“نَغَم من تعز”… مشروع إحياء التراث الموسيقي

منذ 2 ساعات

تعز- إيناس الحميريفي قلب تعز، المدينة التي تُعرف بعراقة تراثها الثقافي والفني، تنبض مبادرة طموحة تهدف إلى إنقاذ موروث وفولكلور غنائي فريد من الاندثار، بينما تخلق مسارات جديدة لإبداع الشباب وتمكينهم

إنه مشروع “نَغَم من تعز”، الذي أطلقته مؤسسة ميون للثقافة والإعلام، في يوليو الماضي، لم يكن مجرد ورشة تدريبٍ موسيقية عابرة، بل هو رؤية متكاملة تجمع بين الحفاظ على الهوية وخلق فرصٍ مستقبلية

يشرح مدير مؤسسة ميون، سام البحيري، فلسفة المشروع قائلًا: “نَغَم من تعز، فكرة تبنتها المؤسسة لإحياء الموروث الشعبي في المحافظة بكل أنواعه”، مشيرًا إلى أنه يشمل الجانب الشفاهي من أغاني ومهاجل وحكايات، والموروث المادي من أزياء وحرف يدوية

ويضيف: “لدينا رؤية مؤسسية تقوم على شقين: توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة والأعمال الإبداعية، والحفاظ على الموروث، وخلق بيئةٍ ثقافية فنية إبداعية تحتوي طاقة الشباب”

هذه الرؤية تتجسد عمليًا من خلال حاضنة المشروع الأساسية: فريق كورال تعز، الذي يضم أكثر من 20 شابًا وشابة من مختلف المناطق والفئات الاجتماعية في المحافظة

يقول البحيري: “هدف هذا الفريق هو الحفاظ على الموروث الشعبي وتقديم الأغاني اليمنية بطريقة شبابية مع الحفاظ على الألحان الأصلية والألوان الغنائية اليمنية والتعزية بشكل خاص”

ولا يقف الدعم عند التدريب، بل يتعداه إلى “تأهيلهم ليكونوا فنانين ومحافظين على الهوية”، من خلال توفير قاعات تدريب وأساتذة متخصصين في التراث والموسيقى، وتدريبات في المقامات الصوتية وأساسيات الغناء وخصوصيات اللون التعزي والأداء الجماعي، وحتى تسجيل وإنتاج أعمال خاصة بهم

فكرة المشروع، كما يروي مدير مشروع، “نَغَم من تعز”، آدم الحريبي، “جاءت كرد فعلٍ لغياب بنيةٍ مؤسساتية منظمة تدعم التدريب الموسيقي في تعز؛ ونتيجة قلقنا من احتمالية اختفاء اللون الغنائي التعزي بين الأجيال الشابة”

وهو امتداد طبيعي لتجربة سابقة لفريق كورال تعز الذي أطلقته “ميون” منتصف 2024

ويوضح الحريبي أن الهدف الأساسي هو “صون الموروث الغنائي التعزي وتمكين الشباب منه فنيًا ومهنيًا”، وبناء فرقة كورال متكاملة تضمن استمرارية هذا التراث

أما التركيز على الأغاني القديمة، فليس بدافع الحنين فقط

ويبرر الحريبي هذا الخيار: “لأن هذه الأغاني تمثل ذاكرةً موسيقيةً وهويةً ثقافية مهددة بالتلاشي، وإعادة تقديمها وتكييفها يمنح الشباب مادةً متجذرةً يمكنهم صقلها بأساليب أداء حديثة”

ويؤكد أن العمل على القديم يمنح “أصالةً في المضمون وقاعدةً لابتكار شكلٍ فني جديد”

هنا يأتي دور الخبرة المتخصصة، التي يقدمها مدرب الكورال والباحث التراثي الموسيقي، الفنان أحمد راوح؛ ليضع المشروع في إطاره الحقيقي

ويبدأ راوح من قاعدةٍ فكرية راسخة: “من ليس له ماضٍ ليس له حاضر”

ويوضح أن “الشعوب تُعرف بحضارتها الفنية وإرثها الفني، والتراث لا يموت، تظل الأجيال تتناقله من جيل إلى آخر”

وبحكم تخصصه، يسلط الضوء على تميز المادة التي يعمل عليها المشروع: “التراث الغنائي التعزي فخر كبير لمحافظة تعز، ويتميز بخصوصيته عن باقي المحافظات”

وهذا التميز يجعل عملية التوثيق والتعليم أمرًا مصيريًا: “من الضروري البحث والتقصي والعودة إلى الماضي والبحث عن أصول الأغنية التعزية، ومن المهم توثيقها وتعليمها وكيفية أدائها للشباب ذوي الأصوات الجميلة”

ويؤكد راوح الأهمية الاستثنائية لمثل هذه المشاريع في الظرف الراهن، قائلًا: “المشاريع الفنية مهمة في ظل غياب وزارة الثقافة عن المشهد

ولها دور كبير في إبراز تراثنا الفني والمحافظة عليه وتوثيقه، وهذا ما نقوم به حاليًا”

ولا يُخفي تقديره للوقت الذي أتى فيه المشروع، معتبرًا إياه “الأمل الوحيد حاليًا”، قائلًا: “مشروع نغم من تعز أتى في وقتٍ مناسب، ويخطو خطواتٍ فعّالة وجيدة

وأتمنى ألا يتوقف”

داعيًا الجهات المهتمة بالتراث التعزي إلى الوقوف والمساعدة في استمرار هذا المشروع”

كما يقدم رؤيةً عمليةً للمرحلة القادمة، مؤكدًا: “هذه المبادرات يجب أن تستمر، وتُفعَّل الدورات والورشات الفنية

وينبغي تقديم الفقرات الفنية التراثية التي تم تجهيزها لشباب كورال تعز على المسرح وعرضها للجمهور وتسجيلها”، مشددًا على ضرورة الخروج من دائرة التدريب إلى دائرة العرض والتوثيق العلني

تتم عملية انتقاء الأغاني التي يعمل الفريق على إحيائها وفق معايير دقيقة تشمل الأهمية التراثية، وشعبيتها، وقابليتها للأداء الجماعي، وارتباطها بالطابع التعزي، ومدى حملها لرسائل ثقافية قابلة للتقديم المعاصر

ويصف الحريبي مراحل العمل بأنها أربعة مسارات مترابطة: التحضير اللوجستي، وإعداد المادة التدريبية، ثم التدريب النظري والعملي الذي يركز على أساسيات الموسيقى والمقامات والأداء الجماعي وخصوصيات اللون الغنائي المحلي واليمني عامةً، يليه مسار التوثيق عبر تسجيلٍ مرئي وصوتي للجلسات؛ لتكوين أرشيف رقمي، وأخيرًا مسار الإنتاج النهائي للتسجيلات والأعمال الفنية

وفيما يخص اختيار المشاركين، تم التركيز على أعضاء فريق كورال تعز القائم، مع معايير تشمل الموهبة الصوتية الأولية، والالتزام، والتمثيل الجغرافي والاجتماعي، مع إعطاء أولوية للفئات ذات الفرص المحدودة

“كما أخذنا بعين الاعتبار الحماس والرغبة في التعلم وإمكانية الاستمرار”، يضيف الحريبي

يواجه المشروع تحدياتٍ صعبة، كونَه أول مشروع من نوعه في محافظةٍ “تفتقر لأدنى المقومات المؤسسية لتدريبات الأداء والموسيقى”، بحسب الحريبي

وتتراوح هذه التحديات بين اللوجستية والتقنية، مثل تجهيز مكانٍ مناسبٍ وتنقل المشاركين، والتحديات الفنية المتمثلة في تفاوت المستويات، ودمج المقاطع التراثية مع الأداء الكورالي المتجانس، ناهيك عن “محدودية مصادر التمويل مقارنةً مع طموح المؤسسة”

أما بخصوص التمويل، فيكشف الحريبي أن الاستمرار أصبح ممكنًا بفضل منحةٍ من معهد “جوته” الألماني، ضمن مشروع “مراكز اليمن الإبداعية” الممول من الاتحاد الأوروبي

هذا الدعم مكّن من تنفيذ حزمةٍ متكاملةٍ من التدريب والإنتاج والتوثيق

ويبقى التحدي الأكبر هو “استدامة التمويل” بعد انتهاء المنحة؛ ما يدفع الفريق للعمل على بناء شراكاتٍ محلية، خاصةً بعد الاعتماد الرسمي للفرقة من قبل مكتب الثقافة بتعز؛ ما يفتح آفاقًا للتقديم المحلي والوطني والحصول على تمويلاتٍ مستقبلية

يؤكد سام البحيري أن أثر المشروع متعدد الأوجه: تأهيل الشباب، وفتح قنوات تواصل مع الجهات المانحة والمكاتب الحكومية (كالثقافة والسياحة والشباب)، وإثراء المشهد الثقافي بتعز عبر الحفاظ على الموروث، وتعريف الناس بأصالتهم، وإيجاد فرص عمل، والاعتزاز بالهوية المحلية وتقديمها “بطابعٍ إبداعي وجمالي”

وللحريبي رؤية مستقبلية أوسع: “أن يصبح ‘نَغَم من تعز’ منصةً دائمة لتدريب المواهب المحلية وتوثيق التراث، وأن يتحول الفريق إلى فرقةٍ مرجعية تمثل تعز في المهرجانات”

وتشمل خطط التوسع دوراتٍ تدريبية دورية، وإطلاق نسخٍ مماثلة في محافظات أخرى، والتعاون مع مراكز إبداعية، وتطوير برامج تعليمية للمدارس

للمشاركين في المشروع قصصهم وتجاربهم العميقة

حيث انضمت فريدة الحمادي للمشروع بدافع “حب الموسيقى التراثية والرغبة في أن تكون جزءًا من عملٍ يحيي جمالها”

وتقول: “الأغاني تذكرها “بأجواء البيت القديمة وأجدادي”، وتعلمت خلال التدريب “الانسجام الصوتي والثقة بالنفس”

وتصف العمل الجماعي بـ”روح الوحدة”

وتتفق صابرين الشرعبي مع هذا الشعور، فما دفعها للمشاركة نابع من “اهتمام حقيقي” كون المشروع “غير مسبوق”

وتقول: “ما تعلمته جعلني أفتخر بتراثنا، وعرفتُ أن لدينا تراثًا يجب أن يُسجل ويظهر كما يليق به”

وتصف عمل الفريق بأنه قائم على “الحب والشغف”، مؤكدةً أن المشروع كان بمثابة “دافع للتعلم أكثر”

“نَغَم من تعز” أكثر من مشروع فني؛ هو محاولة حية لسد فجوةٍ مؤسسية، وخلق ذاكرةٍ رقميةٍ لمنظومةٍ ثقافيةٍ غنية، وبناء جيلٍ جديد من الفنانين يحملون هويتهم بفخرٍ ويطورونها بإبداع

في ظل التحديات، يظل إصرار القائمين عليه وتأثر المشاركين به دليلًا على أن حب التراث وحاجة الشباب للتعبير والإنجاز يمكن أن يلتقيا لينتجا نغمًا قادرًا على اختراق صمت الإهمال، ويحمل ألحان تعز من الماضي إلى الحاضر، ليضمن لها المستقبل

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن