“باب المندب في قلب التصعيد”.. كوارث إنسانية واقتصادية
منذ 2 ساعات
عدن – بديع سلطان كشف مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، عن تداعياتٍ إنسانية واقتصاديةٍ مؤلمة؛ ناتجة عن سيطرة جماعة الحوثي على البحر الأحمر وباب المندب
وأماط المركز اللثام، خلال ورقة إحاطةٍ أصدرها بعنوان: “مضيق باب المندب في قلب التصعيد“، عن واقعٍ إنساني واقتصادي “كارثي” نتيجة هذه السيطرة
وشككت ورقة الإحاطة بتعهدات الحوثيين بـ”تأمين الملاحة بالبحر الأحمر” عقب سيطرتهم على مضيق باب المندب، خلال سبتمبر الماضي
حيث أعلنت الجماعة أن الملاحة آمنة، وتعهدت بعدم استهداف السفن العابرة بالبحر الأحمر، مستثنيةً السفن السعودية
وقال المركز: “إن قرأته لسلوك الجماعة عبر عقدين من الزمان تكشف أن تطمينات الحوثيين المرحلية لم تكن يومًا نهاية المسار
بل مقدمةً لرفع سقف التهديد عقب ترسخ السيطرة الفعلية للجماعة”
وأضاف المركز، في إحاطته التي أصدرها أواخر سبتمبر الماضي، أن هذا النهج تمارسه الجماعة على المستويين المحلي والإقليمي
باعتبارها استراتيجيةً تتبعها الجماعة في كافة حروبها السابقة، عبر تجزئة معاركها لهزيمة خصومها الواحد تلو الآخر
خلقت سيطرة الحوثيين على مدن الساحل الغربي حالةً من الصدمة والخوف لدى معظم السكان
وسجّلت المنظمة الدولية للهجرة حتى منتصف سبتمبر، 104 ألف نازح في تعز، لحج، والحديدة
حيث نزح 63 ألف شخصٍ من تعز، و26400 من لحج، و8 آلاف من الحديدة، وآخرون من مناطق مختلفة
التقييم الميداني للمركز كشف أن الأرقام تتجاوز 120 ألف نازح، فيما أعلنت المفوضية الأممية للاجئين عن 100 ألف نازح
ويأتي التضارب بالأرقام نتيجة عدم شمول النزوح غير المسجل، فأغلبية النازحين انتقلوا إلى منازل أقاربهم في مدن تعز، عدن، ولحج
وتمكّن 3 آلاف و800 لاجئ من العبور إلى شواطئ جيبوتي في الجهة المقابلة من البحر الأحمر، خلال فترةٍ وجيزة عقب الأحداث
بينما لم يعرف بعد حجم اللجوء إلى دولٍ أفريقية أخرى
كما لم يعرف حجم الضحايا من المدنيين بدقة
لكن “الشبكة اليمنية للحقوق والحريات” وثّقت 177 قتيلًا، و212 مصابًا و39 مفقودًا، خلال الفترة من 3-11 سبتمبر
وأوردت “يورونيوز” نحو 150 قتيلًا، وتعكس فجوة الأرقام اختلاف منهج التحقق، لكن تبقى الأرقام متقاربة
امتدت سيطرة الحوثيون على مديريات الساحل الغربي إلى النشاط الاقتصادي الذي ازدهر هناك خلال السنوات الماضية
وأنتجت هذه السيطرة اضطرابًا في الأسواق، وإغلاق نشاط منشآتٍ عديدة، ومغادرة بعض التجار والصرافين، ونقل جزءٍ من السيولة لمناطق أخرى
وتأثر أنشطة الصيد والتجارة والنقل وسلاسل التوريد بدرجاتٍ متفاوتة
كما بدأت جماعة الحوثي بتطبيق منظومة الضرائب والزكاة المعمول بها في مناطق سيطرتها
وأثار ذلك مخاوف التجار من ازدواج الالتزامات المالية، فكثيرون سبق وأن سددوا تلك الرسوم لسلطات الحكومة اليمنية قبل سيطرة الحوثيين
وأفاد تجار قابلهم مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي بأن استمرار تعدد الرسوم وعدم وضوح القواعد المنظمة لها يضاعف تكلفة ممارسة الأعمال
وتقليص بعض التجار أنشطتهم أو نقلها إلى مناطق أخرى
كما أدى انتقال السيطرة على المخا والمناطق المجاورة إلى وضع السوق أمام انتقالٍ مفاجئ بين نظامين نقديين مختلفين
إذ كانت التعاملات تعتمد على الطبعة الجديدة من الريال اليمني المتداولة في مناطق الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا
بينما تعتمد جماعة الحوثي في مناطق سيطرتها على الطبعات القديمة
وأدى غياب آليةٍ واضحة وسريعة للاستبدال إلى ظهور سوقٍ غير رسمية لتحويل العملة الجديدة إلى القديمة، مع تفاوتٍ في أسعار الاستبدال المتداولة
ويزيد ذلك من مخاطر تآكل قيمة المدخرات ورؤوس الأموال وتجميدها
كما واجهت بعض شبكات التحويل صعوباتٍ في مواصلة العمل بالآليات السابقة
وتوقفت بعض المؤسسات عن التحويل المالي إلى المناطق التي تغيرت السيطرة عليها؛ ما زاد من صعوبة حركة الأموال
وفرض ضغوطٍ إضافيةٍ على التجار والأسر المعتمدة على الحوالات في احتياجاتها اليومية
وامتدت التداعيات الاقتصادية إلى قطاع الصيد الذي يمثل مصدر دخلٍ يومي لآلاف الأسر بالمناطق الساحلية
ويرتبط به نشاط اقتصادي أوسع يشمل تجار الأسماك وعمال الإنزال والنقل والتبريد وصناعة الثلج
وقدّر محافظ تعز أن أسر الصيادين فقدت نحو 90% من دخلها
فيما أفاد رجال أعمالٍ ومتعاملون في القطاع بأن كمياتٍ من أسماك هذه السواحل تتجه إلى أسواق تعز، عدن، لحج، والضالع
ومن شأن استمرار تعطل النشاط أن يؤدي إلى انخفاض المعروض وارتفاع تكاليف النقل والحفظ وزيادة نسب التلف
بما قد ينعكس على أسعار الأسماك في مدن الاستهلاك
كما يضعف قدرة المصدرين على الوفاء بعقودهم، ويحرم الاقتصاد من عائداتٍ بالعملة الأجنبية
ويكتسب ذلك أهميةً إضافية بالنظر لكون الصيد التقليدي يمثل نحو 98% من عمليات الاصطياد
كما تعتمد استمرارية النشاط على منظومةٍ مترابطة من مراكز الإنزال ومخازن الحفظ ومصانع الثلج والنقل والتجهيز
يمتد الأثر إلى الزراعة الموسمية، فأودية المخا ومديريات موزع، الخوخة، حيس، ذوباب، والوازعية، تشكل حزامًا معروفًا بإنتاج البصل الأحمر
بالإضافة إلى الحبوب والخضروات الموسمية الأخرى
وقد تحوّل ميناء المخا خلال السنوات الأخيرة إلى منفذٍ مباشرٍ لتسويق البصل الأحمر وتصديره إلى دولٍ مجاورة
حيث تم تصدير أول شحنةٍ تجارية بنحو ألف طن في مارس 2024
ثم شحنة بلغت 1200 طن إلى دبي مطلع 2025
وبالتالي فإن تعطيل الميناء والطرق ومراكز التجميع سيؤدي إلى تكدس المحصول وهبوط سعره أو تعرضه للتلف
بالتزامن مع تراجع المعروض وارتفاع الأسعار في أسواق المدن
فضلًا عن خسائر في فرص العمل الموسمية المرتبطة بالحصاد، الفرز، التعبئة، والنقل
شكّلت المخا على مدى عشر سنوات مركزًا اقتصاديًا ناشئًا، فالميناء والمدينة المهملة لعقودٍ تحولت إلى اقتصادٍ نشط
الميناء كان يخدم تعز وإب وأجزاء من الحديدة ولحج والضالع
وكان مقررًا تنفيذ أعمالٍ تأهيلية لاستقبال سفنٍ متوسطة نهاية العام الجاري
وبدأ التجار يتطلعون للانتقال إليه هربًا من الجبايات المفروضة في ميناء الحديدة
وقبل سيطرة الحوثيين، شهدت مدينة المخا حركةً نشطة للمشروعات التنموية والاستثمارية، كالمطار والطرق ومدن سكنية
ناهيك عن مشروعات القطاع الخاص كالفنادق والمطاعم والخدمات
واستقطبت المخا نحو نصف مليار دولار في مشاريع استثماريةٍ متعددة، بحسب المصادر الميدانية لمركز الدراسات والإعلام الاقتصادي
ويرتبط جزء كبير من النشاط العمراني والخدمي في المدينة بالإنفاق العسكري ووجود قوات المقاومة الوطنية
ورغم أنه يمثل نشاطًا متحركًا وغير مستدام، لكنه عمل على إنعاش المدينة، فحركة الأموال التي تدور في السوق عالية
وتشير التقديرات إلى أن إجمالي القوات هناك تجاوز 30 ألف عنصر، يتسلمون مرتباتهم بالعملة الصعبة “ألف ريال سعودي” كحدٍ أدنى
لذلك يميّز مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي بين ثلاثة خسائر نتيجة سيطرة الحوثيين: “تدمير أصول الميناء وسفنه وأرصفته
ثم أصول سليمة استولت عليها “المدينة السكنية، المستشفى، ومنشآت اقتصادية”
بالإضافة إلى النشاط الاقتصادي الذي تراجع نتيجة مغادرة عشرات الآلاف من القاطنين هناك، عسكريين ومدنيين
شكّل نزوح الأسر من الساحل إلى مدنٍ أخرى كمدينة تعز، عدن، ولحج ضغطًا كبيرًا
حيث سترتفع الإيجارات وتزدحم الخدمات في ظل وضعٍ اقتصادي يعاني من الهشاشة
ويمثل ارتفاع كلفة الشحن والتأمين على الواردات أهم التداعيات على الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بنسبة 90% على الواردات
وتجاوزت علاوة مخاطر الحرب في جنوب البحر الأحمر 1% من قيمة السفينة
فيما بلغت 3% لبعض السفن والمسارات الأكثر تعرضًا للاستهداف مقارنةً بـ0,3% في السابق
ويتزامن ذلك مع ارتفاع خام برنت إلى نحو 108 دولارات للبرميل منتصف سبتمبر الماضي، مقابل 72 دولارًا عشية اندلاع الحرب مع إيران
ما يرفع فاتورة استيراد الوقود والسلع وتكاليف النقل، وكذلك التمويل اللازم لتشغيل محطات الكهرباء
بمجرد سيطرة جماعة الحوثي على باب المندب سارعت إيران للتهنئة
كما دعت إيران إلى رفع الحصار عن اليمن بما يتوافق مع سردية الحوثيين للأحداث
بل إن السيطرة الحوثية على باب المندب تمثل رغبةً إيرانية
فالتطورات الأخيرة وضعت الخليج تحت “كماشةٍ بحرية”
وتواجه السعودية تراجعًا في حركة الطاقة عبر مضيق هرمز شرقًا وتهديدًا حوثيًا لسفنها في باب المندب غربًا
وتوقف خط أنابيب “شرق-غرب” وميناء ينبع نتيجة هجماتٍ بطائراتٍ مسيّرة من مليشياتٍ عراقية مدعومةً إيرانيًا
ويكمن الخطر بأن الضغوط المالية والأمنية على الرياض تؤدي إلى تأخير بعض دفعات الدعم المالي السعودي للحكومة اليمنية
لكن بالمقابل قد تؤدي الأحداث إلى زيادة الدعم؛ لأن انهيار حكومة عدن سيمنح الحوثيين مكاسب إضافية ويضاعف التهديد على السعودية
أما عالميًا فيمنح الموقع الجديد للحوثيين قدرةً أكبر على التأثير في ممرٍ تمر عبره ما بين 12% من التجارة العالمية ونحو 7% من إمدادات النفط
وتدرس جماعة الحوثي فرض رسومٍ على السفن، رغم محاولاتها طمأنة شركات الملاحة بأن العبور آمن باستثناء السفن السعودية
ويمكن تفسير ذلك باعتباره محاولةً لاحتواء رد الفعل الدولي وتخفيف الصدمة ريثما ترسخ سيطرتها
ثمة سيناريوهات محتملة لما قد يحدث من مستجداتٍ خلال الفترة القادمة
حيث يفترض السيناريو الأول تثبيت الحوثيين سيطرتهم على ميناء المخا وباب المندب، مع استثناء السفن السعودية من العبور
والتمدد في ريف تعز لتأمين سيطرتها؛ ما يفاقم التداعيات الإنسانية
ويدعم واقعية هذا السيناريو اللغة الناعمة للإدارة الأمريكية تجاه أحداث باب المندب
ورفض الانخراط في دعم جهود الحكومة اليمنية والسعودية لاستعادة الساحل الغربي
أما السيناريو الثاني فيفترض نجاح الحوثيين في تطمين الأطراف الدولية بعدم تشكيل خطرٍ على حركة الملاحة وباب المندب
ويعزز هذا السيناريو تدخل وساطاتٍ إقليمية لرفع الحظر عن السفن السعودية مقابل وقف الغارات؛ نتيجة تفاهمٍ أمريكي إيراني محتمل
ويعزز احتمال هذا السيناريو تجنب واشنطن فتح جبهةٍ عسكرية جديدة
كما تحتاج السعودية تأمين صادراتها النفطية
بينما تمتلك جماعة الحوثي الحافز لتثبيت مكاسبها الميدانية، في ظل التفاهم السياسي مع أمريكا برعايةٍ عُمانية
ووفقًا لهذا السيناريو ستتراجع مخاطر السيطرة على المضيق مؤقتًا، وقد يتم إعادة تفعيل ميناء الحديدة وفتح مطار صنعاء
لكنه قد يرفع سقف مطالب الحوثيين لاحقًا، ويهمّش الحكومة اليمنية مع اقتصار التفاهمات على الرياض، واشنطن، طهران، وصنعاء
وفي حال تحقق هذا السيناريو فإنه لا يعدو أن يكون فترةً مؤقتة كاستراحة محاربٍ وليس سلامًا مستدامًا
ويرى مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي أن نشوة الانتصار الحوثية لن تكتفي بمكاسب جزئية، فسقف مطالبها سيرتفع
ثالث السيناريوهات تفترض نجاح جهود الحكومة اليمنية والسعودية بإقناع العالم بمخاطر سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب
وتشكيل تحالفٍ عالمي لدعم الحكومة اليمنية واستعادة السيطرة على السواحل
ورغم ما سيخلقه هذا السيناريو من تحدياتٍ إنسانيةٍ واقتصادية ويطيل أمد الحرب
لكنه في حال نجحت القوات الحكومية باستعادة السيطرة على سواحل البحر الأحمر فإنها ستخلق نوعًا من التوازن في القوى
ويمكن أن تفضي إلى رضوخ الحوثيين والموافقة على انطلاق عملية سلامٍ حقيقية
فمن غير المنطقي انخراط الحوثيين في أي سلامٍ جاد وهم في موقفٍ قوي عسكريًا ويسيطرون على الأرض
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected][related_posts] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن