“نقيبة شريان” تروي تفاصيل رحلتها من “بسطة التين” إلى منصة الطب
منذ 13 أيام
صنعاء- فاطمة العنسي في بلدٍ أنهكته الحرب وضيقت على الشباب أبواب المستقبل، برزت نقيبة حمود شريان، التي استطاعت استكمال دراستها الجامعية في الطب في جامعة حكومية
شريان واحدة من الفتيات التي استطاعت تجاوز الظروف لتتحول إلى نموذج مضيء للإصرار في التعليم والمهنة
وتستحق شريان الإشادة كون تعليم الفتاة في اليمن لا يزال الأدنى في المنطقة العربية، حسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في اليمن في تقرير لها نشر في سبتمبر الماضي بعنوان “بناء المستقبل“
وبحسب المصدر نفسه، فإنه لم تكمل سوى 22
4 في المائة من الفتيات تعليمهن الثانوي في 2021
أما التحاق الفتيات بالتعليم الجامعي في اليمن فهو متدني للغاية
بحسب دراسة مسحية نفذت في 2010 فإن 2 في المائة فقط من عينة الدراسة (1,993 امرأة) أكملن دراستهن الجامعية في غالبية المحافظات مقابل 8 في المائة في محافظات: عدن، الضالع، لحج، وأبين
وتقول اليونيسف في تقرير “بناء المستقبل” أن “التعليم يساهم بشكل مباشر في النمو الاقتصادي، والوئام الاجتماعي، ودافع للازدهار الوطني، ويعزز الوحدة المجتمعية
”وتقول المنظمة أن ثلث أطفال اليمن لا يكملون تعليمهم الأساسي نتيجة استمرار الصراع القائم منذ 2015، انقطاع رواتب المعلمين في المدارس الحكومية ودمار عدد كبير من المدارس
وفي هذا الواقع تبرز شريان، ليس من بيت ميسور، بل من بسطة تين شوكي تحت أشعة الشمس في شوارع صنعاء إلى مهنة مرموقة في المجتمع
تقول نقيبه شريان للمشاهد: إنها لم تولد في بيئة تمنح الحلم بسهولة، بل “في ظروف تخلي الطريق ضبابي، بس مش مستحيل”، وأوضحت أن الحرب سرقت من عائلتها القدرة على دعمها، لكنها لم تستطع أن تنتزع منها رغبتها في أن تصبح طبيبة
طفولة صعبة وحلم غير مرحب به، نشأت نقيبة في أسرة بسيطة، أهلها لم يعارضوا حلم دراسة الطب، لكنهم – كما صرحت – “كانوا يشوفوا الواقع أكبر من حلم بنتهم”
جدها كان أول الداعمين، تكفل بمصاريفها، ثم عجز مع تراكم أعباء الحرب، والدراسة لاسيما مجال الطب
تلك اللحظة، كما قالت، كانت مفصلية: “إما أتوقف… أو أواصل وحدي”، اختارت أن تكمل الطريق، رغم معرفتها أنه طريق صعب دون درع حماية
تقدمت نقيبة شريان للطب ثلاث مرات، سقطت في الأولى، ثم الثانية، لكنها أكدت أنها اعتبرت السقوط جزءاً من الاختبار لا إعلاناً للنهاية، في محاولتها الثالثة، دخلت الكلية وهي تحمل دموعاً من نوع آخر دموع الانتصار
تقول في حديثها مع “المشاهد” أن قبولها لم يكن مجرد تسجيل أكاديمي، بل “رسالة من الحياة تقول لي: تستحقي أن تبدئي في رسم حلمك”
قبل الجامعة، عانت نقيبة مرضاً غامضاً استمر خمس سنوات، تنقلت خلالها بين عيادات لا تعرف تشخيصاً دقيقاً، قالت إن “طبيباً واحداً فقط اكتشف فشل إحدى الكليتين، وأوضح لها أنها تحتاج لعملية استئصال عاجلة”
خرجت من العملية بكلية واحدة، وبقناعة جديدة: أن تصبح طبيبة تحمل رسالة، لا مجرد لقب، وأن تساعد من يعيشون ضياع التشخيص الذي عاشته
بعد توقف دعم الجد، اضطرت نقيبة لإعالة نفسها وأسرتها عملت في بيع الإكسسوارات والعطور، وقدمت خدمات تمريض بسيطة، لكن النقطة المفصلية كانت عندما اقترحت والدتها أن تبيع التين الشوكي
توضح إنها ذهبت للسوق تحمل بضاعة غير ناضجة رفضتها البسطات إلا رجل اسمه سليمان، اشترى منها رغم معرفته أنها غير مربحة
تتابع: “خرجت أبكي… مش من المبلغ، من شعور إن أحد صدق فيني”
دلها سليمان لاحقاً على مزارع خولان، لتبدأ رحلتها اليومية بعد الجامعة: سفر، شمس حارقة، سوق لا يرحب بوجود فتاة بين الرجال لكنها كانت – كما أوضحت – “تمشي لأنها لو وقفت، سيضيع كل شيء”
تعود مساء لتذاكر فوق تعب يوم كامل، دون أن تجد مكاناً للنوم
تؤكد نقيبة أن المعركة الأكبر كانت داخلها كانت تجري جلسات مصارحة مع ذاتها، وتقرأ لتحافظ على توازنها النفسي، وتعيد تكرار جملة تواسي نفسها بها: أنا بدأت… ولازم أكمل”
لم يكن هناك من يشجعها، لكنها قالت إنها أدركت أن “الدعم الحقيقي يولد من الداخل”
برغم غياب الدعم العائلي الفعلي، ظهر أشخاص بسيطون كانوا – كما وصفت – النور القليل اللي يخلي الواحد يشوف الطريق”
مزارعو التين الشوكي الذين أعطوها البضاعة بالدّين، وسليمان الذي وقف معها منذ أول يوم، هؤلاء شكلوا شبكة الأمل التي منعتها من السقوط
وقفت نقيبة أخيرا في 2025 على منصة التخرج في صنعاء، وصرحت أن تلك اللحظة “مسحت كل تعب السنين”، لم تتذكر السقوط ولا السفر اليومي، تذكرت والديها ورحلات العودة مرهقة وهي تهمس لنفسها: “بكرة أحسن”
تعمل نقيبة حاليا طبيب عام في مستشفى خصوصي مشهور في صنعاء وقد حصلت على “درع التميز” من المستشفى في 2025 تكريما لها ولعلمها
تطمح نقيبة اليوم للتخصص في جراحة النساء والولادة، وتسعى للحصول على الزمالة البريطانية، وأوضحت في حديثها مع “لمشاهد” أنها تحلم بمنح أسرتها حياة كريمة، ودعم أخيها ليكمل دراسته الجامعية
تؤمن أنها اليوم ليست فقط طبيبة، بل حكاية يمكن أن تفتح أبواباً مغلقة لفتيات كثيرات
وتقول في رسالتها للفتيات اليمنيات ” لا تسمحي للناس أن يحددوا مصيرك، ولا للظروف أن توقفك
الطريق يفتح لمن يسلكه، لا لمن يقف متفرجا”
في نهاية حديثها مع “المشاهد” لخصت نقيبة شريان سنواتها من الكفاح تحت الشمس الدرس الذي خرجت به هو الاعتماد على النفس والصبر الطويل
وهي رسالة تبقى أكبر من حدود تجربة شخصية، لتصبح درساً عاماً عن قدرة الإنسان على بناء مستقبله حتى في أقسى البيئات، والظروف الحياتية
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن