“مشاعل سبتمبر” في ريف تعز

منذ 35 دقائق

تعز – أسامة الكُربشفي الخامس والعشرين من سبتمبر كل عام، يبدأ الشاب، عامر عبدالله، مع مجموعةٍ من شباب قريته “أكمة حبيش”، في مديرية المسراخ، بريف تعز الغربي، جمع إطارات السيارات التالفة والصعود بها إلى قمم الجبال، استعدادًا لإشعالها احتفاءً بذكرى ثورة 26 سبتمبر

يقول عامر لـ”المشاهد”: “الشباب يصعدون بالإطارات ويوزعونها على قمم الجبال في المنطقة، قبل إشعالها عند حلول المساء، بالتزامن مع ترديد الأهازيج والأناشيد الوطنية”

ويضيف: “إشعال النيران أصبح تقليدًا سنويًا في القرية؛ للتعبير عن الاحتفاء بالثورة واستحضار تضحيات الأجداد في سبيل الحرية”

ولا تقتصر مظاهر الاحتفال بذكرى ثورة 26 سبتمبر 1962 على المهرجانات والفعاليات في المدن، إذ تحتفظ قرى وأرياف تعز بتقاليد شعبية خاصة، من أبرزها ما يعرف محليًا بـ”التنصير”، وهو إشعال النيران على أسطح المنازل وقمم الجبال في ليالي الأعياد والمناسبات الوطنية

ومع حلول الظلام تتحول أسطح المنازل وقمم الجبال في القرى إلى شعلةٍ متوهجة بضوء الثورة والحرية

ويشرح أحد المشاركين في هذه الممارسة، نبيل عبدالغني، تفاصيل تلك الاحتفالات،

يشير إلى أن الأسر تجمع الرماد وتنثره على أسطح المنازل، ثم تخلطه بمادة الجاز “الكيروسين” قبل إشعاله بعد صلاة العشاء، وتستمر النيران بالاشتعال عادةً بين ساعة وساعتين

وبينما تستخدم الأسر أسطح المنازل والأبنية المرتفعة لإشعال النيران، يعتمد الشباب في قمم الجبال على إطارات السيارات التالفة؛ لتكون النيران أكثر وضوحًا من مسافات بعيدة

ويقول عبدالغني: “الأهالي يتجمعون في القرى بالتزامن مع إشعال النيران، مرددين الأناشيد والأهازيج الوطنية، إلى جانب دق الطبول وأداء الرقصات الشعبية، في أجواءٍ احتفالية تحافظ على طابعها المحلي”

وخلال السنوات الأخيرة، اتسعت مظاهر الاحتفاء الشعبي بذكرى ثورة 26 سبتمبر، التي أطاحت بنظام الإمامة عام 1962، في مناطق اليمنية عديدة، بما في ذلك القرى والأرياف، تأكيدًا على تمسكهم بالثورة الأم والتعبير عن أهميتها ومكانتها في قلوبهم

وقال مدير مكتب الثقافة بمحافظة تعز، قاسم إبراهيم: “إن إشعال النيران في قمم الجبال وأسـطح المنازل، من أعمق المظاهر الشعبية المرتبطة بذكرى 26 سبتمبر، خصوصًا في القرى والأرياف، وهو ليس مجرد مظهر احتفالي، وإنما تعبير رمزي عن حضور الثورة في الذاكرة الشعبية، وكأن هذه النيران تعيد إعلان رسالة الجمهورية من قريةٍ إلى أخرى ومن قمة جبل إلى أخرى

وأضاف إبراهيم، لـ”المشاهد”: “تكتسب هذه الرمزية معنى أكبر اليوم في تعز؛ لأن المحافظة التي ما زالت تدافع عن الجمهورية وتدفع ثمنًا كبيرًا في سبيلها، تستعيد في ذكرى 26 سبتمبر واحدة من مظاهرها الشعبية القديمة”

وأشار إلى أن الجميل في إشعال النيران أنها ممارسة شعبية عفوية لا تحتاج إلى تنظيمٍ أو توجيه مركزي، وهذا ما يمنحها قيمتها

فعندما تضيء قرى تعز وجبالها في ليلة 26 سبتمبر، فإن المشهد يعكس تواصل الذاكرة بين جيل الثورة والأجيال التي تقف اليوم في مواجهة مشروع يريد إعادة اليمن إلى ما قبل الجمهورية

وأضاف أنها رسالة تتجاوز الاحتفال وتؤكد أن تعز التي أضاءت قممها احتفاءً بالثورة تواصل الدفاع عن الجمهورية، وكأن تلك الأضواء تقول إن جذوة 26 سبتمبر ما زالت حاضرة، وما دافعت عنه الثورة ما زال اليمنيون يدافعون عنه

وأوضح الكاتب والباحث، فوزي العريقي، أن إشعال النيران في قمم الجبال هو أسلوب تاريخي قديم اعتمد عليه العرب كمنظومةٍ وتكتيك عسكري قديم، حيث كان يتم إشعالها عند النصر في المعارك، أو الإعلان عن النفير والإنذار، وكانت تُبنى في شبكات متسلسلة فوق قمم الجبال المرتفعة لضمان وصول الرسالة البصرية إلى أبعد مدى وفي أسرع وقت ممكن

وأضاف العريقي لـ”المشاهد”: “إشعال النيران فور تحقيق النصر كان يهدف إلى رفع الروح المعنوية للشعوب والجيوش الحليفة في المدن المجاورة، وبثّ الرعب والإحباط في قلوب الأعداء والمتمردين”

وأوضح أن هذا التكتيك العسكري تحوّل مع مرور الزمن إلى تقليدٍ شعبي وطقسٍ احتفالي، ولا يزال هذا الإرث التاريخي حاضرًا في الوجدان الشعبي لبعض الدول العربية، فاليوم تُشعل النيران في قمم الجبال في العديد من الثقافات العربية أو في المهرجانات الأوربية كإحياءٍ لذكرى انتصارات تاريخية قديمة وكرمزٍ للحرية والانتصار والاعتزاز بالهوية

ويحتفي اليمنيون في 26 سبتمبر كل عام بذكرى ثورة 26 سبتمبر 1962، التي اندلعت في شمال اليمن وانتهت بإسقاط نظام الإمامة وإعلان قيام النظام الجمهوري

وتحوّلت الذكرى على مدى العقود الماضية إلى مناسبةٍ وطنية تستعاد خلالها رموز الثورة، وتتعدد مظاهر الاحتفاء بها بين الفعاليات الرسمية والمهرجانات والأنشطة الشعبية

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن