26 سبتمبر.. حين أعاد الحوثيون لليمنيين اكتشاف معنى الثورة

منذ 3 ساعات

على مدى عقود، ظل السادس والعشرون من سبتمبر حاضرًا في حياة اليمنيين باعتباره يومًا وطنيًا يستعاد كل عام بالاحتفالات والأناشيد والرايات والصور القديمة، وتُروى فيه قصة الثورة التي أطاحت بالنظام الإمامي في شمال اليمن عام 1962 وأعلنت قيام الجمهورية

غير أن حضور هذه المناسبة لم يكن واحدًا في وعي الأجيال المتعاقبة؛ فجبل الآباء والأجداد الذي عاصر الثورة أو عاش آثارها المباشرة كان ينظر إليها بوصفها تحولًا تاريخيًا غيّر شكل الدولة والمجتمع، بينما نشأت أجيال لاحقة في ظل الجمهورية، فلم تعرف النظام الإمامي إلا من الكتب والحكايات التي نقلها الآباء

وبمرور الوقت، أصبح كثير من أبناء هذه الأجيال ينظرون إلى سبتمبر باعتباره جزءًا مستقرًا من الماضي، وإلى الجمهورية باعتبارها حقيقة لا تحتاج إلى دفاع مستمر

 لكن السنوات الأخيرة أعادت صياغة هذه العلاقة مع الذاكرة

فعندما تمددت جماعة الحوثي وسيطرت على صنعاء في سبتمبر 2014، ثم اتسعت الحرب وتعمقت الانقسامات، وجد اليمنيون أنفسهم أمام واقع أعاد إلى الواجهة أسئلة ظن كثيرون أنها أصبحت من الماضي: ما معنى الجمهورية؟ وما الذي قامت من أجله ثورة سبتمبر؟ وهل يمكن أن تعود الإمامة في صورة جديدة بعد أكثر من نصف قرن على سقوطها؟ لم يعد السؤال بالنسبة إلى قطاعات واسعة من اليمنيين مجرد نقاش تاريخي، بل صار جزءًا من حياتهم اليومية

 ذاكرة قديمةكان من الصعب على أبناء الأجيال التي ولدت في ظل الجمهورية أن يدركوا تمامًا قيمة نظام لم يعرفوا غيره

فالإنسان لا يشعر عادة بقيمة الأشياء التي يجدها أمامه منذ ولادته؛ ولذلك بدت الجمهورية بالنسبة إلى أجيال واسعة أمرًا طبيعيًا، مثل المدرسة والجامعة والوظيفة الحكومية والانتخابات والمؤسسات العامة، حتى وإن كانت هذه المؤسسات قد مرت طوال تاريخها بمشكلات وأزمات واختلالات

 أما النظام الإمامي، فقد بدا للكثير من الشباب شيئًا ينتمي إلى كتب التاريخ

كانوا يسمعون عن الثورة، ويحفظون تاريخها، ويشاركون في الاحتفالات المدرسية، وربما يعرفون أسماء قادتها ورموزها، لكنهم لم يعيشوا الظروف التي جعلت اليمنيين يخاطرون بحياتهم من أجل إسقاط ذلك النظام

 لهذا لم يكن السادس والعشرون من سبتمبر بالنسبة إلى الجميع تجربة شخصية، وإنما ذكرى وطنية موروثة

وكان من الصعب على جيل لم يعرف الخوف من عودة الإمامة أن يستشعر الخطر الذي دفع الآباء والأجداد إلى الثورة عليها

ثم تغير كل شيء

 عودة الماضيمع صعود الحوثيين، بدأ الماضي يظهر من جديد في النقاش اليمني، لكن هذه المرة في مواجهة واقع معاصر

فالجماعة التي خرجت من شمال اليمن ورفعت خطابًا دينيًا وسياسيًا خاصًا بها، تمكنت من التوسع عسكريًا وسيطرت على صنعاء، قبل أن تتسع رقعة الحرب وتدخل البلاد في واحدة من أطول أزماتها الإنسانية والسياسية

 وبالنسبة إلى قطاعات واسعة من اليمنيين، لم تكن المشكلة في السيطرة العسكرية وحدها، وإنما في ما رافقها من ممارسات رأوا فيها تهديدًا لفكرة الدولة والمواطنة

وقد وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية خلال سنوات النزاع انتهاكات ارتكبتها أطراف مختلفة، فيما وثقت تقارير أممية حالات اعتقال تعسفي واختفاء وقيود على المجتمع المدني في مناطق سيطرة الحوثيين، إلى جانب استمرار احتجاز موظفين أمميين وعاملين في المجال الإنساني

 وفي مجتمع أنهكته الحرب، لم تعد هذه الوقائع تُقرأ كأخبار بعيدة

خلف كل رقم عائلة، وخلف كل حالة تجنيد طفل أم وأب، وخلف كل معتقل أسرة تنتظر عودته، وخلف كل موظف بلا راتب بيت تتراكم فيه الحاجة

وهكذا بدأ اليمنيون يقرأون الحاضر بعين الماضي، ويقرأون الماضي بعين الحاضر

 أبناء الجبهاتمن أكثر الصور التي أعادت تعريف معنى الحرب لدى اليمنيين صورة الطفل الذي يغادر مدرسته إلى الجبهة

وقد وثقت الأمم المتحدة لسنوات تجنيد واستخدام الأطفال في النزاع اليمني، فيما وقع الحوثيون عام 2022 خطة عمل مع الأمم المتحدة للتعهد بمنع تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاع، وهو ما يعكس حجم المشكلة التي كانت قد أصبحت جزءًا من ملف الحرب

 حين يرى الأب ابنه الذي كان يفترض أن يحمل حقيبته المدرسية وهو يحمل السلاح، تتغير علاقته بفكرة الدولة والحرب والجمهورية

وحين يفقد شاب حياته في معركة لم يخترها، تبدأ الأسرة في السؤال عن معنى المشروع الذي أُرسل من أجله إلى الموت

 في هذه اللحظة، لم تعد الثورة مجرد قصة عن رجال عاشوا قبل ستة عقود

أصبحت بالنسبة إلى كثيرين مرتبطة بمستقبل أبنائهم، وبالسؤال عما إذا كان الطفل اليمني سيكبر في مدرسة أم في معسكر، وفي جامعة أم في جبهة، وفي دولة تحميه أم في صراع يحوله إلى وقود

 راتب غائبولم تتوقف آثار الحرب عند الجبهات

فالموظف اليمني وجد نفسه في مناطق سيطرة الحوثيين أمام أزمة رواتب طويلة، وأصبحت الأجور والخدمات العامة واحدة من أكثر الملفات التي تكشف عمق الانهيار الذي أصاب مؤسسات الدولة

وتفيد تقارير أممية حديثة بأن موظفي الخدمة المدنية في مناطق سيطرة الحوثيين ظلوا منذ سنوات يعانون من عدم الحصول على رواتب كاملة، في وقت أدى فيه الانقسام الاقتصادي والحرب إلى إضعاف قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية

 ومع مرور السنوات، تحولت قضية الراتب من مشكلة اقتصادية إلى سؤال أوسع عن معنى الدولة نفسها

فالدولة بالنسبة إلى المواطن ليست علمًا على مبنى حكومي فقط؛ الدولة هي الموظف الذي يحصل على راتبه، والمعلم الذي يقف أمام طلابه، والطبيب الذي يعمل في المستشفى، والقاضي الذي يصدر حكمه بعيدًا عن السلاح، والشرطي الذي ينفذ القانون، والطريق الذي يصل بين القرية والمدينة، والماء الذي يصل إلى المنزل

وعندما تتراجع هذه الوظائف، يشعر المواطن أن الدولة نفسها تتراجع

وهنا أيضًا عادت 26 سبتمبر إلى الذاكرة

 عاصمة منهكةولم تكن صنعاء بعيدة عن هذا التحول؛ فالعاصمة التي كانت مركزًا للحياة السياسية والإدارية والاقتصادية، ومقصدًا لليمنيين من مختلف المحافظات، أثقلتها سنوات الحرب والانقسام وتراجع الاقتصاد والخدمات

ومع سيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة في العاصمة، وما رافق ذلك من تضييق على الحريات واعتقالات وقيود على العمل المدني، تغيرت ملامح الحياة اليومية في مدينة أصبحت واحدة من أبرز ساحات الصراع على الدولة نفسها

 ولم يعد أثر الحرب في صنعاء يقتصر على المباني والشوارع، بل امتد إلى تفاصيل حياة السكان؛ في موظف ينتظر راتبه، وطالب يواجه نقص الإمكانات، ومريض يبحث عن خدمة صحية، وأسرة تحاول تأمين احتياجاتها وسط الغلاء وتراجع القدرة الشرائية

وهكذا بدت العاصمة، التي كانت يفترض أن تكون عنوانًا للدولة ومؤسساتها، شاهدًا حيًا على كلفة تراجعها، وعلى مدينة فقدت جزءًا من حيويتها تحت وطأة الحرب والأزمة الاقتصادية والقيود، لتصبح استعادة الدولة والقانون والخدمات في ذاكرة كثير من أبنائها جزءًا من معنى استعادة صنعاء نفسها

 معنى الكرامةلم يكن اليمنيون الذين خرجوا في سبتمبر 1962 يبحثون عن تغيير اسم النظام فقط، بل ارتبطت الثورة في خطابها التاريخي بمفاهيم الحرية والكرامة والمساواة وبناء دولة حديثة

وبعد أكثر من ستة عقود، أصبحت هذه المفاهيم أكثر حضورًا في الخطاب اليمني بسبب التجربة التي عاشها الناس خلال الحرب

 فالكرامة التي كانت كلمة في خطاب سياسي أصبحت بالنسبة إلى المواطن مرتبطة بقدرته على العيش دون خوف، والتعبير عن رأيه، والحصول على حقوقه، وإرسال أطفاله إلى المدرسة، والحصول على راتبه، والعيش في بيئة لا يُفرض فيها السلاح على المجتمع

 ومن هنا، فإن استعادة اليمنيين لذكرى سبتمبر خلال السنوات الأخيرة لم تكن مجرد استعادة للماضي، بل كانت محاولة لفهم الحاضر

كلما رأى المواطن سلطة السلاح فوق سلطة القانون، عاد إلى الحديث عن الجمهورية

وكلما رأى تمييزًا بين المواطنين، عادت إلى الذاكرة فكرة المساواة

وكلما رأى طفلًا يُدفع نحو الحرب، عاد السؤال عن اليمن الذي أرادته الثورة لأجيالها المقبلة

 جيل اكتشفربما كان أكبر التحولات التي أحدثتها السنوات الماضية أن جيلًا كاملًا بدأ ينظر إلى 26 سبتمبر بطريقة مختلفة

الشاب الذي كان يسمع عن الثورة في المدرسة أصبح يبحث عن تفاصيلها بنفسه

عاد إلى شهادات الآباء، وقرأ الكتب التاريخية، وشاهد الصور القديمة، واستمع إلى قصص الذين عاشوا مرحلة ما قبل الجمهورية وما بعدها

وبدأ يقارن بين ما قرأه عن الماضي وما شاهده في حاضره

 لم يعد يريد أن يعرف فقط متى قامت الثورة ومن قادها، بل أراد أن يفهم لماذا قامت، وما الذي أرادت تغييره، ولماذا بقيت فكرة الجمهورية حاضرة حتى اليوم

وهكذا تحولت الذاكرة من مادة مدرسية إلى سؤال شخصي

 لقد أدرك كثيرون قيمة الأشياء التي لم يكونوا يشعرون بقيمتها عندما كانت تبدو مضمونة

أدركوا معنى أن تكون الدولة صاحبة القرار، وأن يكون القانون هو المرجع، وأن تكون المواطنة أساس الحقوق، وأن لا يتحول الانتماء الاجتماعي أو السلالي إلى وسيلة لفرض سلطة سياسية على المجتمع

 سبتمبر جديدبهذا المعنى، أصبح لسبتمبر وجه جديد

فالثورة التي عرفها الآباء باعتبارها حدثًا عسكريًا وسياسيًا، أصبح ينظر إليها جيل جديد باعتبارها مشروعًا لبناء دولة

ولم يعد الدفاع عنها بالنسبة إلى كثير من اليمنيين مجرد الاحتفال بذكراها، وإنما الدفاع عن المبادئ التي ارتبطت بها

 ولهذا ظهر خلال سنوات الحرب خطاب جمهوري واسع في الصحافة ووسائل التواصل والفعاليات العامة، يستحضر رموز سبتمبر ويربطها بفكرة الدولة والمواطنة، ويرفض عودة الحكم القائم على الامتيازات الوراثية أو سلطة السلاح

وفي هذه النقطة تحديدًا، أصبحت الذاكرة جزءًا من المعركة

فالمعركة لم تعد عسكرية فقط؛ هناك معركة على الرواية، وعلى تفسير التاريخ، وعلى ما إذا كان اليمنيون سيقبلون بأن يتحول الماضي إلى مستقبل

 بين جيلينفي أحد طرفي هذه الذاكرة يقف رجل عاش سنوات الثورة أو سمع تفاصيلها من والده، وفي الطرف الآخر شاب ولد بعد عقود من قيام الجمهورية، لكنه عاش الحرب والحوثيين بنفسه

الأول يعرف قيمة الجمهورية لأنه يتذكر كيف كان اليمن قبلها

والثاني يعرف قيمتها لأنه رأى ما يحدث عندما تتراجع الدولة ويتقدم السلاح

وبينهما، تلتقي تجربتان مختلفتان عند نتيجة واحدة: أن الجمهورية ليست مجرد اسم لنظام سياسي، وأن الحفاظ عليها يحتاج إلى وعي دائم بأسباب قيامها

 ولعل هذه هي المفارقة الأكبر التي صنعتها السنوات الأخيرة؛ فالثورة التي كان يخشى عليها من النسيان عادت إلى الواجهة بقوة أكبر عندما شعر اليمنيون أن ما اعتقدوا أنه أصبح جزءًا نهائيًا من التاريخ قد يعود مرة أخرى

 ذاكرة تقاوملم تعد ذكرى سبتمبر اليوم حبيسة الكتب أو المناسبات الرسمية

إنها حاضرة في الأغنية والصورة والمنشور والمقال والشهادة العائلية، وحاضرة في حديث الناس عن الدولة والمواطنة والحقوق

الأسر التي فقدت أبناءها في الحرب تتحدث عن مستقبل مختلف لأطفالها

والشباب الذين عاشوا سنوات النزاع يربطون بين الاستقرار وبين وجود دولة قوية

والصحفيون والناشطون الذين يوثقون الانتهاكات يرون في الذاكرة وسيلة لمقاومة النسيان، بينما يرى كثير من اليمنيين في استعادة تاريخ سبتمبر تذكيرًا بأن الجمهورية لم تكن نتيجة حتمية، وإنما ثمرة صراع طويل دفع اليمنيون ثمنه غاليًا

 وهنا يصبح حفظ الذاكرة فعلًا من أفعال المقاومة السلمية؛ مقاومة الرواية التي تريد أن تجعل الإمامة قدرًا، أو تجعل السلاح طريقًا وحيدًا إلى السلطة، أو تجعل المواطن تابعًا لا شريكًا

 ثورة الأهداف لكن استعادة سبتمبر لا تعني أن كل ما حدث خلال العهد الجمهوري كان نجاحًا

فاليمن عاش طوال العقود الماضية أزمات سياسية واقتصادية وصراعات مسلحة، وشهد فسادًا وضعفًا في المؤسسات وإخفاقات في بناء الدولة

ولذلك فإن الدفاع عن الجمهورية لا يعني الدفاع عن أخطاء الأنظمة والحكومات التي تعاقبت على حكم البلاد

 بل إن أحد أكثر المعاني أهمية لسبتمبر اليوم هو أن الجمهورية نفسها تحتاج إلى أن تكون أفضل مما كانت عليه

فإذا كان اليمنيون قد ثاروا على الاستبداد، فإن الدولة الجمهورية مطالبة بعدم إنتاج الاستبداد بصور جديدة

وإذا قامت الثورة على فكرة المساواة، فإن الدولة مطالبة بحماية المساواة

وإذا كان الهدف بناء دولة حديثة، فإن المؤسسات يجب أن تكون أقوى من الأشخاص والجماعات

وهنا تتحول أهداف الثورة إلى مسؤولية الحاضر

 دولة للجميعبعد كل ما عاشه اليمن، ربما أصبحت فكرة الدولة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى

دولة لا تقوم على السلالة، ولا على القوة المسلحة، ولا على الولاءات الضيقة، ولا على احتكار الحقيقة السياسية أو الدينية، وإنما على المواطنة المتساوية

 دولة يكون فيها الطفل طفلًا قبل أن يكون مشروع مقاتل، والموظف موظفًا قبل أن يكون تابعًا سياسيًا، والمواطن مواطنًا قبل أن يُسأل عن منطقته أو أسرته أو انتمائه

وهذا هو المعنى الذي يجعل 26 سبتمبر حاضرة في النقاش اليمني حتى اليوم

المعركة الأعمقلقد أثبتت السنوات الماضية أن السيطرة على الأرض ليست نهاية الصراع

 قد تسيطر جماعة على مدينة، لكنها لا تستطيع بالضرورة السيطرة على ذاكرة مجتمع كامل

وقد تفرض خطابًا في المدارس والإعلام، لكن الناس يواصلون مقارنة ما يسمعونه بما يعيشونه

ولهذا أصبحت معركة الوعي واحدة من أهم المعارك في اليمن

 فاليمنيون الذين عاشوا الحرب لا يريدون فقط أن تنتهي المعارك؛ يريدون أن يعرفوا أي دولة ستأتي بعدها

هل ستكون دولة قانون؟ هل ستكون دولة مؤسسات؟ هل ستكون دولة مواطنين متساوين؟ أم سيعاد إنتاج السلطة بمنطق جديد، بينما تبقى أسباب الصراع القديمة؟هنا تكتسب سبتمبر أهميتها

 أبناء الغدربما سيكون الجيل الذي يعيش الحرب اليوم هو الأكثر قدرة على فهم معنى الثورة عندما يكبر

فالطفل الذي رأى مدرسته تتوقف، أو شاهد أسرته تبحث عن راتب، أو فقد قريبًا في الحرب، أو عاش النزوح، لن يقرأ مفهوم الدولة بالطريقة نفسها التي قرأه بها جيل لم يعش هذه التجربة

وعندما يكبر هذا الجيل، سيطرح السؤال الذي يطرحه كل جيل بعد الحروب: لماذا حدث كل ذلك؟وستكون الإجابة مرتبطة بما إذا كان اليمنيون قد استطاعوا تحويل تجربتهم المريرة إلى دولة أكثر عدلًا واستقرارًا، أم أن التاريخ سيعيد نفسه بأسماء وشعارات مختلفة

 المعنى الأخيربعد أكثر من ستة عقود، لم تعد 26 سبتمبر مجرد صفحة في كتاب التاريخ اليمني

لقد تحولت، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع، إلى ذاكرة أعادتها الحرب إلى الحياة

لم يكن كثير من اليمنيين بحاجة إلى العودة إلى الماضي عندما كانت الجمهورية تبدو أمرًا مسلمًا به

لكن حين ظهرت ملامح مشروع يراه خصوم الحوثيين امتدادًا لفكرة الإمامة، وحين شهد الناس الحرب والانتهاكات والتجنيد وأزمة الرواتب وتراجع الخدمات، بدأوا يبحثون من جديد عن معنى الثورة التي أسست الجمهورية

 اكتشفوا أن ما اعتادوا عليه لم يكن أمرًا طبيعيًا بالضرورة

اكتشفوا أن الدولة يمكن أن تضعف، وأن الحقوق يمكن أن تُنتزع، وأن الطفل يمكن أن يتحول إلى مقاتل، وأن الموظف يمكن أن يفقد راتبه، وأن المدرسة يمكن أن تصبح ساحة صراع، وأن الكرامة التي تبدو بديهية يمكن أن تصبح مطلبًا

وتؤكد التقارير الأممية الحديثة أن آثار الحرب والأزمة الاقتصادية لا تزال تضغط بقوة على اليمنيين، فيما تتركز نسبة كبيرة من الاحتياجات الإنسانية في مناطق سيطرة سلطات الأمر الواقع الحوثية، مع استمرار القيود والاحتجازات التي تعيق العمل الإنساني

 ومن هنا عادت سبتمبر

عادت في الذاكرة، وفي الخطاب، وفي الأغنية، وفي الكتابة، وفي صور الشهداء، وفي أحاديث الآباء، وفي وعي جيل جديد وجد نفسه مضطرًا إلى الدفاع عن معنى لم يعشه في بدايته

لقد أعادت تجربة الحوثيين والحرب، وما ارتبط بها من وقائع وانتهاكات وثقتها جهات أممية وحقوقية، طرح سؤال الإمامة والجمهورية بقوة في الوعي اليمني، وأجبرت أجيالًا لم تعش ثورة 1962 على النظر إليها من زاوية مختلفة

فلم تعد سبتمبر عند كثيرين ذكرى آبائهم فقط، بل أصبحت قضية تتصل بحاضرهم ومستقبل أبنائهم

 ومن أجل ذلك، لم يعد النضال من أجل سبتمبر بالنسبة إلى أنصار الجمهورية مجرد رفع علم في يوم وطني، بل أصبح، في جوهره، نضالًا من أجل دولة لا يُستخدم فيها اليمني وقودًا لمشروع سياسي، ولا يُحرم فيها الطفل من مدرسته، ولا الموظف من راتبه، ولا المواطن من حقه في التعبير، ولا الإنسان من كرامته

 إنها معركة طويلة لا تنتهي بانتهاء احتفال أو خطاب، لأن تحقيق أهداف سبتمبر، كما يراها أنصارها اليوم، لا يكتمل بإسقاط مشروع سياسي بعينه وحده، وإنما ببناء دولة يستطيع فيها اليمني أن يشعر للمرة الأولى أن الجمهورية ليست مجرد ذكرى جميلة عن الماضي، بل واقع يعيشه كل يوم

 وهنا، ربما تكمن المفارقة الكبرى في تاريخ سبتمبر: أن الثورة التي ظن البعض أن الزمن سيطويها، أعادتها الحرب إلى الواجهة، وأن الجيل الذي لم يعشها وجد نفسه أكثر احتياجًا إلى فهمها، وأن أبناء اليوم الذين لم يسمعوا صوتها عام 1962، باتوا يحملون سؤالها في عام 2026:كيف نحول الجمهورية من ذكرى دافع عنها الآباء إلى دولة يحميها الأبناء؟