د تركي القبلان : الإمارات وإسرائيل: استلهام نموذج الدولة الصغيرة بين التقليد والهشاشة
منذ 4 ساعات
ليست علاقة الإمارات بإسرائيل علاقة تحالف ظرفي أو تقاطع مصالح عابر إنما هي علاقة قدوة واستلهام نموذجي في فهم الدولة الصغيرة لذاتها ولمحيطها
فقد وجدت الإمارات في التجربة الإسرائيلية مثالًا لدولة محدودة العمق الاستراتيجي ، قَلِقة بنيويًا تعوّض هشاشتها الجغرافية عبر الاختراق الاستخباراتي في البنى المجتمعية ، والعمل من تحت السطح ، وإدارة الصراعات منخفضة الكلفة بدل خوض الحروب المفتوحة
هذا النموذج الذي يقوم على تحويل القيد إلى أداة ، والهشاشة إلى فاعلية هجومية غير مباشرة ، شكّل مرجعًا ذهنيًا لسلوك إماراتي متصاعد في الإقليم
في هذا السياق لم يكن الإعجاب الإسرائيلي نابعًا من القوة العسكرية التقليدية ، بل من القدرة على نقل خطوط الاشتباك خارج الجغرافيا ، وبناء نفوذ يتجاوز الحجم الطبيعي للدولة ، عبر الوكلاء، والموانئ ، والجزر ، والعُقد اللوجستية ، والتغلغل الأمني في مناطق رخوة
هكذا تشكّل سلوك سياسي لا يسعى إلى الحسم بل إلى التحكم في مسارات الصراع ، وضبط إيقاعه بما يمنع استقراره أو انفجاره الكامل واستخدامه كأوراق ضغط
غير أن النقطة الأكثر حساسية في هذا الاستلهام تتعلق بالموقف من الإسلام المعتدل ، حيث يلتقي النموذجان الإسرائيلي والإماراتي لا عند معاداة الدين بوصفه عقيدة لكن عند العداء لأي منظومة قيمية متماسكة تشكل سداً منيعاً ضد الاختراق لسلامة الفهم وصفاء العقيدة
فإسرائيل ترى في أي نموذج إسلامي يمتلك هذه المواصفات غير خاضع تهديدًا طويل الأمد ، حتى وإن كان غير عنيف لأنه يحمل قابلية إنتاج معنى جامع وشرعية راسخة
هذا التصور وجد صداه لدى الإمارات لكن بصيغة أكثر تعقيدًا وأقل مباشرة
لم تخض الإمارات حربًا صريحة على الإسلام المعتدل بقدر ما خاضت عملية تفكيك ممنهجة للمرجعية الإسلامية الجامعة عبر مسارين متوازيين
المسار الأول استهدف إضعاف الرابطة الرمزية والتاريخية بين الإسلام المجتمعي بأكمله وبين السعودية بوصفها مركز الإسلام وقدسية الحرمين
وقد جرى ذلك من خلال إنتاج نماذج دينية هجينة تمزج بين تدين فردي منزوع الهوية ، وخطاب طقوسي أو صوفي أو حداثي شكلي ، بما يسمح بتقديم “إسلام بلا مركز”، قابل للتدوير وغير قادر على توليد رابطة جامعة أو مرجعية سيادية
في هذا الإطار لم يكن توظيف بعض التيارات توظيفًا دينيًا بقدر ما كان أداة تفكيك رمزي ، تهدف إلى فصل التدين عن مركزه التاريخي ، وتحويله إلى ممارسة محلية معزولة عن أي عمق حضاري أو مظلة جامعة
أما المسار الثاني فتمثّل في رفع شعار محاربة جماعة الإخوان المسلمين ، لا بوصفها تنظيمًا سياسيًا عابرًا للحدود ، بل بوصفها غطاءً وظيفيًا لتجريم المجال الإسلامي برمّته
تحوّل مفهوم “الإخوان” في الخطاب الإماراتي من توصيف تنظيمي محدد إلى وسم سياسي فضفاض ، يُلصق بكل من يعارض المشروع الإماراتي أو يكشف طبيعته التدخلية ، أو يرفض تحويل الدين إلى أداة أمنية لتجريم المختلف معها
وبذلك أُفرغ المفهوم من مضمونه ، وأُعيد توظيفه بوصفه أداة نزع شرعية ، على نحو يشبه الاستخدام الإسرائيلي لمصطلح “الإرهاب” كتصنيف شامل يسبق أي نقاش سياسي أو أخلاقي أو غطاء لفرط القوة ضد شعب يناضل لنيل حقوقه المشروعة
غير أن الفارق الجوهري بين النموذجين يظل قائمًا
فإسرائيل ترى أنها دولة تعيش صراعًا وجوديًا وتملك سردية تعبئة شاملة “تبرّر” سلوكها العدائي وتمنحه تماسكًا داخليًا ، بينما الإمارات دولة “وظيفية–اقتصادية” تحاول استعارة أدوات القوة الإسرائيلية من دون امتلاك شرطها الوجودي أو بنيتها المجتمعية الصراعية
ما يُعد مبرر كضرورة وجودية تتحجج به إسرائيل ، يتحول في الحالة الإماراتية إلى مغامرة فائضة عن الحاجة ، تُراكِم العداء بدل أن تبني شرعية وتستدعي الاستنزاف بدل أن تحقّق ردعًا مستقرًا
من هنا، لا يمكن قراءة السلوك الإماراتي بوصفه مجرد سياسة أمنية ، بل بوصفه محاولة لتقليد نموذج صراعي لدولة محاصَرة داخل سياق دولة كان يمكنها أن تبني نفوذها عبر الاستقرار لا عبر هندسة الفوضى
إنه انتقال من منطق الدولة التاجر إلى منطق الدولة المتدخلة ، ومن الاستثمار في البيئة إلى الاستثمار في اختراقها ، في مسار قد يوسّع النفوذ مؤقتًا ، لكنه يضيّق هامش القبول ويُراكم كلفة سياسية يصعب تفريغها لاحقًا