مؤرخ مصري عشق اليمن ودوّن تحوّلاته في كتاب إطلالة على حياتي

منذ 2 ساعات

يشكّل كتاب إطلالة على حياتي

قراءات تاريخية للمؤرخ والأكاديمي د

سيد مصطفى سالم أقرب إلى شهادة تاريخية ممتدة منها إلى سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي؛ فهو لا يكتفي بسرد حياة صاحبه، بل يحوّل التجربة الشخصية إلى نافذة لفهم مرحلة عربية كاملة، وبخاصة اليمن في سبعينيات القرن العشرين، والعلاقة الثقافية والعلمية بين مصر واليمن، والتحولات الاجتماعية والسياسية التي أعقبت هزيمة 1967 وعصر الانفتاح والهجرة العربية الواسعة

تُشكّل مقدمات كتاب الصادر عن مؤسسة أروقة بالقاهرة ثلاث عتبات رئيسية تكشف طبيعة العمل وأبعاده الإنسانية والتاريخية، وقد كتبها كل من أستاذتين من تلامذة المؤلف، ثم أبناء المؤلف، ثم المؤلف نفسه قبل أن تتوقف مقدمته بوفاته

  في التقديم الأول، تؤكد الدكتورتان أمة الملك إسماعيل قاسم الثور وأمة الغفور عبدالرحمن علي الأمير أن الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية، بل شهادة تاريخية صادقة كتبها مؤرخ عاش تفاصيل المجتمع اليمني لعقود طويلة

وتشيران إلى أن الراحل د

سيد مصطفى سالم استطاع أن يمزج بين بساطة السرد وعمق الرؤية التاريخية، وأن يوثق الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في اليمن، خاصة في صنعاء، من خلال تجربته الشخصية ومعايشته اليومية

كما تبرز المقدمة اهتمامه الخاص بفترة حكم إبراهيم الحمدي، وحرصه على تسجيل أحداث تلك المرحلة بوصفه شاهد عيان ومؤرخًا معاصرًا لها

وتوضح الكاتبتان أن المؤلف اندمج في المجتمع اليمني إلى درجة اعتباره اليمن وطنه الثاني، وأن مجالس القات والعلاقات الاجتماعية والسياسية شكّلت جزءًا مهمًا من خبرته في فهم اليمن وتاريخه

 أما مقدمة أبناء المؤلف، التي كتبها أبناؤه: أروى وأميرة وأمل وإسلام، فتغلب عليها النبرة الوجدانية الإنسانية

إذ يوضح الأبناء أن قراءة مخطوطة الكتاب بعد وفاة والدهم كانت تجربة مؤلمة، لأنهم شعروا وكأنه ما يزال حاضرًا بينهم يكتب في غرفته بصنعاء

ويشيرون إلى أن والدهم بدأ إعداد هذا العمل بعد عودته من اليمن عام 2014، واستمر في مراجعته رغم تدهور صحته، لكنه رحل قبل استكماله بصورة نهائية

ومع ذلك قررت الأسرة نشر الكتاب كما تركه، تقديرًا للجهد الكبير الذي بذله فيه، ولأهمية الفترة التاريخية التي يتناولها، خصوصًا سنوات حكم الحمدي وما شهدته اليمن آنذاك من تحولات

كما عبّر الأبناء عن امتنانهم للدكتورتين أمة الملك الثور وأمة الغفور الأمير لمراجعتهما الكتاب والإشراف على إخراجه

 أما مقدمة المؤلف نفسه، فهي ذات طابع تأملي وفلسفي، إذ يبدأها د

سيد بالتساؤل عن معنى المقدمة ولماذا جاءت متعددة الأغراض، موضحًا أن حياته نفسها لم تكن خطًا مستقيمًا، بل سلسلة انتقالات وتحولات من بيئة مصرية بسيطة إلى عالم جديد مختلف في اليمن

ويصف كيف قادته الظروف من حياة هادئة في القاهرة إلى السفر إلى صنعاء للعمل في الجامعة، وما مثله ذلك من انتقال نفسي واجتماعي وثقافي عميق

كما يتوقف عند الفوارق بين المجتمع المصري والمجتمع اليمني، خاصة الطابع القبلي والحياة التقليدية في صنعاء آنذاك، مؤكدًا أن الكتاب ليس مجرد استعادة للذكريات، بل محاولة لفهم تلك التحولات الإنسانية والاجتماعية التي عاشها بنفسه

غير أن هذه المقدمة تتوقف فجأة، إذ لم يُكملها المؤلف قبل وفاته، وهو ما يضفي عليها وعلى الكتاب كله طابعًا إنسانيًا مؤثرًا

 يقوم الكتاب على ثلاثة مستويات متداخلة: السيرة الذاتية، والتأمل الاجتماعي، والتوثيق التاريخي

وهذه المستويات لا تنفصل عن بعضها، بل تتشابك بحيث يصبح الحدث الشخصي مدخلًا لفهم التحولات العامة، ويصبح الوصف الاجتماعي جزءًا من قراءة تاريخية أوسع

 منذ الصفحات الأولى يحرص د

سيد على توضيح طبيعة عمله، فهو لا يقدم مذكرات مرتبة وفق التسلسل التقليدي، بل إطلالة كما يسميها، أي وقفات وتأملات وانتقالات بين الأزمنة والأماكن والأفكار

ولذلك جاءت مقدمته ذات طابع تأملي فلسفي، يتحدث فيها عن معنى المقدمة نفسها، وكيف يمكن لحدث صغير ـ مكالمة هاتفية مثلًا ـ أن يغيّر مجرى الحياة بأكمله

وهذه الفكرة تصبح محور الكتاب كله: المصادفات الصغيرة التي تصنع التحولات الكبرى

 تكمن القيمة الأساسية للكتاب في أنه شهادة حيّة على اليمن الجمهوري في بدايات تشكّله الحديث

فالمؤلف لم يكن مراقبًا خارجيًا عابرًا، بل عاش في اليمن قرابة نصف قرن، واندمج في المجتمع الصنعاني أكاديميًا واجتماعيًا وإنسانيًا، حتى أصبحت اليمن ـ كما يكرر ـ وطنه الثاني

ولهذا تأتي مشاهداته نابضة بالتفاصيل اليومية الدقيقة التي قد لا نجدها في الكتب التاريخية الرسمية

 في القسم الخاص بمرحلة ما قبل السفر إلى صنعاء، يرسم المؤلف صورة بالغة الأهمية للمجتمع المصري في أوائل عهد الرئيس أنور السادات، حين تحولت الإعارات إلى البلاد العربية إلى حلم جماعي للطبقة الوسطى المصرية

ويصف تلك المرحلة باعتبارها أوكازيون الإعارة، حيث كانت موجات الخروج إلى الخليج وليبيا واليمن تمثل أفقًا اقتصاديًا جديدًا بعد سنوات الضيق الاقتصادي في الستينيات

لكن د

سيد لا يقدّم هذه الظاهرة اقتصاديًا فقط، بل إنسانيًا أيضًا؛ فهو يعيش صراعًا نفسيًا بين الطموح العلمي والمادي، وبين خوفه من ترك والدته الأرملة وحيدة في القاهرة

وهنا تظهر قوة الكتاب: التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي تمنح التاريخ بعده الحقيقي

 ومن أبرز ما يلفت الانتباه في هذه الصفحات الطريقة التي يعيد بها د

سيد بناء الوسط الجامعي المصري في تلك الحقبة، خاصة في جامعة عين شمس وجامعة القاهرة

فهو يرسم صورة حية للأساتذة والندوات العلمية والسيمنارات والعلاقات بين الأساتذة والطلاب، ويكشف عن نموذج أكاديمي كان قائمًا على التكوين العلمي الصارم والانفتاح الثقافي الحقيقي

وتبدو شخصية أستاذه أحمد عزت عبد الكريم حاضرة بقوة بوصفه نموذجًا للمؤرخ الموسوعي الذي يدفع تلاميذه إلى تجاوز حدود تخصصاتهم الضيقة

 كما يحمل الكتاب أهمية خاصة للباحثين في تاريخ العلاقات الثقافية المصرية اليمنية؛ فالدكتور سيد يوضح كيف كان الاهتمام المصري باليمن يتجاوز البعد السياسي إلى البعد الثقافي والأكاديمي

ويكشف أن اختياره للسفر إلى صنعاء لم يكن مصادفة إدارية، بل نتيجة اهتمام اليمنيين بدراساته عن تاريخ اليمن، وهو ما يمنح القارئ تصورًا عن مكانة البحث الأكاديمي العربي في تلك الفترة

 أما القسم الخاص بالوصول إلى صنعاء والانطباع الأول، فهو من أجمل أجزاء الكتاب وأكثرها حيوية

هنا يتحول المؤرخ إلى راوٍ يمتلك عينًا سينمائية دقيقة

فمشهد هبوط الطائرة وسط الجبال المحيطة بصنعاء القديمة، ووصف المطار البدائي، والازدحام الشعبي حول الطائرة، واللهجات والأزياء والحركة، كلها تُرسم بتفاصيل تجعل القارئ يرى المشهد لا يقرأه فقط

والمؤلف هنا لا يسخر من بدائية المكان، بل يتعامل معه بدهشة إنسان يكتشف عالمًا جديدًا مختلفًا تمامًا عن القاهرة

وتبرز هنا قدرة د

سيد على التقاط الفوارق الحضارية والاجتماعية الدقيقة: الفرق بين المدينة الحديثة والمدينة التقليدية، بين المجتمع المصري المركزي والمجتمع اليمني القبلي، بين إيقاع القاهرة وإيقاع صنعاء، بين نظرة المصري إلى الدولة ونظرة اليمني إليها

لكنه في الوقت نفسه يتجنب النظرة الاستعلائية، ويحاول دائمًا فهم المجتمع اليمني من داخله، لا الحكم عليه من الخارج

ولهذا جاءت أوصافه لمجالس القات والعلاقات الاجتماعية اليمنية شديدة الحيوية والعمق في آن واحد

 ومن أهم محاور الكتاب أيضًا اهتمامه بفترة حكم إبراهيم الحمدي، التي تبدو في نظر المؤلف لحظة مفصلية في تاريخ اليمن الحديث

حيث أن د

سيد لا يكتفي برصد الوقائع السياسية، بل يقدّم صورة عن المناخ العام الذي صاحب مشروع الحمدي لبناء الدولة الحديثة، وكيف كان المثقفون والأكاديميون يتابعون تلك التحولات

وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها صادرة عن شاهد عيان عاش الأحداث يومًا بيوم، وسجل كثيرًا منها في وقت وقوعها، لا بعد سنوات من إعادة التفسير أو التجميل السياسي

 أسلوبيًا، يمتاز الكتاب بلغة سلسة حميمة، تجمع بين البساطة والقدرة على الوصف الدقيق

وهنا د

سيد لا يكتب بلغة أكاديمية جامدة رغم خلفيته العلمية، بل بلغة أقرب إلى الحديث الشفهي الهادئ، وهذا ما يمنح النص حرارة إنسانية واضحة

كما أن كثرة الاستطرادات والانتقالات بين الذكريات ليست عيبًا في الكتاب، بل جزء من طبيعته؛ فالمؤلف يكتب كما يتذكر، لا كما يخطط مؤرخ محترف لفصول كتاب منهجي

ولذلك يشعر القارئ أنه يجلس إلى رجل مسن يستعيد حياته بصوت هادئ متأمل

ويحمل الكتاب أيضًا قيمة توثيقية نادرة للحياة اليومية في صنعاء خلال السبعينيات: شكل البيوت، الشوارع، المطار، الجامعة الناشئة، العلاقات الاجتماعية، تفاصيل السكن، أحاديث الأساتذة المصريين، وحتى الأثاث وألوان الجدران

وهذه التفاصيل الصغيرة تمنح النص ثراءً لا توفره الوثائق السياسية وحدها

 ومن الجوانب المؤثرة في الكتاب أن د

سيد لم يُكمل مقدمته؛ إذ توقفت عند نقطة معينة بسبب وفاته، وهو ما يضفي على النص كله مسحة وجدانية خاصة، كأن القارئ يطالع عملاً مفتوحًا توقف صاحبه فجأة قبل أن يفرغ كل ما في ذاكرته

وقد أشار أبناؤه في مقدمتهم إلى أنهم نشروا الكتاب كما تركه والدهم، احترامًا لجهده ورغبته في توثيق تلك المرحلة

 إن إطلالة على حياتي لا تكمن أهميته في كونه سيرة شخصية لمؤرخ ومثقف فقط، بل في كونه وثيقة ثقافية واجتماعية وتاريخية عن جيل كامل من المثقفين العرب الذين انتقلوا بين الأقطار العربية حاملين مشاريع المعرفة والتعليم، وشهدوا من الداخل تحولات المجتمعات العربية الحديثة

إنه كتاب عن اليمن بقدر ما هو كتاب عن مصر، وعن الاغتراب بقدر ما هو كتاب عن الانتماء، وعن التاريخ بقدر ما هو كتاب عن الإنسان نفسه