الإخفاء القسري في سجون الحوثيين.. جريمة مستمرة تُغيب الضحايا وتُبقي أسرهم رهينة الانتظار
منذ ساعة
على امتداد سنوات الحرب، تحولت قضية المخفيين قسراً في اليمن إلى واحدة من أكثر الملفات الحقوقية تعقيداً وإيلاماً، في ظل استمرار غياب العشرات والمئات عن أسرهم، وانقطاع المعلومات بشأن أماكن احتجازهم أو أوضاعهم الصحية والإنسانية
وفي اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الذي يصادف 30 أغسطس من كل عام، أكد حقوقيون وأكاديميون وصحفيون يمنيون أن الإخفاء القسري في مناطق سيطرة جماعة الحوثيين تجاوز، وفق شهاداتهم، حدود الاعتقال التعسفي ليصبح أداة للترهيب وإسكات الأصوات وإخضاع المجتمع
ويرى المتحدثون أن الضحية في هذه الجريمة لا تقتصر على الشخص الذي يفقد حريته، إذ تنتقل آثارها إلى أسرته التي تعيش في فراغ معلوماتي قاسٍ، فلا تعرف أين يوجد، ولا ما إذا كان حياً، ولا الظروف التي يعيشها
العسلي: الإخفاء القسري جزء من نهج الجماعة وقال الأستاذ الجامعي الدكتور علي العسلي إن الإخفاء القسري بات جزءاً من النهج الذي تتبعه جماعة الحوثيين، معتبراً أن الجماعة لم تُخفِ الأشخاص فقط، وإنما امتد الأمر، بحسب تعبيره، إلى مؤسسات الدولة والسلطة والدستور والشرعية والمعسكرات
وانتقد العسلي ما وصفه بتراجع فاعلية المنظمات الدولية أمام هذه الانتهاكات، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة نفسها لم تتمكن، وفق قوله، من إخراج موظفين تابعين لها مخفيين لدى الحوثيين في صنعاء
وطالب المنظمات الحقوقية والأممية بالتحرك للحصول على كشوفات المحتجزين والمخفيين، وضمان حق أسرهم في معرفة مصيرهم والتواصل معهم والاطلاع على أوضاعهم الصحية
وشدد على أن استمرار الإخفاء القسري يجب أن يدفع الحكومة والقوى المناهضة للحوثيين إلى تسريع جهود استعادة الدولة والجمهورية والمؤسسات، باعتبار ذلك الطريق لإنهاء سيطرة الجماعة على المعتقلين
الزبيري: الانتهاكات لا تستثني أحداً بدوره، قال فهمي الزبيري، مدير مكتب حقوق الإنسان بأمانة العاصمة، إن مئات اليمنيين لا يزالون في عداد المخفيين قسراً داخل سجون جماعة الحوثيين
وأوضح أن هذه الممارسات طالت مختلف شرائح المجتمع، ولم تستثن النساء والأطفال وكبار السن والسياسيين والأطباء والمهندسين والنخب
ووصف الزبيري الإخفاء القسري بأنه من الجرائم الجسيمة، معتبراً أنه يستخدم لترهيب المجتمع وتجريده من قدرته على التعبير وممارسة حقوقه
ودعا الأمم المتحدة إلى الضغط بشكل مباشر وحازم على جماعة الحوثيين للكشف عن مصير المخفيين والإفراج عنهم، مؤكداً ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم
العمدة: الإخفاء القسري يعاقب الأسرة أيضاً وأكد محمد العمدة، رئيس الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، أن جريمة الإخفاء القسري لا تتوقف عند المعتقل، وإنما تمتد إلى أسرته التي تتحول إلى ضحية أخرى
وقال إن الأسرة تبدأ رحلة المعاناة منذ لحظة اقتياد الشخص من منزله أو مكان عمله، ثم نقله إلى جهة مجهولة وانقطاع أخباره
وأوضح أن مرور الأشهر والسنوات دون مكالمة أو زيارة أو محامٍ أو محاكمة عادلة يترك الأسرة في حالة دائمة من القلق
وأضاف أن الأم تنتظر، والزوجة تترقب، والأطفال يكبرون وهم لا يعرفون أين ذهب آباؤهم، لتبقى الأسرة معلقة بين احتمال عودة الغائب والخوف من موته
وأشار العمدة إلى أن سجون الحوثيين تضم، بحسب إفادته، مرضى يعانون أمراضاً مزمنة ويحتاجون إلى أدوية ورعاية طبية مستمرة، محذراً من خطورة حرمانهم من العلاج
واستشهد بحالات قال إنها تعكس استمرار الإخفاء والملاحقة، بينها الناشطة سحر الخولاني والمحامي والحقوقي عبدالمجيد صبرة
كما تحدث عن حالات وفاة قال إن الشبكة رصدتها داخل السجون نتيجة التدهور الصحي أو التعذيب النفسي والجسدي
الجبيحي: الاعتقال يتحول إلى رسالة خوف وفي شهادة من واقع الاعتقال، قال الصحفي والمعتقل السابق حمزة الجبيحي إن الإخفاء القسري يمثل جزءاً من سياسة القمع التي تنتهجها جماعة الحوثيين لترهيب المجتمع وتكميم الأفواه وتقييد الحريات
وأكد أن الجريمة لا تستهدف المعتقل وحده، وإنما ترسل رسالة خوف إلى أسرته ومحيطه الاجتماعي، بسبب غياب المعلومات عن مكان الاحتجاز والظروف التي يعيشها
وقال إن جرائم الإخفاء القسري لا تسقط بالتقادم، وإن آثارها ستظل حاضرة في المجتمع اليمني، حتى بعد انتهاء الحرب والاعتقال
اليوسفي: آثار التعذيب تُخفى عن الأسر من جانبه، تحدث الصحفي والمعتقل السابق هشام اليوسفي عن تجربته داخل الاحتجاز، وقال إن الإخفاء القسري رافق، وفق شهادته، عمليات التعذيب النفسي والجسدي التي تعرض لها المعتقلون
وأوضح أن المعتقلين كانوا يُخفون عقب التعذيب حتى لا تتمكن أسرهم من رؤية آثار الضرب والانتهاكات على أجسادهم في حال السماح بالزيارات
وأشار إلى أن عشرات المختطفين لا يزالون مخفيين قسراً، متوقفاً عند قضية الصحفي وحيد الصوفي الذي قال إنه لا يزال مخفياً منذ أكثر من عشرة أعوام
بين الغياب والانتظار تضع هذه الشهادات قضية الإخفاء القسري أمام مسؤولية حقوقية وإنسانية تتجاوز حدود الضحية المباشرة؛ فغياب المعتقل يخلق غياباً آخر داخل منزله، ويترك أسرته أمام سنوات من الأسئلة المفتوحة
ويرى المتحدثون أن المطلوب لم يعد مجرد تسجيل الانتهاكات، وإنما اتخاذ إجراءات عملية تبدأ بالكشف عن مصير المخفيين، وتمكين أسرهم من التواصل معهم، والسماح للمنظمات الحقوقية بزيارة أماكن الاحتجاز، وضمان الرعاية الصحية والقانونية للمعتقلين
كما طالبوا بالإفراج عن جميع المختطفين والمعتقلين تعسفياً، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم التعذيب والإخفاء القسري
وفي نهاية المطاف، تبقى مأساة المخفيين قسراً مختلفة عن بقية الانتهاكات؛ لأن الموت، رغم قسوته، يحمل خبراً يمكن للأسرة أن تتعامل معه، أما الإخفاء فيبقيها معلقة في مساحة لا نهاية لها بين الأمل والخوف، وبين انتظار عودة الغائب والاستعداد لأسوأ الاحتمالات