“هوية من فضة” قصة تعايش مجتمعي يمني يهودي
منذ 4 أيام
صعدة- فاطمة العنسيلم تكن صناعة الفضة والمصوغات في التاريخ اليمني مجرد نشاطٍ اقتصادي أو مهارةٍ يدوية تتوارثها الأجيال، بل كانت على الدوام مرآةً لتعايشٍ مجتمعي فريد وجسرًا للتكامل الإنساني والثقافي بين مختلف أطياف المجتمع اليمني
وفي قلب هذا المشهد الحضاري، برز اليهود اليمنيون كعنصرٍ أصيل في النسيج المجتمعي، ومكّنهم الاستقرار وأمان الجوار من تقديم إسهامٍ استثنائي جعل من الفضة اليمنية علامةً فارقةً في تاريخ الحرف اليدوية بالمنطقة
يسترجع الأربعيني اليمني ذو الأصول اليهودية، إسحاق بن سليمان، أحد أبناء مدينة صعدة القديمة سنوات صباه الأولى، متذكرًا كيف كان والده يلقنه دهاليز وأسرار صناعة الفضة وشكّها؛ ليتعلم كيف يتحول المعدن الخام إلى حُليٍ يتزين بها عامة الناس، بالإضافة الى مقابض للخناجر
يقول ابن سليمان المقيم في بريطانيا حاليًا: “كنا نعمل بغزارةٍ استثنائية لتلبية الطلبات الضخمة الوافدة من الزوار والمغتربين القادمين من السعودية، حيث كانت الورشة تنتج أحيانًا ما يصل من 500 إلى 1000 قطعة غايةً في الدقة والإتقان”
يقول: “كان والدي يمتلك معرفةً عميقةً بأسرار المهنة وتفاصيل الفضة القديمة الأصلية وتفريغها، مقارنةً بالأنواع الأخرى كالفضة الصينية، كنا نأخذ (الفرنك الفرنسي – ريال تيريزا)، ونقوم بصهره وتبريده واستخلاص الفضة النقية منه رغم ما يتطلبه ذلك من مجهودٍ شاق لإزالة الشوائب وإعادة التشكيل”
وعن طبيعة الحياة الاجتماعية والنشاط التجاري في صعدة القديمة، يضيف ابن سليمان أن أسرتهم كانت تقطن بالقرب من “باب اليمن” في صعدة، محاطين بالسوق القديم ومحاله العريقة، وكانت خمسة حوانيت تقع على شمال الداخل للسوق ملكًا وجزءًا لا يتجزأ من حياة اليهود اليمنيين الذين اشتهروا ببراعتهم التاريخية في صياغة الفضة
“كانت أجواء السوق تشع بالحيوية والانسجام، يتجاور الجميع في حركة بيعٍ وشراء يومية تعتمد على الثقة المتبادلة والتبادل التجاري والسياحي، جمعهم سوق واحد، وحرفة واحدة، واحترام متبادل يترجم أبهى صور التعايش والتكامل الاقتصادي بين أبناء صعدة وجيرانهم من اليهود اليمنيين”
كما يقول
ولفهم جذور هذا التمازج بين التركيبة الاجتماعية والنشاط الحرفي، يوضح الباحث والأستاذ المشارك في التاريخ اليمني، الدكتور رياض الصفواني، أن المسألة ترتبط بالتركيبة الاجتماعية والوظيفية لفئات المجتمع اليمني عبر التاريخ
ويبيّن الصفواني أن اليهود اليمنيين، ورغم وقوعهم في موقع محدد ضمن السلم الاجتماعي كأقليةٍ وسط أكثريةٍ مسلمة، إلا أن ذلك لم يكن يعني انتقاصًا منهم بل على العكس تمامًا، فقد كانوا دومًا في حماية القبائل والسلطات المتعاقبة، وكان العرف القبلي يوفّر لهم حمايةً مشددةً وأمانًا كاملًا حتى في أوقات الحروب، وهو ما وثّقه العديد من الرحّالة الأجانب والوثائق التاريخية
ويضيف: “أتاحت هذه البيئة الآمنة والمساحة الممنوحة لليهود اليمنيين حريةً كاملةً لممارسة الحرف والمهن اليدوية، حتى وصفهم بعض الرحالة الأجانب بـ (عُمال اليمن المهَرة)
والتسليم بحرفيتهم وإخلاصهم وفّر لهم فرصة التوزع في الحرف وتوارثها وتطويرها، فأبدعوا بشكل استثنائي في صياغة الفضة وكانوا محط ثقةٍ وأمانةٍ لدى بقية أفراد المجتمع المسلم؛ ما خلق حالةً نموذجيةً من التكامل الحرفي والمجتمعي، حيث كانت الحرفة مجال تلاقٍ وتآلفٍ لا مجال تفرقة”
يتابع: أما على صعيد الحركة التجارية التاريخية، فقد شهدت اليمن تواجدًا متميزًا للتجار اليهود، إلى جانب تجار آخرين كالهنود في المدن الساحلية والمراكز التجارية، مثل عائلة “ميسا” اليهودية في عدن التي نشطت في تجارة البُن، وكانت العلاقات التجارية تسير في إطارٍ من التنافس الطبيعي والاحترام، تحت مظلة الأعراف والتقاليد اليمنية الأصيلة التي كانت تسري على الجميع دون تمييز
ويوضح الصفواني أن العلاقة بين التجار آنذاك كانت تنقاد بمرونةٍ وتنافسٍ تجاري طبيعي يخضع للأعراف التجارية والتقاليد المحلية والضرائب التي تُدفع للسلطات، دون وجود قوانين تمييزية تخص طائفةً دون أخرى
من قلب “سمسرة النحاس” التاريخية بصنعاء القديمة، يؤكد الحرفي والمدرب في مجال الفضيات والأحجار الكريمة بالمركز الوطني للتدريب والتنمية، يحيى جابر، أن وجود اليهود اليمنيين شكل رافدًا غنيًا ومحوريًا لإنعاش وتطوير صناعة الفضة والمصوغات، حيث امتزجت مهاراتهم بالذائقة التراثية اليمنية لتنتج قطعًا فنيةً نادرة
وقال جابر: “إن الحرفيين اليهود أبدعوا في صياغةٍ دقيقةٍ وجميلة تُعد من أروع ما شهدته المنطقة، لا سيما في الطرازين التاريخيين الشهيرين، “البوساني” و”البديحي”، وهما طرازان شكلا ذروة الإتقان والجمال في صياغة الفضة
وحول انتقال هذا الإرث والتآلف المهني يوضح: “رغم أن أسرار المهنة كانت تُنقل غالبًا داخل الأسر الحرفية، إلا أن روح الجوار والتآلف اليومي في الأسواق والورش أتاحت لليمنيين من جيرانهم ومتردديهم تعلم مهاراتها بالملاحظة والنظر الشغوف، وعقب مغادرتهم، فقدت اليمن قاماتٍ حرفيةً نادرة، لكن الحرفيين اليمنيين في مختلف المناطق كما في زبيد وغيرها، واصلوا حمل المشعل بوفاء، مشتغلين بشغفٍ على صياغة الجنابي السبيكية، والمصوغات والملبوسات النسائية القديمة، محاولين الإبقاء على روح الحرفة والوصول إلى دهاليزها الخاصة”
ويلفت جابر إلى أن النشاط السياحي في السابق كان يحرك هذه الحرفة ويبرز جمالياتها للعالم، مؤكدًا أن المركز الوطني للتدريب في سمسرة النحاس واصل هذا المجهود بتدريب أجيالٍ جديدة على صياغة الفضة والعقيق والنحت والنسيج؛ للحفاظ على بقاء هذا التراث الإنساني الأصيل الذي اشترك في صناعته وتطويره كل من عاش على أرض اليمن
في السياق ذاته، يقدم الباحث الاقتصادي وفيق صالح قراءةً تبرز كيف أسهم هذا التعايش والتكامل الحرفي في دعم الاقتصاد المحلي، إذ لم تكن صياغة الفضة مجرد مهارةٍ يدوية، بل شكّلت شريانًا اقتصاديًا حقيقيًا يرفد السوق بالسيولة ويستقطب النقد الأجنبي
ويرى صالح أن القيمة الاقتصادية المضافة لهذه الصناعة بلغت ذروتها بفضل الإتقان والتميز الذي أضفاه الصاغة اليهود، بالتكامل مع بقية الحرفيين؛ ما جعل من أسواق الفضة كـ”سوق اليهود” في سوق الملح بصنعاء، ومحال صعدة وعدن مراكز ثقل اقتصادي ونقاط جذبٍ رئيسية للزوّار والوفود الأجنبية
ويضيف صالح: “كان المرشدون السياحيون والتجار يدركون تمامًا الأثر الاقتصادي لتوجيه السياح نحو أولئك الصاغة، يقينًا بأن جودة المنتج ودقته الاستثنائية كفيلتان بتعزيز مكانة اليمن كمركزٍ عالمي للفضيات والعقيق، وهو ما ينعكس إيجابًا على انتعاش القطاعات الخدمية والتجارية المرتبطة بها، كما مثّلت الفضة والعقيق وسيلةً آمنةً للتحوط المالي وادخار الثروة لدى الأسرة اليمنية عبر العقود”
ويشدد صالح على أهمية حماية الرأس المال المعرفي والحرفي اليوم ضد المنتجات المستوردة رخيصة الثمن، من خلال دعم مراكز التدريب الوطنية كـ”سمسرة النحاس” وإعادة تموضع الفضة اليمنية في الأسواق العالمية كعلامةٍ تجارية فاخرة تحمل أصالة تاريخٍ مشترك
لم ينقطع هذا الإرث الحرفي بمغادرة غالبية اليهود اليمنيين في منتصف القرن الماضي (1949-1950)، أو خلال السنوات الأخيرة الماضية، بل انتقلت تقنياتهم الحرفية الفريدة معهم لتصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية العالمية
ففي حي الفنانين بمدينة يافا القديمة، في فلسطين المحتلة، يقف “متحف الفن اليهودي للفنون اليمنية”، الذي أسسه الصائغ بن تسيون دافيد عام 2010 بجوار ورشته القائمة منذ عام 1988؛ ليتحول إلى مساحةٍ حية تحفظ فن الصياغة وتجسد كرم الضيافة وأصالة التراث اليمني
يستقبل المتحف زواره بنغمات الموسيقى التقليدية وأصوات طرق الفضة ورائحة القهوة اليمنية الساخنة المقدمة مع التمر، مستعرضًا عبر الصور والمخطوطات والأدوات التاريخية أزياء العرائس وحليّها المطرزة بالفضة الدقيقة
وفي ورشته، يصنع دافيد مجوهراتٍ يمنيةً رائعة تعتمد على خمسة أسلاكٍ أساسية من الفضة تشكل بتلات الزهور والأشكال الماسية على الطراز اليمني التقليدي
ويقول دافيد عن هذا الفن: “أسلوب الـ(فيلجران – التخريم) اليمني أسلوب فريد للغاية، فهو أكثر دقة وتفصيلًا مما قدمته أي ثقافاتٍ أخرى، فهو فن عريق يسعى المتحف للحفاظ عليه من الاندثار؛ ليبقى شاهدًا على الحقبة الذهبية للصياغة اليمنية التي صاغها الآباء بشغفٍ وأمانة”
ختامًا، قصة الفضة والعقيق في اليمن ليست مجرد سجلٍ لمهاراتٍ يدويةً انقضت، بل هي وثيقة حية تثبت كيف يمكن للحرفة والفن أن يتجاوزا العزلة، ويلغيا الفوارق، ويصنعا هويةً ثقافية واقتصادية جامعة، فمن صعدة وصنعاء وزبيد، إلى عواصم العالم ومتاحف الشتات، تظل الفضة اليمنية بصمتها البوسانية والبديحية شاهدًا أزليًا على عبقرية الصانع، ودفء الجوار والتعايش، وعمق التراث الإنساني المشترك
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن