“الهكبة”.. ادخار للسيولة بدلًا عن الاستثمار

منذ 4 أيام

عدن- معاذ مدهش تبدأ علاقة اليمني بالادخار في سنٍ مبكرة، حصالة صغيرة يصنعها الطفل من علبةٍ معدنية، يضع فيها ما يتوفر له من نقود، ثم سرعان ما تنتهي الخطة أمام رغبةٍ عابرة أو عربة “آيسكريم”

ومع التقدم في العمر، تتغير أدوات الادخار

“الجمعية” أو “الهكبة” واحدة من هذه الوسائل، وتجمع بين الادخار الجماعي والحصول على مبلغٍ دفعةً واحدة

تقوم الفكرة على اتفاق مجموعة أشخاصٍ على دفع مبلغٍ محدد بصورةٍ دورية، يتولى أحدهم جمع المساهمات، ثم يحصل أحد المشاركين على إجمالي المبلغ وفق ترتيبٍ متفق عليه، قبل أن يستمر الجميع في الدفع حتى نهاية الدورة

مثلت الجمعيات في السابق وسيلةً لبدء مشروعٍ أو شراء شيءٍ ثمين

لكنها اليوم تحولت إلى نافذةٍ لسد السيولة، في ظل تراجع القدرة على الادخار وارتفاع تكاليف المعيشة

ووصل إجمالي العرض النقدي (حجم النقود المتاحة والمتداولة) حوالي 11

5 مليار ريال في نهاية ديسمبر 2025، بحسب تقرير التطورات النقدية والمالية الصادر عن البنك المركزي في عدن

فيما بلغ إجمالي الائتمان (القروض والتسهيلات المالية) المقدمة من البنوك للقطاع الخاص 1

392 مليار ريال، نهاية ديسمبر 2025

ويعاني اليمن انقساما نقديا منذ أواخر 2019 حين حظرت جماعة الحوثي تداول العملة اليمنية الصادرة عن البنك المركزي في عدن مما أوجد إدارتين للبنك المركزي، الأول في صنعاء والثاني في عدن

وقد أحدث هذا سعرين مختلفين للعملة

المواطنة حماس محمد، من محافظة إب، تخبرنا عن تجربتها في الدخول إلى الجمعيات

حيث احتاجت لتغطية غرض شخصي، فكرت في الاستدانة، لكنها تراجعت، كما تقول؛ لأن “لكل شخص التزاماته وظروفه”، ولم تكن تريد أن تثقل على نفسها أو على شخص آخر

وجدت في الجمعية خيارًا أقل إحراجًا، تقول: “كان ‘أول منقذ’ تستطيع من خلاله جمع مبلغ على فترة، والحصول في موعدٍ محدد على سيولةٍ تحتاج إليها، بدلًا من طلب المبلغ دفعةً واحدةً من آخرين”

وعلى العكس من ذلك، لم تكن حلًا كاملًا لمشكلتها، فعندما جاء موعد حصولها على المبلغ، اكتشفت أن حاجتها أكبر من المبلغ المتاح، فاضطرت إلى توجيهه إلى أولويةٍ أخرى، بينما ظل الغرض الذي دخلت الجمعية من أجله مؤجلًا

وتقول حماس”: “هذه لم تكن تجربتي الأولى، فقد سبق أن دخلتُ جمعيةً بهدف الادخار، كما أعرف أشخاصًا لجأوا إليّ لسداد ديونٍ والتزامات أخرى”

ومن خلال تجربتها، ترى أن الجمعية أصبحت بالنسبة إلى كثيرين أشبه بـ”ليلة قدرٍ مالية” لكنها، بحسب وصفها، “ليلة قدر مدفوعة الثمن وتحت شروط”، فالمشارك يحصل عندما يحين دوره على مبلغٍ قد لا يستطيع توفيره دفعةً واحدة، لكنه يظل ملزمًا بدفع حصته طوال مدة الجمعية

أما من يأتي دوره متأخرًا ولا يكون محتاجًا إلى المال بشكل عاجل، فقد تتحول الجمعية بالنسبة إليه إلى ما تصفه حماس بأنه “ادخار إجباري منظم” يساعده على تجميع مبلغٍ مالي

يصف الباحث في مجال إدارة الأعمال، الحاصل على الماجستير من جامعة عدن، صابر الجرادي، الجمعيات بأنها أحد أشكال التمويل غير الرسمي في اليمن، تقوم بحسب تفسيره، على تجميع مدخرات مجموعةٍ من الأفراد وإعادة توزيعها فيما بينهم، وفق ترتيبٍ زمني، شهري أو أسبوعي

ويرى الجرادي أن سهولة هذه الآلية مقارنةً بالتمويل المصرفي أحد أسباب لجوء الناس إليها، إلى جانب اعتمادها على الثقة بين أفراد المجموعة، في وقتٍ تتطلب فيه البنوك ضماناتٍ وإجراءات قد لا تكون متاحةً للجميع

ويعتبر الجمعيات بأنها “آلية مجتمعية لإعادة السيولة وتوزيعها”، مشبهًا إياها بنظام الحصالة أو التوفير الإجباري

وبحسب الجرادي، فإن ارتفاع الاعتماد على هذه الآلية يعد “مؤشرًا إلى حدٍ كبير” على تراجع القدرة على الادخار، وإن لم يكن المؤشر الوحيد، فهو يعكس أيضًا ضعف الدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الثقة في الأدوات المالية الرسمية

ويشير إلى أن الجمعيات لا تستخدم لغرضٍ واحد، فإلى جانب مواجهة بعض الاحتياجات والديون، قد يلجأ إليها المشاركون لتنفيذ مشاريع أو شراء أصول، مثل الذهب أو العقار أو السيارة، فتتراكم مبالغ مستحقة لأكثر من شخص

في مثل هذه الحالات، يعتقد أن الجمعية قد تسهم في تسديد مبلغٍ كبير دفعةً واحدة؛ بدل التعامل مع عدة مطالبات أو محاولة إعادة كل دَين على حدة، وهنا تبدو الجمعية طريقةً لإعادة ترتيب السيولة والالتزامات المالية داخل الأسرة

بالنسبة إلى المعلمة المقيمة في صنعاء، أروى عبدالله، أصبحت الجمعيات جزءًا من الحياة المالية للعديد من المعلمات ومعلمي المدارس الخاصة

تقول: “المعلمات يلجأن إليها لتوفير مبالغ تساعد في تغطية تكاليف الدراسة، أو العلاج، أو سداد الديون، أو التعامل مع ظروفٍ طارئة”

لكن طبيعة العمل في بعض المدارس الخاصة تضيف عاملًا آخر، إذ قد لا يحصل العاملون على رواتب خلال بعض فترات الإجازة؛ ما يجعل توقيت استلام الجمعية مهمًا بالنسبة إلى بعض المشاركات

وتلاحظ أروى أن بعض المعلمات يفضلنَ أن يكون دورهنّ في نهاية العام الدراسي، حتى يحصلنَ على مبلغٍ يساعدهنّ خلال فترة الإجازة

وفي بعض الجمعيات التي تعرفها، لا يكون ترتيب الاستلام جامدًا بالكامل، ففيها أخلاقيات تراعي الحالات المرتبطة بمرضٍ أو دَينٍ أو ظرفٍ طارئ، بينما تؤجَّل الاحتياجات الأقل إلحاحًا

ووسط هذا، لا تخلو التجربة من مشكلات، خصوصًا إذا اضطرت إحدى المشاركات إلى ترك العمل أو الانسحاب من الجمعية قبل انتهاء الدورة، عندها قد تبدأ عملية إعادة ترتيب الأدوار وتحصيل المبالغ من بقية المشاركات

لكن أروى ترى أن هذه المشكلات تظل محدودةً مقارنةً بالفائدة التي تحققها الجمعية، خصوصًا عندما تقوم على الثقة والتفاهم بين المشاركات

يرى الجرادي أن الجمعية لا يمكن اعتبارها بديلًا حقيقيًا للادخار بالمعنى الاقتصادي، فإذا جمع الشخص المبلغ بنفسه واحتفظ به، سيصل في النهاية إلى المبلغ ذاته

لكن الفارق بحسب تفسيره هو أن الجمعية تفرض على المشترك التزامًا دوريًا؛ ما يجعلها نوعًا من “التوفير الإجباري”؛ يساعد بعض الأشخاص على الالتزام بالادخار الذي قد لا يستطيعون ممارسته بمفردهم، غير أن الالتزام نفسه يمكن أن يتحول إلى عبءٍ إذا لم يتناسب مع دخل المشترك

ويضرب الباحث في إدارة الأعمال، صابر الجرادي، مثالًا بسائقي الحافلات الذين تعتمد دخولهم على العمل اليومي، فإذا التزم السائق بدفع مبلغٍ محددٍ للجمعية، ثم لم يعمل في أحد الأيام، قد تظهر فجوة في قدرته على السداد

وهذا يظهر مفارقةً أساسية للجمعية، فهي تمنح المشترك مبلغًا كبيرًا في وقتٍ محدد، لكنها في المقابل تتطلب منه ضمان قدرته على دفع حصته في الأشهر التالية

تعتمد الجمعية في جوهرها على الثقة بين المشاركين، وهذه الثقة هي مصدر قوتها وأحد مصادر مخاطرها في الوقت نفسه

تقول المواطنة حماس: “المشكلة الأكبر تظهر عندما يتهرب أحد المشاركين من السداد؛ لأن أثر ذلك لا يقع عليه وحده، وإنما يمتد إلى الأشخاص الذين لم يأتِ دورهم بعد”

وفي حالة المعلمة أروى، قد يؤدي ترك إحدى المعلمات للعمل إلى إرباك عملية التحصيل وإعادة ترتيب الأدوار

أما المواطنة، أيلولا أحمد، طلبت كتابة اسمها هكذا، لم تدخل جمعيةً ولا تفكر في ذلك، وترى أن الحصول على مبلغٍ كبير في البداية قد يمنح الشخص فرحةً مؤقتة، قبل أن يتحول المبلغ إلى التزامٍ شهري يشبه الدَين، وقد يصبح عبئًا إذا كان الدخل محدودًا

وتشير إلى أن تعثر أحد المشاركين أو توقفه عن الدفع قد يؤدي إلى خلافاتٍ ومشكلاتٍ اجتماعية، خصوصًا عندما لا يكون هناك اتفاق واضح أو إثبات يحفظ حقوق المشاركين

وتفضل أيلولا، عند الحاجة، الاستدانة من شخصٍ واحد، وفق اتفاقٍ واضح للسداد، وترى أن “الفزعة” قديمًا كانت في نظرها أبسط، إذ كان بعض الناس يساعدون المحتاج بدافع النخوة والتكافل، دون أن تتحول هذه المساعدة إلى التزامٍ جماعي طويل

لكنها تدرك أن من يعيش أزمةً ماليةً قد ينظر إلى الأمر بصورةٍ مختلفة، وربما يكون رده عليها: “أنتِ مش محتاجة، لو احتجتي ما بتقولي كذا”

بينما لا يرى الجرادي في الجمعيات عادةً اجتماعية وحسب، إنما تعد “شبكة أمانٍ مالية اجتماعية” غير رسمية، خصوصًا في ظل غياب أدوات الحماية المالية، لكن هذه الشبكة تظل محدودة؛ لأنها تقوم على مجموعةٍ صغيرة من الأشخاص وعلى قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم

ويحذر الجرادي من المخاطر التي قد تظهر عندما يتولى شخص جمع مبلغٍ كبير ثم يختفي أو يتهرب من إعادة الأموال، مشيرًا إلى أن هذه الحالات، وإن كانت محدودة، تكشف هشاشة الآلية عندما تعتمد على الثقة وحدها

وبينما توفر الجمعية، لمن يحين دوره، فرصةً للحصول على مبلغٍ كبير في وقتٍ قد يحتاج إليه، فإنها لا تلغي الحاجة إلى الدخل أو تزيد قدرة الأسرة على الإنفاق

لهذا تبدو “الهكبة أو الجمعية” في حياة اليمنيين اليوم، واقفةً بين وظيفتين، ادخار جماعي يساعد بعض المشاركين على تحقيق أهدافٍ مؤجلة، وشبكة أمانٍ مالية يلجأ إليها آخرون عندما تضيق أمامهم الخيارات، بحسب الجرادي

وفي الحالتين يبقى المال الذي يصل مرتبطًا بالتزامٍ يمتد إلى الغد؛ ما يجعل نجاح الجمعية لا يعتمد فقط على حاجة المشترك إلى المال، وإنما أيضًا على قدرته على الوفاء بما وعد به

وظهر من الحديث مع مصادر التقرير أن السيدات هنّ الأكثر ارتباطًا بهذا النهج من الادخار

لكن الباحث في السياسات النقدية بجامعة تعز، حلمي الحمادي، يرى أنه لا يمكن الجزم بشكلٍ قاطع بأي فئةٍ اجتماعية هي الأكثر اعتمادًا على الجمعيات المالية، في ظل غياب بيانات ودراسات ميدانية كافية

ويشير إلى أن الاشتراك في الجمعيات يعتمد أساسًا على عاملين، هما وجود دخلٍ منتظم يُمكّن المشترك من الوفاء بالتزاماته، ووجود هدفٍ أو دافعٍ يدفعه إلى الادخار الجماعي، لذلك فإن أصحاب الدخول المتقطعة -غير الثابتة- قد يجدون صعوبةً في الاشتراك، في حين أن وجود دخلٍ منتظمٍ لا يعني بالضرورة أن صاحبه سيشارك في جمعية مالية”

ويضيف الحمادي: “منطقي في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة باليمن، أن يتراجع الاعتماد على الجمعيات، لا أن يزداد؛ وذلك نتيجة توقف صرف الرواتب لدى قطاعاتٍ واسعة، وارتفاع التضخم والأسعار، وتآكل الدخل الحقيقي للفرد، وهذه العوامل تقلص قدرة الأسر على الادخار، كما تجعل الالتزام بدفعاتٍ دورية أمرًا أكثر صعوبة”

ويواصل: “لا توجد حاليًا معلوماتٍ أو بيانات كافية تؤكد أو تنفي اتجاه الاعتماد على الجمعيات، وأن تحديد ذلك يحتاج إلى دراساتٍ ميدانيةً تستند إلى بياناتٍ واقعية”

وفي المقابل يطرح الحمادي احتمالًا: “إذا أثبت الواقع ارتفاع توجه الناس إلى الجمعيات رغم صعوبة الظروف الاقتصادية، فقد يكون ذلك مؤشرًا على تشكل نمطٍ اقتصادي تكيفي جديد في اليمن،  اقتصاد لا يقوم بالدرجة الأولى على استقرار الرواتب أو الاعتماد على الحكومة، وإنما على آلياتٍ مجتمعيةٍ وبديلة؛ تساعد الأفراد على مواجهة الظروف الاقتصادية وتحقيق أهدافهم المالية”

ويختتم الحمادي حديثه بالإشارة إلى أن تقدير حجم الأموال المتداولة عبر “الهكبات” والجمعيات يواجه مشكلةً أساسية تتمثل في ضعف البيانات المالية الرسمية، ويستذكر أنه في عام 2022 أو 2023 تقريبًا، طلبت إحدى المؤسسات المالية الدولية من البنك المركزي اليمني بياناتٍ عن ميزانية القطاع المصرفي باليمن، بينما لم تكن البيانات المطلوبة متوفرةً لدى البنك، متسائلًا كيف يمكن في ظل غياب بياناتٍ شاملة عن القطاع المالي الرسمي، تقدير حجم الأموال التي تدور خارج القنوات المصرفية الرسمية عبر الهكبات والجمعيات؟

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن