أطفال تعز.. ضحايا نقص أمصال داء الكلب
منذ ساعة
تعز- إلهام القاضي & نجوى حسنفي أواخر يونيو الماضي، استيقظ الوالد ناجي صالح، على صرخات ابنه الأكبر، يخبره بتعرّض طفله ضيف الله (أربعة أعوام)، من سكان مديرية المواسط، بمحافظة تعز، لعضة كلبٍ مسعور بالقرب من منزله
يقول والد ضيف الله: “أسعفته فورًا إلى أقرب مركزٍ صحي في المنطقة، إلا أن الكادر الطبي كان يفتقر إلى خبرة التعامل مع مثل هكذا الحالات، واكتفوا بالتنظيف السطحي للجرح ثم خياطته فورًا؛ ما تسبب في احتجاز الفايروس داخل جسد طفلي وتخطيه الجهاز العصبي وصولًا إلى الدماغ”
يشير الوالد إلى أنه يواجه مع أهالي الريف صعوباتٍ كثيرة، تمثلت في غياب التوعية بالإسعافات الأولية وانعدام الأمصال “اللقاحات” في المراكز الصحية الريفية، فضلًا عن ارتفاع تكاليفها التي يضطر لشراء بعض جرعاتها على نفقته الخاصة بما يقارب 20 ألف ريال يمني
ويضيف: “بعد مرور ما يزيد على أسبوعين، بدأت تظهر على “ضيف” أعراض حمى شديدة وغثيان؛ ما دفع والده لنقله فورًا إلى مركزٍ صحي بالمنطقة لعلاجه”
ولحظة وصوله، لاحظ الكادر الطبي إصابة الطفل بتشنجات لا إرادية؛ فقاموا بتصوير حالة التشنج بالفيديو والتواصل مع مركز داء الكلب في “العين” لإبلاغهم بظهور الأعراض
وأقر المركز حينها بانتشار الفيروس في جسد الطفل، ليُعاد بعدها إلى البيت وسط ارتفاعٍ حادٍ في درجات الحرارة، وفقدانٍ تامٍ للقدرة على الأكل، بحسب تعبير والده
وفي هذا السياق، يقول والد ضيف: “قطعتُ مسافاتٍ طويلة لإنقاذ طفلي، والجرعات الأولى كانت متوفرة في مركز العين، والتزم الطبيب هناك بفك الغرز وتنظيف الجرح مجددًا في اليوم السادس”
ومع تدهور حالة “ضيف الله” واشتداد النوبات والتشنجات، ورفضه التام لأي محاولة للإمساك به أو ملامسته، سارع والده بنقله إلى المستشفى السويدي في منطقة “النقطة الرابع” بمدينة تعز
وهناك تم تحويله فورًا بطلب من الأطباء إلى قسم العزل بالمستشفى، حيث أكد الكادر الطبي أن خياطة الجرح كانت خطأً فادحًا؛ أدى إلى تسريع انتشار الفايروس وصولًا إلى الدماغ، وفق ما نقله والده
مكث الأب جوار طفله في غرفة العزل بمركز داء الكلب بالمستشفى السويدي، بينما كان طفله موصولًا بأجهزة الأكسجين والمغذيات لمدة ثلاثة أيام
وفي اليوم الرابع، فارق “ضيف الله” الحياة جرّاء تفشي الفايروس، تاركًا حزنًا عميقًا وفاجعةً أليمة في قلب والده
يقطع أهالي الريف مسافاتٍ طويلةً لإنقاذ الأطفال المصابين بعضة كلبٍ مسعور، ولكن رحلات الإنقاذ لا تتوّج دومًا بالحياة كما حصل مع الطفل ضيف الله
يعبّر والد “ضيف الله” بحسرةٍ شديدة عمّا آلت إليه الأوضاع، موجهًا رسالةً ومناشدةً عاجلة إلى الجهات المعنية، وعلى رأسها مكتب الصحة والسلطة المحلية، بضرورة تنفيذ حملاتٍ لمكافحة وإبادة الكلاب الضالة المنتشرة بكثرة في القرى
كما طالب بتدريب الكوادر الصحية في الأرياف على الإجراءات الطبية الصحيحة، والتعامل السليم مع هذه الحالات؛ تجنبًا لتكرار هذه الفاجعة الأليمة مع أطفالٍ آخرين
لا يزال عدد العاملين الصحيين في تعز أقل من 15 عامل لكل عشرة آلاف شخص، وهو أقل من الحد المعياري لمنظمة الصحة العالمية المحدد بـ 22، بحسب التقرير الوطني للجمهورية اليمنية المراجعة الوطنية الشاملة للتقدم المحرز نحو تنفيذ اعلان ومنهاج عمل بيجين للفترة 2020-2024
تتجلى الأبعاد الخطيرة لداء الكلب بمديريات محافظة تعز عبر التجاهل الكبير في الحد من انتشار الكلاب الضالة؛ جرّاء نقص الإمكانيات الشديد وغياب التنسيق الفعّال بين الجهات المعنية
وعلى إثر هذه المآسي لوفيات الأطفال نتيجة عضات الكلاب الضالة، بدأ صندوق النظافة والتحسين بتعز في نهاية يوليو الماضي تنفيذ حملةٍ للتخلص من الكلاب الضالة
وقال نائب مدير صندوق النظافة والتحسين، وديع حسّان، إن المرحلة الأولى من حملة مكافحة الكلاب الضالة بدأت في 29 يوليو، واستمرت حتى الثاني من أغسطس الجاري، وفق خطة العمل المعتمدة
وأوضح أن الحملة شملت مناطق تابعة لمديريات صالة، القاهرة، والمظفر، وأسفرت عن التخلص من 650 كلبًا ضالًا، باستخدام الحقن ومادة “الإستركنين” سلفات (سم الكلاب)
وأضاف حسان أن أعمال مكافحة الكلاب الضالة لا تزال مستمرة ضمن الخطة المحددة لمدة عشرة أيام؛ بهدف استهداف جميع مديريات المدينة الرئيسية، وصولًا إلى تغطيةٍ شاملة للمناطق المستهدفة
يستقبل مركز داء الكلب في المستشفى السويدي، بتعز، ما بين 70 إلى 80 حالة شهريًا، تعرّضت جميعها لعضٍ أو خدشٍ الحيوانات في المتوسط، وقد ترتفع في بعض الشهور لتصل إلى 100 حالة، بحسب المنسق العام لمكافحة داء الكلب بالمستشفى، عامر البوصي
وأشار إلى أن إجمالي الحالات التي استقبلها المركز منذ بداية يناير حتى يوليو 2026 بلغت قرابة 600 حالة تعرّضت لعضات كلابٍ ضالة
وأضاف البوصي أن من بين هذه الحالات، سُجلت أربع حالات إصابة مؤكدة انتهت بالوفاة، موضحًا أن أسباب وفاة هذه الحالات ترجع لعدم وصولها للمركز المتخصص في الوقت المناسب، وغياب الإجراءات الإسعافية الأولية الصحيحة؛ سواء باللجوء لمراكز ريفية غير مجهزة؛ أو نتيجة تدخلاتٍ غير مسؤولة من بعض الصيدليات والعيادات غير المختصة، فضلًا عن ضعف الوعي واللامبالاة لدى بعض الأسر
البوصي كشف أن المركز يقدم من جرعتين إلى ثلاث جرعات لكل شخصٍ مصاب، بالإضافة إلى التواصل والتنسيق مع مجموعة هائل سعيد أنعم لتوفير جرعتين للأطفال الذين تعاني أسرهم ظروفًا معيشيةً صعبة، لا سيما مع الارتفاع الكبير في تكلفة اللقاح،
حيث يصل سعر الجرعة الواحدة إلى 35 ألف ريال
معتبرًا أن العائق الأكبر هو غياب الدعم الكافي لبرنامج التوعية بالمركز؛ ما يحول دون تنفيذ حملاتٍ إرشادية واسعة، أو طباعة منشوراتٍ وملصقات صحية تصل لكل المواطنين للوقاية من المرض
أظهر التقرير الإحصائي السنوي لمكتب الصحة بمدينة تعز، لحالات عضة داء الكلب لعام 2025، تسجيل 528 حالة تعرّضت لعضات داء الكلب، شملت الحالات 387 من الذكور و141 من الإناث
وبلغت نسبة الأطفال الذين تعرضوا لعضات الكلاب أكثر من 44%
لم تكن والدة الطفل إياد مهيوب، البالغ من العمر خمس سنوات، تدرك أن اللجوء إلى علاجٍ شعبي عقب تعرّض ابنها لعضة كلب مطلع يوليو الماضي، قد يؤخر حصوله على الرعاية الطبية اللازمة
ففي الساعات الأولى من الحادثة، استخدمت الليمون الحامض على موضع الإصابة اعتقادًا منها بأنه قد يخفف آثار العضة، إلا أن حالة الطفل ازدادت سوءًا مع ارتفاع درجة حرارته واستمرار الألم؛ ما اضطر الأسرة إلى التوجه صباح اليوم التالي إلى مدينة تعز بحثًا عن العلاج
وتروي الأم تفاصيل رحلة العلاج الشاقة، قائلةً إنها اضطرت إلى شراء الجرعة الأولى من لقاح داء الكلب بمبلغ 35 ألف ريال، قبل أن تحصل لاحقًا على جرعتين بدعمٍ من مجمع بيت هائل سعيد، بعد استكمال الإجراءات والتنسيق مع الجهات المعنية، فيما واصلت الأسرة التنقل إلى مدينة تعز لاستكمال بقية الجرعات المقررة
وتضيف أن كلفة العلاج لم تقتصر على سعر اللقاح، بل امتدت إلى نفقات التنقل المتكررة، حيث تجاوز عدد الرحلات أكثر من عشرين رحلة ذهابًا وإيابًا؛ ما أجبرها على الاستدانة لتغطية تكاليف المواصلات والعلاج، والتي تجاوزت 80 ألف ريال
وتختتم الأم مناشدتها بدعوة الجهات المختصة والمنظمات الإنسانية إلى توفير لقاحات داء الكلب مجانًا في المراكز الصحية، خاصةً في المديريات الريفية، موضحةً أن كثيرًا من الأسر لم تعد قادرةً على تحمل تكلفة اللقاح أو نفقات السفر، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة وانتشار الكلاب الضالة
تضع هذه الحالات المأساوية داء الكلب والكلاب الضالة في تعز أمام مجهر المساءلة والمسؤولية المجتمعية؛ إذ تتشابك قصور التوعية الصحية والإسعافية لدى الأسر والأطقم الطبية الريفية، مع عجز الإمكانيات الرسمية وارتفاع التكاليف العلاجية على كاهل المواطنين المنهكين أساسًا
واستمرار هذا التدهور لا يحصد أرواح الأطفال صمتًا فحسب، بل يقرع ناقوس الخطر إزاء كارثةٍ بيئيةٍ وصحية
وتظل الإجراءات العاجلة –ابتداءً من توفير المصل مجانًا بالمديريات، مرورًا بتدريب الكوادر الريفية وتكثيف حملات المكافحة والتوعية– هي طوق النجاة الوحيد لمنع تكرار سيناريو “ضيف الله” و”إياد” في القرى والمدن
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن