باعتبارها أماكن قديمة فقط، بينما تحمل تاريخ المنطقة وهويتها

فكل حجرٍ هنا له قصة، وكل نقشٍ أو قطعة أثرية يمكن أن تكشف معلومات عن حياة من عاشوا في هذه الأرض قبل آلاف السنين”

تتمثل أعمال النبش العشوائي في قيام البعض بالبحث عن الكنوز ونقوشٍ أو أحجارٍ أثريةٍ يمكن بيعها في أسواقٍ غير مشروعة

وقد أدى هذا إلى إلحاق أضرارٍ بأجزاءٍ من الموقع وخلق حالةً من الجدل والمخاوف بين أبناء المنطقة حول مسؤولية حماية هذا الإرث

يقول الطالب محمد عبدالجليل السوائي، أحد أبناء منطقة السوا، لـ”المشاهد”: “إن ما يحدث في حصن القدم يمثل خسارةً للجميع، موضحًا أن البعض يتعامل مع الموقع باعتباره مصدرًا للمقتنيات القديمة بدل النظر إليه كجزءٍ من تاريخ المنطقة وذاكرتها”

ويضيف، الطالب المتخصص في الإعلام، أن عمليات الحفر والعبث التي شهدتها المعالم الأثرية في فبراير 2025، لم تقتصر على إزالة التربة أو البحث داخل أجزاءٍ من الحصن، وإنما طالت أحجارًا منقوشة وشواهد أثرية تحمل معلوماتٍ عن تاريخ المكان، ويشير السوائي إلى أن بيع هذه القطع خارج المنطقة يحرم المجتمع من جزءٍ من هويته ويصعب استعادة ما يخرج منها

ويتابع: “هذه الممارسات تسببت في ظهور خلافاتٍ داخلية، وتأجيج الصراع بين المواطنين ومن يمارسون عملية النبش، ممن يدّعون أنهم يقومون بحماية الموقع والحفاظ عليه

حيث يُتهم هؤلاء بأنهم يمارسون السطو ونهب الآثار، في ظل غياب الرقابة وضعف الوعي بقيمتها

ويرى أن حماية حصن القدم تبدأ من أبناء السوا أنفسهم، عبر وقف العبث بالموقع والإبلاغ عن أي عمليات تنقيبٍ غير مشروعة؛ لأن فقدان أي نقشٍ أو حجرٍ أثري يعني فقدان جزءٍ من قصة المدينة وتاريخها

ولا توجد حتى الآن آلية للإبلاغ عن المخالفات أو العبث، بحسب شهادات السكان

 يرى المستشار القانوني، ذي يزن السوائي، أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف تطبيق القوانين الخاصة بحماية الآثار، رغم وجود تشريعاتٍ تمنع التنقيب غير المرخص أو الإضرار بالمواقع التاريخية

ورغم ما يوفره القانون اليمني من حمايةٍ للمواقع الأثرية، فإن حصن القدم يواجه واقعًا مختلفًا على الأرض، في ظل ضعف الرقابة وغياب الحماية الميدانية؛ ما جعله عرضةً للإهمال وأعمال النبش والاعتداء

ويقول ذي يزن السوائي لـ”المشاهد”: “ينص قانون الآثار اليمني بوضوح على أن جميع الآثار المنقولة والثابتة ملك للدولة، وتخضع لإشراف الهيئة العامة للآثار والمتاحف، كما تجرّم أي أعمال تنقيبٍ أو إتلافٍ أو عبثٍ بالمواقع الأثرية، لكن المشكلة لا تكمن في غياب النصوص القانونية، وإنما في تطبيقها، خصوصًا بالمناطق الريفية”

المستشار القانوني، ذي يزن السوائي: ينص قانون الآثار اليمني بوضوح على أن جميع الآثار المنقولة والثابتة ملك للدولة، وتخضع لإشراف الهيئة العامة للآثار والمتاحف، كما تجرّم أي أعمال تنقيبٍ أو إتلافٍ أو عبثٍ بالمواقع الأثرية، لكن المشكلة لا تكمن في غياب النصوص القانونية، وإنما في تطبيقها، خصوصًا بالمناطق الريفية”

ويضيف أن حصن القدم يكشف هذا الواقع، موضحًا أن غياب دور الهيئة بالمنطقة، إلى جانب ضعف رقابة السلطات المحلية والأجهزة الأمنية؛ جعل الموقع عرضةً للاعتداءات المتكررة، رغم أن القانون يُحمّل تلك الجهات مسؤولية منع أي تجاوزات تطاله

ويرى السوائي أن الحرب وما رافقها من تراجع مؤسسات الدولة أسهمت في تفاقم أعمال النهب والتنقيب غير المشروع؛ ما يستدعي إشراك المجتمع المحلي في حماية الموقع، من خلال الإبلاغ عن أي اعتداء والتعاون مع الجهات المختصة والمنظمات المعنية بالحفاظ على التراث

ويشير إلى أن ملكية الأهالي للأراضي الزراعية المحيطة بالحصن لا تمنحهم حق التوسع أو الحفر داخل النطاق الأثري؛ لأن هذه المواقع تتمتع بحمايةٍ قانونية خاصة، لافتًا إلى أن استمرار الحفريات العشوائية لا يهدد الآثار وحدها، وإنما يشكل خطرًا على السكان أيضًا، خاصة الأطفال الذين يرتادون محيط الحصن بشكل يومي

ويقول الباحث التاريخي خالد الفرح لـ”المشاهد”: “إن أهمية السوا لا ترتبط بالحصن وحده، وإنما بمكانة المدينة التي كانت إحدى الحواضر القديمة في المعافر”

ويضيف: “كانت السوا مركزًا مهمًا على طريق التجارة الذي ربط المناطق اليمنية القديمة بموانئ البحر الأحمر، وموقعها جعلها محطة للقوافل والمسافرين المتجهين نحو ميناء موزع (المخا)”

ويتابع الفرح: “تكشف النقوش والمصادر التاريخية أن المدينة كانت قائمةً قبل الإسلام، واستمرت أهميتها في مراحل لاحقة، كما ارتبطت بحركةٍ اقتصادية نشطة، من خلال التجارة والضرائب المفروضة على البضائع؛ ما يعكس الدور الذي لعبته السوا في تاريخ المنطقة”

ولا تقتصر أهمية الموقع على ما بقيّ ظاهرًا من منشآت، إذ كشفت دراسة أثرية للباحث بشير حميد، نشرت في 2014 عن وجود مقابر صخرية في الجهة الغربية للحصن، بعضها يحتفظ بتفاصيله الداخلية من مداخل وأدراج وأفنية حجرية

وبينما تتزايد المخاوف من استمرار العبث بالمواقع الأثرية في السوا، تحاول الجهات المختصة متابعة ما يطال هذه المعالم من اعتداءات، رغم الصعوبات التي تواجه أعمال الحماية والتوثيق في الميدان

وفي هذا الصدد، قال مدير عام فرع الهيئة العامة للآثار والمتاحف بمحافظة تعز، محبوب قاسم الجرادي: “إن حصن القدم تعرض خلال الفترة الماضية لأعمال نبش غير مشروعة؛ تسببت في إلحاق أضرارٍ بأجزاء من الموقع، موضحًا أن خطورة هذه الاعتداءات لا ترتبط بفقدان القطع الأثرية فقط، وإنما بما تسببه من تدميرٍ للطبقات الأثرية وطمس الشواهد التي تحمل معلوماتٍ تاريخيةً وعلمية عن المكان”

مدير عام فرع الهيئة العامة للآثار والمتاحف بمحافظة تعز، محبوب قاسم الجرادي: “حصن القدم تعرض خلال الفترة الماضية لأعمال نبش غير مشروعة؛ تسببت في إلحاق أضرارٍ بأجزاء من الموقع، موضحًا أن خطورة هذه الاعتداءات لا ترتبط بفقدان القطع الأثرية فقط، وإنما بما تسببه من تدميرٍ للطبقات الأثرية وطمس الشواهد التي تحمل معلوماتٍ تاريخيةً وعلمية عن المكان”

ويضيف الجرادي لـ”المشاهد” أن حماية المواقع الأثرية تحتاج إلى تعاون جميع الأطراف، مشيرًا إلى أن الحفاظ على هذه المعالم يبدأ بمنع العبث أو التخريب، وعدم البناء أو الحفر داخل المواقع الأثرية، والإبلاغ عن أي أعمال تنقيبٍ غير مشروعة

ويؤكد أن “كل موقع أثري نحافظ عليه اليوم هو رسالة نُورّثها للأجيال القادمة، ودليل على اعتزازنا بتاريخنا وهويتنا”، لافتًا إلى أن مسؤولية حماية التراث لا تقع على جهةٍ واحدة، بل تتطلب مشاركة المجتمع المحلي والجهات الرسمية”

ويشير الجرادي إلى أن فرع الهيئة يتابع الاعتداءات التي تطال المواقع الأثرية في المحافظة، ومنها حصن القدم ومدينة الظهرة وموقع دار الكدم في منطقة المشاولة، بالتنسيق مع الجهات المحلية والأمنية؛ بهدف الحد من أعمال النبش والحفاظ على ما تبقى من الشواهد التاريخية

ويرى أن وجود أبناء المنطقة بالقرب من هذه المواقع يمثل عاملًا مهمًا في حمايتها، داعيًا إلى تعزيز الوعي بقيمة الآثار باعتبارها جزءًا من الذاكرة التاريخية لليمن

يقول الناشط والإعلامي أحمد الحداد لـ”المشاهد”: “الحصن لم يحصل على الحماية التي تتناسب مع قيمته التاريخية؛ ما جعله عرضةً خلال السنوات الماضية لأعمال النبش والتنقيب العشوائي التي ألحقت أضرارًا بأجزاءٍ من الموقع وطمست بعض ملامحه، مشيرًا إلى أن ما يُفقد من هذه المواقع لا يمكن تعويضه، باعتباره جزءًا من ذاكرة المجتمع وتاريخ المنطقة”

ويتحدث الحداد عن مشاهداتٍ متكررة لأشخاصٍ يصعدون إلى الحصن بهدف البحث والتنقيب غير المشروع، في ظل غياب الرقابة الكافية، موضحًا أن الأهالي يشعرون بالحسرة تجاه ما يحدث لمعلمٍ ارتبط بحياتهم وذاكرتهم، لكنهم يفتقرون إلى الأدوات التي تمكنهم من وقف هذه الاعتداءات

ويدعو الحداد الجهات المعنية إلى التحرك لحماية الحصن، وضبط المتورطين في أعمال النبش، والعمل على توثيق ما تبقى من معالمه، حتى لا يتحول هذا الإرث التاريخي إلى مجرد بقايا متناثرة بعد أن كان شاهدًا على حضارةٍ عريقة

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن