“أسطوانة الغاز” تزاحم الغذاء في حضرموت

منذ 21 أيام

سهى محمد – المكلالم تعد أزمة الغاز المنزلي في محافظة حضرموت مشكلةً خدميةً عابرة، بل تحولت خلال الأشهر الماضية إلى عبءٍ اقتصادي ثقيل، يضغط بشكل مباشرٍ على ميزانية الأسر، خصوصًا محدودة الدخل التي تعتمد على الرواتب الحكومية أو الدخل اليومي غير المستقر

 ورغم أن الأيام الأخيرة شهدت بوادر انفراج نسبية، إلا أن القلق ما زال مسيطرًا على آلاف الأسر التي عاشت طويلًا تحت وطأة الشح وارتفاع الأسعار

وخلال ذروة الأزمة، تحولت أسطوانة الغاز من خدمةٍ أساسيةٍ إلى فاتورةٍ طارئة تزاحم الغذاء والدواء والتعليم داخل ميزانية الأسرة، وسط اتساع رقعة السوق السوداء وغياب الرقابة الفاعلة

الغاز المنزلي من السلع التي لا يمكن الاستغناء عنها في الحياة اليومية، ومع تكرار انقطاعه فرضت على المواطنين أسعارًا تفوق السعر الرسمي بأضعاف، ففي عدد من مدن ساحل حضرموت، وصل سعر الأسطوانة إلى ما بين 18 و20 ألف ريال يمني،  مقابل تسعة آلاف للأسطوانة حسب سعر الشركة، وفق شهادات ميدانية

يقول سالم عبدالله، موظف حكومي من مدينة الشحر، أب لخمسة أطفال لـ”المشاهد”: “راتبي لا يتجاوز 90 ألف ريال، وخلال الأزمات أضطر لدفع ما يقارب ثلث الراتب لشراء أسطوانة غاز واحدة؛ ما يعني تقليص ميزانية الغذاء أو تأجيل شراء الدواء”

سالم عبدالله، موظف حكومي من مدينة الشحر: راتبي لا يتجاوز 90 ألف ريال، وخلال الأزمات أضطر لدفع ما يقارب ثلث الراتب لشراء أسطوانة غاز واحدة؛ ما يعني تقليص ميزانية الغذاء أو تأجيل شراء الدواء”

أما الصياد أحمد ماهر، فيروي كيف اضطر لترك مهنته لأكثر من شهر، والاتجاه إلى تقطيع وبيع أشجار “السيسبان” لتغطية فارق الزيادة في سعر الأسطوانة التي وصلت إلى 15 ألف ريال يمني

ويضيف: “المعاناة ما زالت مستمرة رغم توفر الغاز في بعض المناطق، خاصةً مع اقتراب شهر رمضان وما يرافقه من قلق متجدد واحتياجات متزايدة”

يرى المختص في الشأن الاقتصادي، مراد باكثير، أن أزمة الغاز في حضرموت تجاوزت كونها أزمةً خدميةً؛ لتتحول إلى عاملٍ اقتصادي مباشر يضغط على الأمن المعيشي للأسر، خاصة محدودة الدخل

ويشير إلى أن اللجوء إلى السوق السوداء استنزف جزءًا كبيرًا من الدخل الشهري، وأدّى إلى تآكل القدرة الشرائية واتساع دائرة الهشاشة المعيشية

باكثير لفت إلى أن استخدام الغاز خارج نطاقه المنزلي، سواء كوقود لبعض المركبات أو الدراجات النارية؛ فاقم من حجم الطلب في ظل ضعف الرقابة وغياب الإدارة الفعّالة لسلاسل الإمداد

محذرًا من أن الانفراج المؤقت لن يُنهي الأزمة ما لم تُتخذ إجراءات جذرية لتنظيم السوق وضمان عدالة التوزيع

مراد باكثير، مختص اقتصادي: استخدام الغاز خارج نطاقه المنزلي، سواء كوقود لبعض المركبات أو الدراجات النارية؛ فاقم من حجم الطلب في ظل ضعف الرقابة وغياب الإدارة الفعّالة لسلاسل الإمداد

”اجتماعيًا، تعد النساء الفئة الأكثر تضررًا من أزمة الغاز، إذ يتحملنّ العبء الأكبر في تدبير شؤون المنزل

تقول أم محمد، ربة منزل من المكلا، “إنها اضطرت قبل توفر الغاز إلى البحث عن الأخشاب والكراتين لإشعال التنور؛ ما سبب لها وأطفالها مشكلاتٍ صحية، أبرزها أمراض الجهاز التنفسي

وتوضح الأخصائية الاجتماعية، أميرة بازاهر، أن المرأة تلعب دور مديرة الأزمة داخل الأسرة، وتتعرض لتأثيراتٍ جسدية ونفسية مضاعفة؛ نتيجة استخدام بدائل بدائية مرهقة، والقلق المستمر لتأمين الطعام، وما يرافقه من توترٍ قد ينعكس على الاستقرار الأسري

الأخصائية الاجتماعية، أميرة بازاهر، أن المرأة تلعب دور مديرة الأزمة داخل الأسرة، وتتعرض لتأثيراتٍ جسدية ونفسية مضاعفة؛ نتيجة استخدام بدائل بدائية مرهقة، والقلق المستمر لتأمين الطعام، وما يرافقه من توترٍ قد ينعكس على الاستقرار الأسري

”أمام صعوبة الحصول على الغاز، لجأت بعض الأسر إلى بدائل كالحطب أو الفحم أو المواقد الكهربائية، غير أن هذه الحلول تحمل كلفةً خفية، فالحطب يضر بالصحة والبيئة، بينما تؤدي المواقد الكهربائية إلى ارتفاع فواتير الكهرباء في محافظةٍ تعاني أصلاً من خدمة غير مستقرة

ويشير أحمد بامسعود، صاحب محل أدوات منزلية، إلى ارتفاع الإقبال على المواقد الكهربائية خلال الأزمة، لكن كثيرًا من الزبائن تخلوا عنها لاحقًا بعد صدمة الفواتير التي فاقت أحيانًا كلفة الغاز نفسه

تعود جذور الأزمة إلى توقف إمدادات الغاز القادمة من منشأة صافر في محافظة مأرب؛ نتيجة القطاعات القبلية على خطوط النقل؛ ما تسبب في شحّ حادٍ وارتفاع الأسعار، بحسب مصادر خاصة في الشركة اليمنية للغاز بمحافظة حضرموت

ومع تصاعد الاحتقان الشعبي، شهدت الأزمة انفراجةً نسبية عقب بيان قبائل مأرب برفع القطاع والسماح بمرور ناقلات الغاز؛ ما أسهم في استئناف الإمدادات تدريجيًا، ورغم هذا التحسن لا يزال المواطنون يعيشون حالة ترقبٍ خشية عودة الأزمة مع أي اضطرابٍ جديد

وتؤكد بازاهر أن الأزمة كشفت هشاشة منظومة الطاقة وارتهان الخدمات الأساسية للتجاذبات السياسية؛ ما يستدعي حلولًا مستدامة تحمي المواطنين من تكرار المعاناة

ووفقًا للنشرة الاقتصادية، الصادرة في ديسمبر الماضي، عن مركزالدراسات والاعلام الاقتصادي (منظمة غير حكومية)، فقد شهدت أغلب المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة أزمة غاز؛ نتيجة القطاعات القبلية لمقطورات الغاز في مأرب

وفي منتصف يناير الجاري قالت وحدات عسكرية من القوات الحكومية في مأرب إنها أفرجت عن 150 مقطورة من الغاز والوقود كانت محتجزةً لدى مسلحين قبليين بين صافر في مأرب والعبر في حضرموت

وتكشف أزمة الغاز في حضرموت أن المشكلة لم تعد مرتبطةً بأسطوانة غازٍ فقط، بل باتت تمس عمق المعيشة اليومية، وتعيد تعريف الفقر بوصفه صراعًا دائمًا على أساسيات البقاء؛ ليبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول بوادر الانفراج إلى حلٍ دائم، أم ستظل أسطوانة الغاز عبئًا مستمرًا يهدد توازن الأسر الهشة؟

ما رأيك بهذا الخبر؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن