“صيادو المخا”.. مخاوف من “رحلة بلا عودة”
منذ ساعة
تعز- عز الدين الصوفي يرتبط البحر في مديرية المخا، غرب مدينة تعز على الساحل الغربي لليمن، بحياة الصيادين ومصادر دخل أسرهم
وتبدو حركة القوارب أقل من المعتاد، وتراجع كميات الأسماك الواصلة إلى مراكز الإنزال والأسواق، بعد أن أجبرت الهجمات العسكرية الحوثية المتكررة على المدينة ومحيطها، الصيادين إلى تغيير مناطق عملهم والابتعاد عن مواقع الصيد القريبة
ومع تصاعد الهجمات، تغيرت تفاصيل العمل اليومي للصيادين؛ بعض القوارب انتقلت إلى “يختل و”ذوباب” ومناطق أخرى لمواصلة الصيد، بينما ارتفعت كلفة الوصول إلى تلك المناطق، وأصبحت الرحلات البحرية أكثر ارتباطًا بإجراءاتٍ أمنية لتنظيم حركة القوارب والتأكد من سلامتها
في مركز الإنزال السمكي بالمخا، انعكس هذا التغير على حركة القوارب وكميات المصيد، في وقت يأتي فيه التصعيد خلال موسم الذروة، الممتد من مايو إلى أكتوبر، وهي فترة اعتاد الصيادون فيها بتكثيف رحلاتهم وتوفير كمياتٍ كبيرة من الأسماك للأسواق
يقول مدير مركز الإنزال السمكي بالمخا، محمد مهدي، لـ”المشاهد”: “إن حجم الإنتاج السمكي تراجع بنحو 70 إلى 75% مقارنةً بما كان عليه قبل التصعيد، مع تراجع نشاط الصيادين في المخا وانتقال عددٍ منهم إلى مناطق مجاورة، بينها ‘يختل’ و’ذوباب’؛ لمواصلة الصيد بعيدًا عن مناطق الخطر
ويضيف مهدي: “موسم الذروة، كان يشهد نشاطًا مكثفًا للصيادين ليلًا ونهارًا، مع توافد صيادين من المناطق المجاورة إلى المخا؛ ما كان يرفع الإنتاج إلى ما بين 30 و40 طنًا يوميًا، ويجذب مشترين من مناطق مختلفة في الجمهورية إلى مركز الإنزال”
وكانت حركة القوارب موزعة على عدة رحلات خلال ساعات اليوم والليل، إلى جانب وصول ما بين 7 و10 جلبات يوميًا من المناطق المجاورة، محملةً بالأسماك للتسويق في مركز الإنزال بالمخا
أما الآن، فيوضح مهدي أن المركز لا يستقبل سوى 15 إلى 20 قاربًا يوميًا، مقارنةً بالحركة السابقة التي كانت تمتد من ساعات الصباح وحتى الليل، وهو تراجع انعكس على كمية الأسماك الواصلة إلى المركز وحركة تداولها
بالنسبة للصيادين الذين انتقلوا إلى مناطق أخرى، لا يتوقف التغيير عند المسافة التي يقطعونها للوصول إلى البحر، إذ أصبحت الرحلة نفسها أكثر كلفة، في وقتٍ تراجعت فيه الكميات التي يمكن أن تعود بها القوارب إلى مركز الإنزال
وبحسب مهدي، تتراوح تكلفة المواصلات من المخا إلى مناطق الصيد ما بين 15 و20 ألف ريال، بحسب المسافة، وتضاف هذه النفقات إلى تكاليف تجهيز رحلة الصيد؛ ما يزيد الأعباء على الصيادين الذين يحاولون استمرار عملهم رغم تغيّر ظروف الصيد
ويشير إلى أن مركز الإنزال يوثق حركة القوارب صباحًا ومساءً ويرفع تقارير يومية إلى الجهات المختصة، فيما تتضمن الإجراءات الحالية إحضار القارب إلى المركز، والحصول على تصريح خروج موقع من المختص بخفر السواحل ومدير المركز، إلى جانب تفتيش القارب والالتزام بعدم الاقتراب من القطاعات البحرية أو السفن، والإبلاغ عن أي أجسامٍ أو تحركاتٍ مشبوهة
ويحتاج الصيادون، وفق مهدي، إلى مزيدٍ من التوعية، إلى جانب تحديد مسارٍ واضح لدخول وخروج قوارب الصيد ونقطة معروفة للانطلاق والعودة، بما يساعد على تنظيم الحركة وتقليل المخاطر، مع ضرورة التنسيق بين الجهات المختصة والأمنية
وتظهر حادثة وقعت بمنطقة “يختل” في العاشر من أغسطس الماضي، مخاطر العمل بالبحر، بعدما اقترب صياد من قاربٍ مفخخ؛ ما أدى إلى إصابته وإصابة شخصٍ آخر
ولا تتوقف خسائر الصيادين عند تراجع الرحلات أو ارتفاع تكلفتها، إذ طالت القوارب ومعدات العمل وحمولات الأسماك التي يعتمد عليها الصيادون في تأمين دخل أسرهم
في مرسى “جهنم” بجزيرة حنيش الكبرى، تعرّض قارب ماجد كريمي للتدمير أثناء وجوده في المرسى، وفقدَ معه معدات الصيد وحمولةً من الأسماك كانت معدة للبيع في الخوخة
ويقول حسن الكريمي، والد أحد الصيادين المتضررين: “إن القارب كان يستعد للعودة باتجاه الخوخة، قبل أن يدفع القصف بطاقمه إلى الفرار نحو الساحل، فيما تعرض القارب للاستهداف والتدمير، لتتحول معدات الصيد وحمولة الأسماك إلى خسارة للصياد”
ويشير الكريمي لـ”المشاهد” إلى أن أبناءه يعملون في الصيد خلال العطلة المدرسية للمساعدة في تكاليف المعيشة واكتساب المهنة، لكن ما عاشوه خلال القصف ترك أثرًا نفسيًا عليهم، بعدما واجهوا خطرًا يهدد حياتهم ووسيلة رزقهم في الوقت نفسه
ويقول: “تضرر القوارب ومعدات الصيد يهدد قدرة الصيادين على العودة إلى البحر ومواصلة العمل، خصوصًا أن القارب ومعدات الصيد يمثلان رأس المال الأساسي الذي يعتمد عليه الصياد في تأمين دخله”
ومع تراجع حركة الصيد، امتدت التداعيات إلى المسار الذي تتحرك عبره الأسماك من مناطق الاصطياد إلى الأسواق، في ظل توقف النشاط الملاحي في ميناء المخا
ويقول مدير ميناء المخا، الدكتور عبدالملك الشرعبي، لـ”المشاهد”: “الملاحة بالبحر الأحمر تأثرت بشكل كبير جراء الضربات المتتالية، وانعكس ذلك على حركة قوارب الصيد، إلى جانب توقف النشاط الملاحي في ميناء المخا بشكل كامل”
ويضيف الشرعبي: “الميناء لا يشهد في الوقت الحالي أي حركةٍ ملاحية، ولا تصل إليه أو تتحرك عبره أي كميات من البضائع، بما فيها الأسماك التي كانت تعتمد على الميناء خلال هذه الفترة؛ ما أدى إلى توقف جانبٍ من حركة نقل وتداول المنتجات السمكية المرتبطة به”
ويربط الشرعبي بين توقف الميناء والتراجع الذي أصاب حركة الصيد بالبحر الأحمر، باعتبار أن استمرار حركة القوارب وتدفق الأسماك يرتبطان بسلامة الملاحة وقدرة الصيادين على الوصول إلى مناطق الاصطياد ونقل إنتاجهم
وبحسبه، تعمل إدارة الميناء على إعادة نشاطه بصورةٍ تدريجية، بما يسمح باستئناف الحركة الملاحية وعودة تدفق البضائع والمنتجات السمكية عبر الميناء
وفي مدينة المخا، لا يتوقف أثر تراجع رحلات الصيد عند القوارب ومراكز الإنزال، بل يظهر أيضًا في السوق الذي يعتمد التجار فيه على انتظام وصول الأسماك لتوفير الكميات المطلوبة للبيع
ويقول تاجر أسماك في مدينة المخا، عبدالله الغانمي، إن تراجع رحلات الصيد أدى إلى انخفاض كميات الأسماك التي تصل إلى السوق مقارنة بما كانت عليه قبل التصعيد
ويضيف الغانمي: “انتقال الصيادين إلى مناطق أخرى بحثًا عن مواقع أكثر أمانًا قلّل من الكميات المتاحة للتجار، كما رفع تكاليف نقل الأسماك من مناطق الصيد البديلة إلى المخا”
ويشير إلى أن انخفاض الكميات الواصلة إلى مركز الإنزال يحد من حركة البيع والشراء، في وقتٍ يعتمد فيه التجار على انتظام رحلات الصيد لتوفير احتياجات السوق؛ بينما يؤدي اضطراب هذه الرحلات إلى تراجع النشاط التجاري المرتبط بالأسماك
ويرى الغانمي أن عودة الصيادين إلى مناطق عملهم وانتظام حركة القوارب ستساعد على زيادة الكميات المعروضة وتحريك السوق، إلى جانب تخفيف الأعباء التي يتحملها الصيادون والتجار نتيجة انتقال نشاط الصيد إلى مناطق أخرى
ومع انخفاض الإنتاج وارتفاع كلفة الرحلات والنقل، يتسع الأثر الاقتصادي للتصعيد من البحر إلى السوق، حيث تتداخل خسائر الصيادين مع تراجع حركة التجارة والأنشطة التي تعتمد على تدفق الأسماك
ويقول الباحث في كلية الاقتصاد بجامعة تعز، حمزة فؤاد عبد مهيوب السفياني: “هذا التراجع يضغط على دخل الصيادين ويقلص حركة التجارة، خصوصًا مع انتقال جزءٍ من نشاط الصيد إلى مناطق بديلة، وما يرافق ذلك من تكاليف إضافية للوصول إلى مناطق الاصطياد ونقل الأسماك إلى الأسواق”
ويضيف السفياني في حديثه لـ”المشاهد” أن انخفاض كميات المصيد ينعكس على حجم المعروض في الأسواق، بينما يؤدي ارتفاع تكاليف الوصول إلى مناطق الصيد ونقل المنتجات إلى زيادة كلفة تداول الأسماك؛ ما يضع التجار أمام هوامش ربحٍ ضيقة؛ ويدفع إلى ارتفاع أسعار بعض الأنواع بالنسبة للمستهلكين
كما أن انتقال الصيادين إلى مناطق أخرى يضيف أعباءً جديدة إلى سلسلة وصول الأسماك من البحر إلى السوق، بدءًا من تكاليف الرحلة وانتهاءً بالنقل والتسويق، في وقتٍ تتراجع فيه الكميات المنتجة
ويشير إلى أن توقف ميناء المخا عن النشاط الملاحي يضيف ضغطًا على حركة المنتجات السمكية، ومع توقف الحركة الملاحية وتراجع نشاط القوارب، تتقلص عمليات التداول وتتأثر الأنشطة التي تعتمد على حركة الأسماك، من نقلٍ وتفريغٍ وتبريدٍ وتسويق
ويرى السفياني أن استمرار تراجع الإنتاج خلال موسم الذروة، الممتد من مايو إلى أكتوبر، قد يضاعف الخسائر، باعتبار أن هذه الفترة تشهد عادةً نشاطًا أكبر للصيد وتدفق كمياتٍ واسعة من الأسماك إلى مراكز الإنزال والأسواق
ومع استمرار اضطراب النشاط، تتزايد الضغوط على الصيادين الذين يعتمدون على الرحلات البحرية كمصدر دخل، وعلى التجار والعاملين الذين ترتبط مداخيلهم بانتظام وصول المصيد
وبين قوارب غيّرت وجهتها، وأخرى تعرضت للتدمير، ومركز إنزال يستقبل كميات أقل، وميناء متوقف عن الحركة، يواجه قطاع الصيد في المخا موسمًا مختلفًا عن المعتاد؛ موسمًا تتراجع فيه الكميات وترتفع فيه كلفة الوصول إلى البحر؛ ما يجعل الصيادين أمام خيار مواصلة العمل في ظروف أكثر صعوبة للحفاظ على مصدر رزقهم
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن