مدرجات “سامع”.. زراعة تقاوم قسوة الشتاء
منذ 6 أيام
تعز- نايف الحسانيرغم قسوة فصل الشتاء وشحّ المياه؛ ما تزال مدرجات زراعية في منطقة بني أحمد بمديرية سامع جنوب محافظة تعز تحافظ على خضرتها خلال فصل الشتاء، وتقديم مشهد نادر من الأمل واستمرار الزراعة دون انقطاع بجهود الأهالي
وفي الوقت الذي تتوقف فيه الزراعة الشتوية في كثير من المناطق الجبلية يصرّ مزارعو المنطقة على استثمار كل شبر من الأرض، معتمدين على خبراتهم التقليدية ومياه الأمطار، والعمل اليدوي الشاق، في مشهد يعكس علاقةً استثنائية بين الإنسان والأرض
يزرع السكان في هذه المدرجات محاصيل متعددة، من بينها البطاط، البصل، البقل، الثوم، الشعير، والحُلبة، وهي محاصيل أساسية للأسر الريفية، وتُعد مصدر غذاء ودخل في آنٍ واحد، خصوصًا في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل
يقول خليل السامعي (23 عامًا)، أحد مزارعي المنطقة: “إنه يعمل في أرضه منذ الصباح وحتى المساء ليوفر جانبًا من متطلبات الحياة، بعد أن أغلقت الحرب معظم أبواب فرص العمل الأخرى”
ويضيف السامعي في حديثه لـ”المشاهد”: “الزراعة في فصل الشتاء تتطلب جهدًا مضاعفًا وصبرًا طويلًا، لكنها تظل الخيار الوحيد المتاح الذي يمنحنا قدرة على الاستمرار
ولا تقتصر صعوبة الزراعة في بني أحمد على الجهد الإنساني، بل تمتد إلى طبيعة الأرض الجبلية ومدرجاتها الضيقة
يقول المواطن جهاد السامعي، أحد أبناء المنطقة لـ”المشاهد”: “إن طبيعة المنطقة الجبلية فرضت نمطًا خاصًا من الزراعة، حيث تتوزع الأراضي على مدرجات صغيرة لا يتجاوز عرض الواحد منها أكثر من خمس قصب (20 متر مربع)، فيما لا تتعدى المساحة المزروعة إجمالًا ما بين أربعمائة إلى خمسمائة قصبة فقط”
ويضيف جهاد: “رغم ضيق الرقعة الزراعية، اضطر كثير من الأهالي بفعل البطالة وغياب أي مشاريع تنموية إلى ترميم مدرجات مهملة فوق الحجارة والشعاب، في محاولة لانتزاع لقمة العيش من أرضٍ قاسية، لكنها ما تزال قادرة على منح الخضرة ولو بقدرٍ يبعث الطمأنينة في النفوس”
ويشير جهاد إلى أن اختيار المحاصيل تغيّر جذريًا مع تفاقم الأزمة الاقتصادية، فبعد أن كانت الزراعة تقتصر في السابق على الذرة والشعير كعلفٍ للمواشي، في وقتٍ كان أغلب السكان يعملون خارج القرى ويتقاضون رواتب تكفي احتياجاتهم، بات التفكير اليوم منصبًّا على المحاصيل ذات العائد الغذائي والمادي المباشر؛ بهدف سد الجوع وتقليل الاعتماد على الأسواق، خصوصًا خلال فصل الشتاء
من جانبه، يقول عبدالواسع السامعي، مزارع في المنطقة، لـ” المشاهد”: “إن الزراعة تعتمد بشكل شبه كامل على مياه الأمطار في الصيف، حيث يقوم الأهالي ببناء خزانات صغيرة لتجميع المياه واستخدامها شتاءً، إضافةً إلى الاستفادة من عيون الماء التي تكثر صيفًا وتقل بشكل حاد في الشتاء”
وكل أسرة تقريبًا تمتلك خزانًا صغيرًا بالقرب من منزلها أو مدرجاتها الزراعية، يُستخدم لتجميع مياه الأمطار خلال مواسم الهطول، والاحتفاظ بها لأشهر لاحقة لاستخدامها في ري المحاصيل خلال فصل الشتاء، حد تعبير راجح عبدالودود، مزارع في سامع
على مستوى اليمن وصلت مساحة الزراعة المطرية إلى حوالي 42% من إجمالي المساحة المحصولية، بحسب كتاب الإحصاء الزراعي في صنعاء
نظرًا لشح المياه يستخدم عبدالواسع الري بالتنقيط اليدوي، فيما تعتمد الأساليب الزراعية كليًا على العمل اليدوي وإصلاح الأرض بالأيدي؛ لعدم إمكانية استخدام المحاريث أو الحيوانات؛ وفرض شحّ المياه على الأهالي ابتكار أنماطٍ ذاتية لإدارة المورد الأهم للحياة والزراعة
ويوضح راجح لـ”المشاهد” أن مزارعين كثر لم يكتفوا بالخزانات المنزلية، بل قاموا بحفر خزانات ترابية صغيرة جوار بيوتهم، وهذه السدود رغم بساطتها وافتقارها لأي دعم هندسي باتت تلعب دورًا حيويًا في تأمين الحد الأدنى من المياه اللازمة لاستمرار الزراعة
ويؤكد راجح أن هذا النمط من الإدارة المحلية للمياه يقوم بالكامل على الجهد الذاتي والتعاون المجتمعي، دون أي تدخل رسمي أو مشاريع حكومية
ولفت إلى أن الأهالي يتقاسمون المياه وفق نظامٍ غير مكتوب يراعي أولوية الشرب، ثم ري المحاصيل الأساسية، خصوصًا في فترات الجفاف القاسي
هذه التجربة رغم بساطتها تعكس وعيًا متراكمًا لدى المزارعين بأهمية الحفاظ على كل قطرة ماء، وتحويلها إلى عنصر صمود، في بيئةٍ تعاني من تغيّرٍ المناخ، وتراجع الأمطار، وغياب حلول مستدامة لإدارة الموارد المائية
ويرى المرشد الزراعي في الإنتاج النباتي وعلوم البساتين، عماد السامعي، أن استمرار الزراعة الشتوية في مدرجات الدبار ببني أحمد؛ يعكس قدرة المجتمعات الريفية على التكيّف مع الظروف المناخية والاقتصادية القاسية، رغم محدودية الموارد وشبه غياب الدعم
ويوضح عماد لـ”المشاهد” أن المحاصيل المزروعة حاليًا تُعد من أكثر الأنواع تحمّلًا للبرودة النسبية، كما أنها تلبّي احتياجات غذائية مباشرة للأسر؛ مما يجعلها خيارًا منطقيًا في ظل ارتفاع الأسعار وانعدام البدائل
”ويشير عماد إلى أن الاعتماد على مياه الأمطار والخزانات التقليدية رغم أساليبها البدائية إلا أنها تمثّل نموذجًا محليًا لإدارة شحّ المياه، لكنه يظل حلًا هشًا أمام تغيّرات المناخ وتراجع معدلات الهطول المطري
المرشد الزراعي، عماد السامعي: الاعتماد على مياه الأمطار والخزانات التقليدية رغم أساليبها البدائية إلا أنها تمثّل نموذجًا محليًا لإدارة شحّ المياه، لكنه يظل حلًا هشًا أمام تغيّرات المناخ وتراجع معدلات الهطول المطري
”كما أن غياب التدخل المؤسسي سواءً عبر توفير بذورٍ محسّنة أو إدخال تقنيات ري بسيطة، يُبقي هذه الزراعة في إطار الصمود فقط دون أن تتحول إلى نشاط مستدام قادر على تحسين مستوى الدخل
ويختتم عماد حديثه بالتنبيه إلى أن الحفاظ على مدرجات الدبار يسهم في حماية الأراضي الجبلية من الانجراف والتدهور، معتبرًا أن دعم هذه الزراعة يُعد ضرورةً تنموية لا تقل أهمية عن أي تدخل إغاثي في مناطق ريفية تعيش على حافة الهشاشة
وجود هذه المشاهد الخضراء في قلب الشتاء، يكشف روح التحدي لدى المجتمعات الريفية في اليمن التي ما تزال متمسكة بالزراعة كهويةٍ ووسيلة صمود في وجه الحرب والتغيرات المناخية والاقتصادية
وعن التحديات يشير عبدالواسع إلى أن الصقيع يشكّل خطرً مباشرًا على المحاصيل، إذ يتسبب الطلّ في إتلاف بعضها، فضلًا عن معاناة المزارعين من شدة البرودة أثناء الري الليلي، وهو الوقت الوحيد المتاح أحيانًا؛ بسبب تقاسم المياه بحسب الساعات
وكانت النشرة الجوية الزراعية الصادرة في فبراير الجاري، عن “منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة” (الفاو) قد حذرت من عودة الصقيع خلال فبراير خصوصًا في المرتفعات الجبلية لمحافظات: البيضاء، ذمار، صنعاء، عمران وصعدة
وقالت: “إن الفترة الحرجة من 11-20 فبراير ستشهد عودة الصقيع، حيث من المتوقع أن تنخفض درجة الحرارة في المرتفعات الجبلية إلى درجتين مئويتين مع استمرار الجفاف في عموم اليمن؛ مما يهدد المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية”
يقول عبدالواسع: “إن غالبية المزارعين في منطقة سامع يستخدمون مخلفات للأبقار والأغنام مما يشير إلى أن المحاصيل آمنة صحيًا للأسر الريفية أو للمستهلكين من خارج المنطقة، وعزوف المزارعين عن الأسمدة الكيميائية في منطقة سامع يعود بدرجة رئيسية إلى عدم القدرة المالية على شرائه”
عبدالواسع السامعي: غالبية المزارعين في منطقة سامع يستخدمون مخلفات للأبقار والأغنام مما يشير إلى أن المحاصيل آمنة صحيًا للأسر الريفية أو للمستهلكين من خارج المنطقة، وعزوف المزارعين عن الأسمدة الكيميائية في منطقة سامع يعود بدرجة رئيسية إلى عدم القدرة المالية على شرائه”ويضيف: “استمرار الزراعة ضرورة فرضتها الأزمات المتلاحقة، موضحًا أن الإنتاج لا يكفي احتياجات السكان التي تفوق ثمانية آلاف نسمة في بني أحمد، ولا يوجد أي تصدير للمحاصيل، بل يجري تبادلها بين الجيران أو بيعها بين القرى بأسعار بسيطة”
ويختتم: كل واحد منا يزرع ما تيّسر، قصبة أو قصبتين، مقسّمة بين ثلاثة أو أربعة أشخاص، لكننا نواصل لأن الأزمات تجبرك أن تستغل كل شبر من الأرض لكي تعيش”
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن