التباس قضية فلسطين ونظرة الخارج لما يفعله الحوثي داخل اليمن

منذ 16 دقائق

عدن- لؤي العزعزي مع اندلاع المعارك الأخيرة في الساحل الغربي المحاذي لمضيق باب المندب ذو الأهمية الاستراتيجية، وسيطرة الحوثيين على مناطق واسعة على امتداد الساحل الغربي والجزر الهامة على المضيق

تزامن معها حملات واسعة انطلقت من عدة حسابات ومنصات عربية ومحلية شكلت سرديةً ضد القوات الوطنية اليمنية التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا في حربها مع الحوثيين

ومع نشر الكثير من الكتابات والمنشورات المؤيدة والمناصرة للحوثيين من عراقيين ولبنانيين وفلسطينيين، وما تبعه من حالة سخطٍ وجدل كبيرين بين صفوف اليمنيين كانت الإجابة دائمًا: “نحن مع كل قوةٍ ضد إسرائيل”

في العاشر من سبتمبر وفي نفس اليوم الذي سيطرت فيه جماعة الحوثي على المخا ومناطق أخرى غرب تعز، نشر الصحفي الفلسطيني “محمدالسكني” على صفحته في الـ”فيسبوك” منشورًا استفز الرأي العام اليمني المعارض لجماعة الحوثي، حيث كتب في منشوره: “باب المندب قريبًا غزاوي”، في إشارةٍ إلى قرب سيطرة الحوثيين على بقية مناطق الساحل الغربي والجزر المحاذية لمضيق بابا المندب، إلى جانب منشورات أخرى ما زال مستمرًا في نشرها تأييدًا للحوثيين، وإرجاف وتخويف وتقليل من إيمان بقية اليمنيين المعارضين للحوثيين

القضية الفلسطينية التي تشكل بوصلة غالبية الشعوب العربية؛ مثلت منطلق التعامل والمناصرة مع بقية الصراعات السياسية والعسكرية سواء داخليًا أو خارجيًا

في هذا الصدد يقول الكاتب وصانع المحتوى المصري الأستاذ “محمد أمير” في حديث خاص مع “المشاهد”: “إن الموقف العربي مع الحوثيين يتلخص في محورين، الأول في تأييد كل ما هو ضد إسرائيل كونها العدو الأول، وبالتالي تشجيع وتأييد كل من يقف “قصادهم”، ولذلك نقف في صف الحوثيين إزاء مناصرة القضية الفلسطينية”

بينما في الوقت ذاته يؤكد أمير الرفض التام لبقية الملفات المتعلقة بالحوثيين في الشؤون الداخلية، مثل استهداف المدنيين بالتفجيرات أو الانتهاكات الإنسانية، بالإضافة إلى الأفكار الأيديولوجية الإيرانية والتعامل عمومًا مع الدول العربية السنية

ويؤكد أمير على موقفه وموقف غالبية المصريين برأيه: “أي حد في صف إسرائيل احنا ضده

موقفنا من الحوثيين ذات الموقف من إيران

نشجعهم في حربهم مع أمريكا وإسرائيل، وضدهم في استهداف الخليج والأردن وتاريخهم الطويل في سوريا”

بدوره يرى الكاتب والباحث الإسلامي اليمني “عبدلله القيسي” في حديث مع “المشاهد”: “أن جزءًا من التحولات التي طرأت على المواقف العربية من الصراعات في المنطقة لا يمكن فصلها عن صعود النفوذ الإيراني، معتبرًا أن القضية الفلسطينية كانت إحدى أهم البوابات التي استفادت منها إيران لتعزيز حضورها الإقليمي”

وبحسب رؤيته، فقد أدى تراجع أدوارٍ عربية في دعم القضية الفلسطينية، بالتزامن مع اتساع النفوذ الإيراني في المنطقة، إلى نشوء علاقة أكثر تعقيدًا بين الدفاع عن فلسطين والموقف من القوى والحركات المرتبطة بإيران

ويشير في هذا السياق إلى أن طهران استطاعت، عبر شبكة من الجماعات والقوى السياسية والثقافية، الوصول إلى قطاعات مختلفة من التيارات العربية، بما فيها بعض القوميين والإسلاميين السنة

ويعتبر القيسي أن “الاختراق الأخطر” كان، في تقديره، داخل بعض التيارات الإسلامية السنية، حيث أصبحت القضية الفلسطينية مدخلًا أساسيًا لبناء علاقة أكثر قربًا مع إيران وحلفائها

ويرى أن هذا المسار ساهم لاحقًا في منح بعض الميليشيات المدعومة من طهران، ومن بينها الحوثيين في اليمن، صورةً مرتبطة بـ”المقاومة” تتجاوز أحيانًا النظر إلى أدوارها داخل بلدانها والصراعات التي خاضتها ضد مجتمعاتها

ويذهب إلى أن التعاطف الصادق مع الفلسطينيين أسهم، في بعض الحالات، في نقل هذا الخطاب إلى قطاعات أوسع من الشارع العربي، دون إجراء موازنة كافية بين الموقف من إسرائيل والقضية الفلسطينية من جهة، والموقف من ممارسات حلفاء إيران في سوريا والعراق ولبنان واليمن من جهة أخرى

ومن وجهة نظره، فإن إحدى أبرز نتائج ذلك تمثلت في خلق حالة من الحساسية تجاه انتقاد القوى التي ترفع شعار فلسطين؛ إذ أصبح بعض المنتقدين، بحسب تعبيره، عرضةً للاتهام بمعاداة القضية الفلسطينية لمجرد اعتراضهم على سياسات أو انتهاكات ترتكبها جماعات مرتبطة بمحور إيران

ويضع القيسي اليمنيين والسوريين والعراقيين واللبنانيين الذين عانوا من الحروب والانتهاكات أمام مفارقةٍ أخلاقية؛ إذ يرى أن بعضهم تردد في مواجهة هذا الخطاب خوفًا من أن يُفهم موقفه باعتباره تخليًا عن فلسطين، وهو ما أسهم، بحسب تقديره، في إضعاف الأصوات التي حاولت الفصل بين التضامن مع الفلسطينيين وبين تأييد القوى الإقليمية التي تقول إنها تدافع عنهم

ويؤكد في المقابل أن الدفاع عن القضية الفلسطينية لا يتعارض مع نقد مساراتها أو نقد القوى التي تستخدمها في خطابها السياسي

ويختصر موقفه في قاعدةٍ أخلاقية يعتبرها أساسية: “دماء المنطقة دماء واحدة، وكرامة الإنسان فيها واحدة”، رافضًا ما يصفه بوجود “دماء مقدسة ودماء مستباحة” وفقًا للموقع السياسي أو الأيديولوجي للضحية أو الجاني

ومن هذا المنظور، يرى أن من حق العربي أو المسلم، بل أي إنسان، أن يدافع عن فلسطين وفي الوقت نفسه ينتقد الحوثيين أو حزب الله أو أي قوةٍ أخرى عندما يرى أنها ترتكب انتهاكات بحق المدنيين أو المجتمعات التي تنشط داخلها

ولا يفصل القيسي هذه الظاهرة عن الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية؛ إذ يرى أن طهران عملت على بناء شبكةٍ من القوى المسلحة في لبنان والعراق واليمن وغيرها، بما يسمح لها بإدارة جزءٍ من صراعها مع خصومها بعيدًا عن أراضيها

ووفق هذا التحليل، أصبحت اليمن إحدى الساحات المهمة في هذه المعادلة، خصوصًا مع استمرار قدرة الحوثيين على التأثير في أمن المنطقة والملاحة الدولية وارتباط خطابهم بالحرب في غزة

يرى خبراء ومحللون أن موقف العرب من تأييد الحوثيين والاحتفاء بسقوط المخا وجزء كبير من الساحل الغربي قد لا يكون من تأييد حقيقي للمشروع الحوثي السلالي بقدر ما يعبر عن سخط وعداء متراكم لدول خليجية، أضرت سياستها الخارجية بدولهم ومصالحهم إلى جانب موقفٍ سلبي متراكم من الشرعية اليمنية والتحالف؟

وفي السياق يحذر المحلل السياسي الاقتصادي “وحيد الفودعي” من تعميم ما تم رصده على وسائل التواصل الاجتماعي من نصرةٍ وتأييد للحوثيين على أنه موقف عربي عام؛ فهناك -بحسب رأيه- قطاع عربي يحتفي فعلًا بتقدم الحوثيين في الساحل الغربي، لكن الدافع لا يتعلق بالحرب اليمنية وإنما ينظر إلى الحوثيين من زاوية موقفهم المعلن من إسرائيل وعملياتهم في البحر الأحمر

مما ربط صورة الجماعة خارجيًا بنصرة القضية الفلسطينية أكثر من ارتباطهم بالصراع اليمني الداخلي

ومن هذه الزاوية يقرأ أي تقدم للحوثيين بوصفه انتصارًا لـ “جبهة المقاومة” في حربها مع إسرائيل، حتى وإن كانت الانتصارات والتقدم على حساب مدنيين أبرياء يمنيين أخرين

يرجح مراقبون محليون على أن فشل تقديم روايةٍ يمنية وطنية عن الصراع مع الحوثي يعود إلى هامشية القضية اليمنية وعدم كونها قضيةً مركزية ذات اهتمامٍ عربي كبير

حيث يشير الكاتب والناقد اليمني، أحمد عبده، إلى أن تباين الآراء وردود الفعل العربية تجاه الأحداث الجارية في الساحة اليمنية تؤكد فشل اليمنيين في تقديم روايةٍ متماسكة تشرح طبيعة الأزمة وأسبابها وتعقيداتها

معتبرًا أن القضية اليمنية قضية هامشية عربيًا ولا تحتل موقعًا مركزيًا في اهتمامات الشعوب العربية

الأمر الذي يفسح مجالًا لقراءاتٍ سطحية وتحليلات غير دقيقة واختزالية للمشهد اليمني

أثارت وجهات النظر المتحيزة مع الحوثيين غضبًا واسعًا بين صفوف اليمنيين بمختلف انتماءاتهم وأحزابهم، وخصوصًا من تلك التي أتت من فلسطينيين حيث نظر إلى موقفهم على أنه خيانة للموقف اليمني التاريخي مع القضية الفلسطينية بينما الآخيرين أيدوا المليشيات التي تسفك دمائهم

يوضح الكاتب والناقد “أحمد عبده” أن غضب الشارع اليمني أتى من قصورٍ في فهم قضاياهم وأبعاد النزاع ومسبباته

وأشار إلى أن التفاعل العربي مع الشأن اليمني: “غلب عليه التضامن الانتقائي والتحيز لطرفٍ دون آخر سواء بدوافع طائفية أو انطلاقًا من التعاطف مع طرفٍ سياسي اكتسب حضورًا عربيًا واسعًا من خلال مواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية التي تحظى بمكانةٍ كبيرة لدى العرب والمسلمين، أو نتيجة التفكير الرغبوي الذي يدفع البعض إلى تأييد انتصار طرفٍ بعينه رغبةً في تحقيق سيناريوهات يتمنونها، فضلًا عن المواقف المناهضة لبعض الأطراف الإقليمية”

كما أكد عبده أن جميع المواقف العربية لا تندرج بالضرورة تحت هذه الدوافع لكنه سلط الضوء على الحاجة الملحة إلى مقاربةٍ أكثر موضوعيةً للشأن اليمني تتجاوز الاصطفافات العاطفية والسياسية الضيقة

وأكد أن أهمية فهم جذور الصراع وتعقيداته ليس ترفًا معرفيًا، وإنما هو شرط أساسي لأي مقاربةٍ جادة يمكن أن تقود إلى حلٍ شامل وتفتح الطريق أمام بلدٍ انهكته الحروب الأهلية والتدخلات الإقليمية

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن