أخصائية نفسية تقدم نصائح لتجاوز “القلق”
منذ 22 دقائق
تعز- أميرة غالبمطلع أكتوبر الجاري، سيطرت جماعة الحوثي على أغلب مناطق الحجرية، جنوب تعز، دون مواجهاتٍ في مديريتي المعافر والشمايتين
ثم تبعتها مديريتا المواسط والصلو بأيامٍ قليلة
لم يتوقف الأمر هنا، بل واصل المسلحو الحوثيون حملتهم باتجاه المدينة لمحاولة السيطرة عليها
تصف المواطنة (س
ج
) من مديرية المعافر أوضاعها منذ ذلك الحين: “أصبحنا نجلس داخل بيوتنا ونغلق الأبواب، الناس لا تخرج إلا للضرورة”، وتتابع: “أخرج لجلب الزرع للمواشي من مكانٍ قريب إلى البيت وأعود مسرعة”
ويقول المواطن (م
ع
) من مديرية المعافر، جنوب غرب تعز: “أصبحتُ أقضي يومي داخل المنزل ولا أذهب إلى مكان، أنتظر ما الذي سيحصل في الأيام القادمة؟”
ويضيف: “الأسواق أغلقت، تفتح بعض المحال التي تبيع الحاجات الضرورية في ساعات الصباح الأولى، ويذهب بعص الناس الذين تنقصهم حاجيات البيت ثم يعودون، ترى رجال القرى يتجمعون عصرًا بعيدًا عن الأسواق وأماكن تجمع المسلحين؛ ليتحدثوا عن الأوضاع، وما إن يحل الظلام الكل يغلق أبوابه”
“كل ما في الحياة توقف، وكأن ساعة الزمن توقفت هنا، هدوء تام يسود تلك المناطق، هدوء يترقب ماذا بعد؟، وخوف من اندلاع اشتباكاتٍ في أي لحظة”، بحسب المواطن (م
ع
)
بعد أن كانت تلك المناطق الريفية تشهد حركةً لا تتوقف حتى منتصف الليل، يسود اليوم الهدوء التام فجأة، ولا تكاد تُسمع فيها أصوات الناس الخائفة والمترقبة
تُعرّف الأخصائية النفسية في نقابة الأخصائيين النفسيين بتعز، الدكتورة عزية الحاشدي، حالة الترقب لدى الناس في أوقات الصراع: “يعيش الإنسان تحت وطأة توقعات سلبية مستمرة ترسم سيناريوهات كارثية لمستقبل مجهول”
يغرق الفرد في ظروف الأزمات والتحولات الكبرى في حالةٍ من الشك وعدم اليقين
وينشأ الشعور بالتهديد؛ نتيجة العجز عن التنبؤ بما سيحدث بشكل واضح
يتعامل الدماغ مع المجهول باعتباره تهديدًا وجوديًا حقيقيًا
ويطلق الجهاز العصبي إشاراتٍ تحذيرية مستمرة تضع الجسم في حالة تأهب دائم
لا يتوقف الأمر عند تعليق العمل فقط ولكن هناك ما هو أسوأ من ذلك وهو الخوف والرعب، حيث تقول المواطنة (س
ج
): “مافيش أمان، خائفين واحنا داخل بيوتنا”
أصبحت الناس تعيش في قلقٍ وخوفٍ دائمَين، الخشية من انفجار الوضع عسكريًا، والقلق من تبعات السيطرة القائمة، والخوف من أن تطول فترة الاضطراب دون أفقٍ واضح للخروج منها
وأكثر ما يتم الحديث عنه حاليًا حرب خلال الأيام القادمة: “هناك دعم وقوات قادمة للتحرير، الطيران سيقصف، حملات تفتيش تشنها الجماعة على المنازل والجوالات”
توضح الحاشدي أن الخوف والترقب المستمر يؤديان إلى استنزاف كامل للطاقة
يمتد هذا التأثير ليشمل الجانب النفسي والجسدي والعقلي
ونتيجة لذلك، يفرز الجسم هرمونات التوتر بكمياتٍ كبيرة
يستمر إفراز “الكورتيزول” و”الأدرينالين” لفتراتٍ طويلة
وترفع هذه الهرمونات من حدة القلق والتوتر لدى الإنسان
بالإضافة إلى ذلك، يعاني الشخص من التشتت وضعف التركيز
ويواجه صعوبةً بالغة في إنجاز المهام اليومية كالعمل والدراسة
تتذكر (س
ج
) أيامها السابقة حين كانت تخرج للعمل والسوق
كانت تلتقي صديقاتها في التجمعات، وتذهب معهن للنزهة في الوديان
أما اليوم، فقد تغيّر كل شيء
أصبحت مجرد المحاولة للخروج أمام باب المنزل تصيبها بالرعب الشديد
يقف (م
ع
) وسط سوق خالٍ تمامًا من المارة
كانت الزحمة فيما مضى تسد الطرقات، بينما يمتد الصمت الآن بين المحال المغلقة
توقفت أسباب العيش في المدينة، ودخل الناس في حالة انتظارٍ قاسية
يتساءل الرجل بعينين تملؤهما الحيرة عن إمكانية عودة أيامهم السابقة، أم أنهم سيبقون رهائن لهذا الترقب؟
يلتفت حوله ولا يجد أحدًا في الأرجاء
حاصر الخوف السكان داخل منازلهم، وأفرغ الشوارع من روادها
تعدد الحاشدي العلامات النفسية لحالة الترقب والانتظار
تظهر هذه العلامات في شكل قلقٍ مستمر وتوقع دائم للأسوأ
كما تصاحبها سرعة انفعالٍ واضحة وحساسية مفرطة، إلى جانب فقدان شعور الأمان والسيطرة على مجريات الأمور
وتشير الحاشدي إلى العلامات السلوكية والجسدية
حيث يعاني الإنسان من صعوبةٍ في النوم وتلاحقه الكوابيس المزعجة
ويتأثر الجسد بتغيرات حادة تتراوح بين الإفراط في تناول الطعام أو فقدان الشهية تمامًا
وتتجسد السلوكيات القهرية في هوس متابعة الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي
ويغذي هذا السلوك المستمر شعور التهديد وفقدان الأمان، رغم خلو تلك المواقع من أي معلوماتٍ حقيقية
تتحول حالة القلق نتيجة الترقب والتهديد المستمر إلى أزماتٍ أعمق
وتتطور لدى البعض إلى اضطرابات القلق المعمم والاكتئاب المزمن
وتظهر آثار الجسد في صورة أعراضٍ واضحة كالقولون العصبي ومشاكل المعدة وارتجاع المريء
ويعاني المصاب من صداعٍ مستمر واضطراباتٍ في ضغط الدم
تتطور الحالة لدى البعض لتظهر أعراض اضطراب ما بعد الصدمة في صورة صدمةٍ مستمرة
ويتفكك النسيج الاجتماعي وتزداد الشكوك وتضيع الثقة بين الناس
كما يتحول هذا الصراع النفسي لدى حالاتٍ معينة إلى اضطرابات عقلية حقيقية
ولتقليل تلك الأضرار، تقدم الحاشدي عدة طرق لتجنب الآثار بعيدة المدى
وتقترح التعايش مع الظروف التي تعيق الحياة بأساليب عملية
يرتكز الحل الأول على التركيز في دائرة التحكم الخاصة بالإنسان
وتشمل هذه الدائرة البيئة المحيطة، الطعام، والنوم والأفعال المباشرة
وتقول: “الحفاظ على روتينٍ يومي منتظم يساعد في حماية الاستقرار النفسي
وذلك يتطلب مواصلة العمل وتناول الوجبات في أوقاتها وقضاء وقت مخصص مع الأسرة
وهذه الخطوة تمنح الدماغ إيحاءً كافيًا بالأمان المفقود في الخارج”، بحسب الحاشدي
وتوضح خطوات بسيطة لخفض التوتر اليومي
فالإنسان يمكن أن يقضي على القلق عن طريق الابتعاد عن متابعة الأخبار والشائعات
كما تسهم تمارين التنفس العميق في تخفيف استثارة الجهاز العصبي
كما يساعد تفريغ المشاعر والاعتراف بالخوف أمام دائرة المقربين في خفض حدة الضغط
وتضيف: “التكافل المجتمعي يؤدي دورًا بارزًا في تقليل الشعور بالعزلة، ويعلم الإنسان أنه ليس وحده في المعاناة؛ مما يخفف ألمه النفسي
ويعزز تبادل الخدمات والمساعدات بين الأقارب والجيران شعور الأمان
ويلامس الناس مشاعر بعضهم وتقوى بذلك روابط النسيج والحماية المجتمعية”
ويخفف التواصل العائلي والاجتماعي من حدة المخاوف عبر إتاحة فرصةٍ حقيقية للتفريغ والتعبير
وتسهم منصات التوعية النفسية وخطوط الدعم الساخنة في تقديم استشارات عن بُعد
ويكتمل هذا الدور بالتعاون المجتمعي في تقديم المساندة العينية وقت ارتفاع الأسعار وانعدام السلع
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected][related_posts] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن