“مسعود هجر”.. أنين القصيد في غربة الروح والوطن

منذ 2 ساعات

الضالع- خديجة الجسريمنذ فجر التاريخ، والإنسان اليمني يضرب في مناكب الأرض، حاملًا طموحه وشقاء واقعه

حتى لقد صار اليمني مشهورًا بمتلازمة الغربة، يقتفي أثر الرزق خلف البحار والصحاري

لكن هذه الرحلة، التي تبدأ كحلم بالرخاء، غالبًا ما تتحول إلى مأساة إنسانية صامتة، تُنسج خيوطها بين جدران البيوت العتيقة حيث تنتظر “المرأة” عودة الغائب

وفي ذاكرة الأدب الشعبي الغنائي اليمني، تبرز قصيدة “مسعود هجر” للشاعر الراحل سلطان الصريمي، كواحدة من أكثر الوثائق الإبداعية وجعًا وتجسيدًا لمحنة الاغتراب وتأثيرها المدمر على الأسرة والمرأة اليمنيّة

لا يقدم الصريمي في “مسعود هجر” مجرد رصد لواقع اقتصادي، بل يغوص في المسكوت عنه نفسيًا واجتماعيًا

“مسعود”، بطل القصيدة، هو الرمز لكل يمنيّ دفعه “قِلة المصروف وكثرة الدَّين” إلى هجر وطنه

لكن البطل الحقيقي في النص ليس المغترب الرجل، بل تلك التي تُرِكت خلفه تعاني “ظلمًا مزدوجًا”

يستخدم الشاعر صورةً بلاغيةً موغلة في القسوة والجمال معًا حين يصور المرأة كأنها “شاة في المحراب”؛ فالمحراب مكان للقداسة والسكينة، لكن “الشاة” فيه تعني العجز، الوحدة، وترقّب المجهول

إنها صورة ترمز للخوف والحنين الذي لا يجد له مُعينًا

ينتقد الصريمي هنا “الإهمال الضمني”؛ فالرجل يظن أنه يؤدي واجبه بتوفير المال، بينما يغفل عن أن المرأة تعاني عاطفيًا، وتُحرم من أبسط حقوقها الإنسانية في الدفء والأمان؛ لتصبح معلقةً بين حياةٍ لا تعيشها وانتظار لا ينتهي

في مقطع تراجيدي يهز الوجدان، تتحول القصيدة إلى حوارية مؤلمة بين الزوجة المتروكة وبين “العمّة” (أم الزوج) أو طفلها “محمد”

تصرخ الزوجة:“واعمتي، ابني هلك من الجوعالحب زلج (انتهى)، وأنا مريض مفجوع”هنا يرفع الصريمي سقف النقد؛ فالمغترب الذي رحل ليُشبع أهله، تركهم في فوهة الجوع والمرض

ثم يأتي العتاب الذي يمزق نياط القلب حين تخاطب طفلها الباكي:“أحرقتني لا تبكي يا محمد الموت أفضل للفقير وأسعد أبوك نسي الحنّاء وحُمرة الخد”هذه الكلمات ليست مجرد شكوى، بل هي إدانة صريحة لـ “أنانية الغربة” التي تجعل الرجل ينسى زينة زوجته وروحها، غارقًا في تفاصيل حياته البعيدة، بينما هي تواجه وحدها قسوة المجتمع، وتخشى “الغيبة” التي تترصد بكل امرأة غاب عنها سندها

وفي قراءة نفسية لهذا الأثر الإبداعي، يرى المختص النفسي في عيادة الإتقان بصنعاء، الدكتور صخر الوجيه، في حديث مع “المشاهد” أن ما صوره الصريمي شعريًا هو حقيقة علمية دامغة

فالاغتراب بين الزوجين يخلق عزلةً وجدانية تؤدي إلى القلق والتوتر، وقد يتطور الأمر إلى “الشك والغيرة” نتيجة الفراغ العاطفي

المختص النفسي ، الدكتور صخر الوجيه: ما صوره الصريمي شعريًا هو حقيقة علمية دامغة

فالاغتراب بين الزوجين يخلق عزلةً وجدانية تؤدي إلى القلق والتوتر، وقد يتطور الأمر إلى “الشك والغيرة” نتيجة الفراغ العاطفي

”ويشير الوجيه إلى أن المأساة تتضاعف عند العودة؛ فبدلًا من “الاحتواء” والتقدير لحجم المعاناة التي عاشتها الزوجة في غيابه كـ”حارس للمنزل والأطفال”، يبدأ بعض الأزواج بكيل اللوم والتذمر؛ مما يزيد من تدهور الحالة النفسية والجسدية للمرأة

إن الشاعر هنا، كما يرى الوجيه، قد “تقمّص” روح المرأة ليكون لسان حالها في مجتمع قد لا يسمع أنينها الصامت

لنفهم عمق “مسعود هجر”، يجب أن نعود إلى منتصف السبعينيات، وتحديدًا في عهد الرئيس الراحل إبراهيم الحمدي

يوضح أستاذ الأدب والنقد في جامعة الحديدة، الدكتور قائد غيلان، في حديث مع “المشاهد”، أن تلك الفترة شهدت توجهًا وطنيًا للحد من الاغتراب، حيث رفعت الدولة شعار “الوطن يحتاج أبنائه لبنائه”

رافق ذلك نشاط فني مكثف قاده فنان اليمن الكبير أيوب طارش عبسي، الذي غنّى “ارجع لحولك” (ارجع لحقلك)، محذرًا برمزية عالية من “الذئاب” التي قد تتربص بالأرض في غياب “البتّال” (المزارع)

وفي هذا المناخ المشحون بالحنين والتحريض على العودة، ولدت “مسعود هجر” بألحان وأداء الفنان عبدالباسط عبسي؛ لتكون صرخةً في وجه الهجرة القسرية

ورغم أن ظروف الاغتراب تحسنت ماديًا لاحقًا، إلا أن القصيدة ظلت متمسكة بآلام “الزمن الجميل القاسي”، حين كان المغترب ينقطع خبره لسنوات، فلا “مكتوب” يصل ولا “صدّارة” (رسالة) تبل الصدى

يقول الناقد الدكتور خالد الضبيبي، في حديث مع “المشاهد”، أن “مسعود هجر” ليست مجرد أبيات نُظمت، بل هي “شهادة وجدانية على معاناة شعب”

ولجوء الصريمي إلى “اللهجة الدارجة” لم يكن ضعفًا، بل كان ذكاءً إبداعيًا منح النص صدقًا وواقعية، وجعله ملتحمًا بهموم الناس اليومية

فـ”مسعود” في القصيدة هو “ضحية” تمامًا كما هي زوجته؛ فهو مستنزف عاطفيًا في منافي الغربة، وهي متشظية روحيًا في انتظار العودة

القصيدة بهذا المعنى تعكس “الذات الجمعية اليمنية” التي ظل الحنين محركها الأول عبر القرون

وختامًا؛ رحل الشاعر سلطان الصريمي، وبقيت “مسعود هجر” أيقونةً شعرية تذكّر بأن الغربة ليست مجرد أرقام تُحول في المصارف، بل هي أعمار تُسرق، ومشاعر تذبل، ووجوه يطويها النسيان

ونجح الصريمي في أن يجعل من “الوجع الخاص” قضية رأي عام، محفزًا الضمير الجمعي لتقدير تلك “الجندي المجهول” في البيوت اليمنية: المرأة التي تحرس الحب وتنتظر في محراب الصبر

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن