البيانات المؤيدة للانتقالي الجنوبي: بين الرسمية والمزيفة
منذ 2 ساعات
عدن- نديم محموديحقق هذا التقرير في حملة تضليلٍ منسقةٍ استُخدمت فيها بيانات رسمية مزورة للإيحاء بدعمٍ حكومي واسع للمجلس الانتقالي الجنوبي في إعلان انفصال جنوب اليمن
نُسبت عشرات الوثائق المزيفة إلى وزاراتٍ يمنية عديدة وسلطات محلية لصياغة موقفٍ مخادعٍ موحد نحو الانفصال
لكن التحقيق أظهر رفضًا من المؤسسات الحقيقية لهذه الادعاءات، مؤكدةً أن البيانات مزورة أو أنها مجرد آراءٍ شخصية غير مصرّح لها قانونًا باتخاذ هذه المواقف
تزامن التضليل الإعلامي الاستراتيجي هذا مع تصعيدٍ عسكري حادٍ في شرق اليمن؛ مما تسبب في خسائر إنسانية ونزوحٍ جماعي
يوثق التحقيق التداعيات السياسية، بما فيها حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي وإقالة قيادته عقب فشل انقلابٍ مؤسسي
خلال الفترة من 21 إلى 25 ديسمبر 2025، شهدت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي تداول نحو 19 بيانًا منسوبًا لحوالي 20 وزارةٍ في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، تؤيد دعوات المجلس الانتقالي الجنوبي لإعلان “دولة الجنوب العربي”
تُظهر عملية البحث والتدقيق، أن غالبية هذه البيانات جاءت على لسان مسؤولين فرديين –وزراء، نوان، ووكلاء– معظمهم موالٍ للمجلس الانتقالي، وبعض هذه البيانات صُوّرت على أنها صادرة عن الوزارة جمعاء؛ ما يثير علامات الاستفهام حول صلاحيتها القانونية والمؤسسية
البيانات التي ظهرت في هذا الإطار اتسمت بتشابهٍ كبير في اللغة والأسلوب، وتكررت فيها مفردات مثل “اللحظة التاريخية”، “الإرادة الشعبية”، و”استعادة الدولة”، مع غيابٍ شبه كاملٍ لأي صياغةٍ قانونية مُلزمة أو إشاراتٍ إلى نصوصٍ دستورية أو قرارات رسمية
هذا الغياب القانوني يجعلها، من الناحية الرسمية والدستورية، أقرب إلى مواقف سياسية فردية أو جماعية، وليس إلى بياناتٍ صادرة عن سلطةٍ تنفيذية وفق الدستور اليمني النافذ
ووفقًا لقانون مجلس الوزراء رقم (3) لسنة 2004، لا يُخوّل للوزير أو وكيله إصدار مواقف سياسية سيادية باسم الوزارة، بل يقتصر دوره على إدارة وزارته وتنفيذ السياسة العامة للدولة
كما يُلزم قانون الخدمة المدنية رقم (19) لسنة 1991 الموظف العام بعدم استغلال منصبه لتحقيق أغراضٍ سياسية، أو التعدي على التدرج الإداري والقرارات الصادرة عن السلطة المختصة
والوزارات التي صدرت عنها بيانات منسوبة تؤيّد المجلس الانتقالي الجنوبي شملت وزارات: الزراعة والري والثروة السمكية، الخدمة المدنية، الشؤون الاجتماعية والعمل، الكهرباء والطاقة، التخطيط والاتصالات، الأشغال والطرق، النقل، الإعلام، المياه والبيئة، الإدارة المحلية، الشؤون القانونية، الأوقاف والإرشاد، العدل، الصناعة والتجارة، والداخلية
بالإضافة إلى بيانات صادرة عن وكيل وزارة التربية والتعليم، وكيل وزارة الصحة، وكيل وزارة الشباب والرياضة، ووزارة التعليم العالي
من خلال التدقيق، تبيّن أن 11 وزارة من أصل 20 نفت صلتها بالبيانات المؤيدة للمجلس الانتقالي، وأكدت أن هذه البيانات “مزيفة” أو “لا تمثل موقفها الرسمي”
وتشمل هذه الوزارات: الإعلام والثقافة والسياحة، الصحة والسكان، العدل، الأوقاف والإرشاد، الشباب والرياضة، الإدارة المحلية، المياه والبيئة، التربية والتعليم، الداخلية، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي
وأوضحت هذه الوزارات في بياناتٍ منفصلةٍ أن البيانات المنسوبة إليها “مزيفة ولا تعبّر عن موقفها المؤسسي”، وأنها لا تمثل “الغالبية الساحقة” ولا تستند إلى “قرارٍ رسمي صادر عن قيادتها العليا”
وأكدت أن هذه البيانات تعكس “رأي مجموعةٍ محدودة من الأفراد الذين استغلوا صفاتهم الوظيفية لإصدار موقف سياسي منحاز، دون أي صفةٍ قانونية أو تفويض مؤسسي”، بحسب بيان وزارة الشباب والرياضة
من جهتها، اعتبرت وزارة الداخلية البيان الصادر باسمها “مزورًا”، موضحةً أنه صدر عن “ضباط سبق تغييرهم وإقالتهم بقراراتٍ جمهورية ووزارية نافذة، فيما تم إيقاف بعضهم عن العمل منذ سنوات”
بينما ذكرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن منتسبيها في ديوان عام الوزارة في عدن تعرضوا لـ”ابتزازٍ عبر وسائل متعددة، واستخراج تصريحات إعلامية تحت الضغط والإكراه”
شاركت حسابات شخصية وصفحات محسوبة على المجلس الانتقالي على منصات مثل “إكس” و”فيسبوك” في نشر البيانات المؤيدة للانتقالي
ويُظهر التحليل الرقمي لنمط النشر أن النشاط لم يكن عفويًا، بل كان منسقًا بشكل واضح، مع توقيتٍ متقارب وإعادة نشرٍ مكثف؛ ما يشير إلى وجود حملةٍ منظمة لخلق انطباعٍ عام بتأييدٍ واسع للمجلس الانتقالي الجنوبي
أبرز هذه الحسابات؛ قناة عدن المستقلة، الناطقة بلسان المجلس الانتقالي، ويتابعها على “فيسبوك” 728 شخصًا وفي “إكس” يتابعها 320 ألف
إلى جانب حسابات أخرى عديدة؛ لكن أبرزها؛ علي ناصر العولقي، رمزي الشعيبي، نايف أبوالزعيم الحدي، هاني مسهور
وتم رصد نشر البيانات عبر عشرات المنشورات على كل من “فيسبوك” و”إكس”، مع تكرار مشاركة نفس النصوص والرسائل بشكل متزامن؛ ما يعزز الطابع المنسق للحملة
كما أظهرت التحليلات أن بعض الحسابات استخدمت مع المنشورات وسومًا متكررة لتعزيز الانطباع بأن البيانات تمثل توجهًا جماعيًا متسقًا
تُظهر بيانات الرصد اليدوي عدد المنشورات ومرات النشر للبيانات على منصتي “فيسبوك” و”إكس” والويب
إذ انتشر البيان المفبرك المنسوب لوزارة الداخلية على 100 منشور توزعت على الـ”فيسبوك”، “إكس” والمواقع الإخبارية
كما انتشر البيان المفبرك المنسوب لوزارة الشباب والرياضة في 91 منشورًا توزعت على نفس النمط
في سياق البيانات المؤيدة للمجلس الانتقالي الجنوبي، والتي شهدت انتشارًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي وبأسماء وزارات ومسؤولين، رصد معد التقرير في 25 ديسمبر 2025 جرى تداول خبر بأن السلطة المحلية بمحافظة حضرموت أيّدت قرارات المجلس الانتقالي لإعلان “دولة الجنوب العربي”
لكن بعد مرور سبع دقائق فقط من نشر الخبر على قناةعدن المستقلة، أصدر إعلام السلطة المحلية في حضرموت بيانًا رسميًا ينفي صحة هذه المزاعم، مؤكدًا أن التصريحات المتداولة لا تمثل موقف السلطة المحلية، بل تعكس مواقف شخصية لأصحابها
وحظيّ البيان المنسوب للسلطة المحلية بانتشارٍ واسعٍ إذ أعيد نشره أو تناوله في سياق تدوينات وأخبار على “فيسبوك” 20 منشور و34 تغريدة على منصة “إكس”
في ذات اليوم، نشرت قناة عدن المستقلة خبرًا ادّعت فيه أن حلف قبائل حضرموت أصدر بيانًا يعلن تأييده لقرارات المجلس الانتقالي الجنوبي ويشيد بعملية “المستقبل الواعد” في وادي وصحراء حضرموت
إلا أن التحقيق الميداني أوضح أن البيان المتداول باسم الحلف لا يمثل الحلف الرسمي المعروف، الذي هو في الواقع معارض للانتقالي
أثناء مراجعة الصفحة الرسمية لحلف قبائل حضرموت على “فيسبوك” بتاريخ 25 ديسمبر 2025، لم يتم العثور على أي بيانٍ يؤكد التأييد المنسوب إليه
واقتصر محتوى الصفحة على بيانٍ يرحب بموقف وزارة الخارجية السعودية الذي يطالب بانسحاب الانتقالي من المهرة وحضرموت
ويشير هذا إلى أن البيان الذي جرى تداوله صادر عن الحلف المؤيد للانتقالي، والذي تم تشكيله في 29 نوفمبر 2025، هو بيان منفصل عن الحلف الحقيقي، ويُعد مضللًا، خصوصًا مع انتشاره في 27 منشورًا على “فيسبوك” و32 تغريدة على “إكس” دون أي إشارةٍ واضحة للفارق بين الحلفين
في 28 ديسمبر 2025، تداولت منصات التواصل بيانًا منسوبًا لقوات درع الوطن، يرفض مشاركتها في الصراع بين الانتقالي والحكومة الشرعية، مؤكدةً الحفاظ على النسيج الاجتماعي في الجنوب
لكن قوات درع الوطن نفت لاحقًا صحة هذا البيان، مؤكدةً أنه لم يصدر عنها رسميًا
تشير المعطيات إلى أن معظم البيانات لم تكن صادرة عن السلطة التنفيذية بشكل رسمي، بل تم الترويج لها عبر حسابات وصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف تضليل الرأي العام وإيهام الجمهور بتأييد واسع للانتقالي
البيانات التي نُشرت باسم وزاراتٍ رسمية في الواقع كانت غالبًا مزورة أو صادرة عن أفرادٍ محدودي النفوذ في مواقعهم، دون أي سندٍ قانوني؛ ما يجعلها أقرب إلى بيانات موقف سياسي فردي أو جماعي
التحليل المنطقي والرقمي يشير إلى أن هذا النمط من حملات التضليل تخلق حالة من “الارباك المعلوماتي”، حيث يختلط على المتلقي ما بين ما هو رسمي وما هو مفبرك، ويصعب التمييز بين المواقف الحقيقية للمؤسسات الرسمية والمواقف المزيفة المنسوبة إليها
كما توضح المعطيات وجود استراتيجيةٍ واضحة لإطلاق بياناتٍ وهمية باسم جهاتٍ محلية وشبه رسمية، تهدف للوصول إلى أهدافٍ سياسية محددة، أبرزها تعزيز شرعية المجلس الانتقالي أمام الرأي العام المحلي والدولي
البيانات المنسوبة إلى وزاراتٍ وجهات رسمية شكّلت عنصرًا محوريًا ضمن التسلسل الزمني للأزمة الأخيرة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي، إذ انتشرت بوتيرةٍ أسرع من بيانات النفي أو التصحيح؛ ما جعل الرواية المفبركة سائدة مؤقتًا في الفضاء العام، وأثّر على تشكيل الرأي العام محليًا
وجاءت هذه البيانات ضمن سياق تصعيد الخطاب السياسي للمجلس الانتقالي للمطالبة بما يسميه “دولة الجنوب العربي”، في إطار مشروع يعزز انفصال جنوب اليمن عن شماله
تزامن تداول هذه البيانات مع تصعيدٍ ميداني ملحوظ، ورفض “الانتقالي” الانسحاب من محافظتي حضرموت والمهرة، الواقعتين على الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية، واللتين تشكلان معًا نحو نصف مساحة اليمن، وذلك رغم دعوات الحكومة اليمنية والسعودية للانسحاب، إلى جانب مطالب إقليمية ودولية متكررة بإنهاء الأزمة والتأكيد على وحدة اليمن
وأفضى هذا التصعيد إلى سقوط قتلى وجرحى من المدنيين والعسكريين، فضلًا عن توقف حركة المطارات والموانئ في المحافظتين، وحدوث تعطّل جزئي في حركة التجارة والتنقل؛ ما انعكس مباشرةً على الأوضاع المعيشية للسكان
كما أدى تدهور الوضع الأمني إلى نزوح ما لا يقل عن 1,228 أسرةٍ من حضرموت إلى محافظة مأرب، وفق تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)
مع رفض المجلس الانتقالي دعوات الانسحاب، واندلاع مواجهاتٍ عسكريةً استمرت لأيام، استعادت القوات الحكومية سيطرتها على حضرموت والمهرة بإسنادٍ من التحالف بقيادة السعودية، فيما أعلنت سلطات محافظات أبين وشبوة ولحج في بيانات منفصلة ترحيبها بالقوات الحكومية التي واصلت تقدمها باتجاه العاصمة المؤقتة عدن
وفي تطورٍ سياسي لافت، أعلن مجلس القيادة الرئاسي في السابع من يناير الجاري إسقاط عضوية عيدروس الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي، من المجلس بتهمة “الخيانة العظمى”
وفي اليوم التالي، أعلن تحالف دعم الشرعية هروب الزُبيدي إلى إقليم “أرض الصومال”، قبل أن يغادر إلى دولة الإمارات
لاحقًا، في التاسع من يناير الجاري، أعلن وفد رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي في الرياض حلّ المجلس وكافة هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية، وإلغاء مكاتبه في الداخل والخارج، في تطورٍ أنهى مرحلةً من أبرز مراحل التصعيد السياسي والعسكري في المعسكر المناوئ للحوثيين منذ عام 2022 عندما سيطر الانتقالي على محافظة شبوة
ما رأيك بهذا الخبر؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن