الرهينة.. التغيير من الداخل لكسر القيود
منذ يوم
الضالع- ياسمين عبداللهيمثل بطل رواية “الرهينة” كل فرد يُجبر على الانصياع لنظامٍ قمعي، سواء على مستوى المجتمع أو السياسة
فالرواية تستند إلى نظام احتجاز أبناء المشايخ كرهائن لضمان ولاء قبائلهم للإمام؛ ما يعكس كيف تتحول السلطة إلى أداةٍ للسيطرة على الأفراد؛ ما يحدّ من حريتهم ويخنق أحلامهم
البطل الشاب، الذي يُؤخذ كرهينة، يطمح إلى حياةٍ حرّة، إلى الحب، وإلى تحقيق أحلامه، لكنه يظل مقيدًا بسلطةٍ مطلقة لا تتيح له سوى العيش وفق شروطها
وهنا تصبح “الرهينة” رمزًا للإنسان الذي تُحبس رغباته وتُسلب منه أحلامه؛ بسبب الأعراف والتقاليد والممارسات الاستبدادية
حظيت رواية “الرهينة” لزيد مطيع دماج، التي صدرت في 1984، عن دار الآداب للنشر والتوزيع في بيروت، بشهرةٍ واسعة واختارها اتحاد الكتاب العرب ضمن أفضل 100 رواية عربية في القرن العشرين، وفق دراسةٍ للدكتورة آمنة الهتاري، نشرت خلال يونيو 2020 في “مجلة مركز جزيرة العرب للبحوث التربوية والإنسانية“
ومنذ بدء الصراع اليمني في نهاية 2014، تحولت حياة الآلاف من اليمنيين إلى قصصٍ واقعيةٍ أشد إيلامًا من “رواية الرهينة”؛ نتيجة الأَسر والاعتقال المتبادل بين أطراف الحرب المستمرة حتى اليوم
تعكس شخصيات الرواية الصراعات الداخلية والخارجية التي يواجهها الأفراد في بيئةٍ مضطربة مليئة بالتوتر السياسي والاجتماعي
ويتمثل الصراع الداخلي في معاناة البطل، الفتى الرهينة، الذي يجد نفسه ممزقًا بين طموحه الشخصي في الحرية والمعرفة وبين قيود السلطة الاستبدادية التي فرضت عليه حياة الأسر داخل قصر الإمام
والإمام هنا هو شخصية حقيقية حكمت اليمن ضمن نظام “الأئمة” الذي انتهى في 26 سبتمبر 1962
تعيش الشخصية الرئيسية في الرواية صراعًا نفسيًا بين الرضوخ للأمر الواقع والتمرد الصامت
أما الصراع الخارجي، فيظهر في العلاقة بين الحاكم المستبد والرهائن، حيث يجسد الإمام سلطةً قمعية تستخدم البشر كوسيلةٍ لضمان الولاء، بينما يمثل الفتى وكل الرهائن الآخرين ضحايا لهذا النظام القمعي
تعكس الرواية بذلك الصراعات الأوسع التي يواجهها المجتمع اليمني في ظل الاستبداد، حيث يتجلى النضال من أجل الحرية في أفعالٍ وشخصيات تبدو ضعيفةً ظاهريًا لكنها تحمل قوةً داخلية تتحدى القيود المفروضة عليها
رواية “الرَّهينة” إحدى أبرز الأعمال الأدبية التي جسّدت الصراع الطبقي والاجتماعي داخل المجتمع اليمني خلال فترة الحكم الإمامي
وفي تعليق للناقد الأدبي، قائد غيلان، خلال حديثه لـ”المشاهد”، يقول: “تُبرز الرواية التناقض العميق بين الطبقة الحاكمة، ممثلةً في الإمام ورجاله، والطبقات المستضعفة، حيث تتجلى هذه الجدلية في شخصية البطل “الرَّهينة”، الشاب المأخوذ قسرًا إلى القصر الإمامي لضمان ولاء قبيلته للسلطة”
وأشار غيلان إلى أن الرواية تُبرز كيف استخدم النظام الإمامي أدوات الأيديولوجيا الدينية والسياسية للحفاظ على سيطرته، إذ لم يكن اختطاف أبناء المشايخ مجرد وسيلة ضغط، بل كان آليةً لصياغة وعي هؤلاء الفتيان وتطويعه لخدمة النظام القائم
كما لفت الناقد إلى تطور وعي البطل داخل القصر، حيث ينتقل من الخضوع القسري إلى التشكك في شرعية السلطة؛ ما يعكس قانون التغيّر الجدلي، حيث تولّد ظروف القهر حالةً من التمرد الداخلي تتصاعد تدريجيًا
وفي سياق تحليله لأبعاد الرواية، أكد غيلان أن الشخصيات النسائية تلعب دورًا محوريًا في إظهار التناقضات الاجتماعية، فرغم انتمائها إلى القصر الإمامي، تعاني النساء من القيود الذكورية التي تحدّ من حريتهن؛ ما يجعلهن في صراعٍ بين الهيمنة والتحرر
واختتم غيلان تصريحه بالتأكيد على أن رواية “الرَّهينة” ليست مجرد قصةً فردية، بل هي شهادة أدبية على مرحلةٍ تاريخية عاشها اليمن، حيث تُبرز الرواية كيف تفرض السلطة سيطرتها على الأفراد، لكنها في الوقت ذاته تُنتِج نقيضها عبر وعيهم التدريجي؛ ما يجعلها نصًا أدبيًا يحمل بُعدًا نقديًا عميقًا يُضيء صيرورة التغيير الاجتماعي من الداخل
رواية الرهينة تعكس بعمق السياق الاجتماعي لليمن خلال ثلاثينيات القرن العشرين، في ظل حكم الإمام يحيى حميد الدين
تدور الرواية في بيئةٍ تقليدية محافظة، تهيمن عليها السلطة الدينية والسياسية، حيث تستخدم ممارسات مثل أخذ أبناء الأعيان رهائن لضمان ولاء أسرهم للإمام
وقال الباحث الاجتماعي، الدكتور صلاح الحقب، في حديث مع “المشاهد” إن طبيعة النظام الثيوقراطي الذي مثّله حكم الإمامة في اليمن استلزم وجود وسائل قمعية لضمان عدم خروج الأفراد عن طاعة الحاكم أو التفكير في الثورة والتمرد
وأوضح أن من أبرز تلك الوسائل أخذ أطفال بعض المشايخ كرهائن، في محاولةٍ لضمان ولاء أسرهم واستقرار النظام السياسي القائم
وأشار الحقب إلى أن رواية الرهينة تعكس هذه الحقيقة التاريخية، وتُبرز رفض المجتمع لطبيعة الحكم الثيوقراطي، من خلال تصوير التناقضات في سلوك الحاكم، خاصة فيما يتعلق بالمرأة
فبينما يُمارَس الانغلاق والتشدد خارج القصر، يُلاحظ انفتاح واضح داخل أروقته؛ ما يكشف عن ازدواجية المعايير
وأضاف أن الرواية تُظهر أيضًا كيف استخدمت الإمامة الدين كوسيلةٍ للسيطرة على الناس، دون الالتزام الحقيقي بقيمه، وهو ما يتجلى في سلوكيات الحاكم الشخصية التي تخالف التعاليم الدينية، مثل شرب الخمر والانغماس في الملذات
تجاوز المعنى الظاهري للأسرفي روايته الرهينة، يوظف زيد مطيع دماج شخصية “الرهينة” كمجازٍ أدبي عميق يتجاوز المعنى الظاهري للأَسر؛ ليعكس واقع القمع الاجتماعي والسياسي الذي كانت تعيشه اليمن في فترة الحكم الإمامي
فالرهينة لا تمثل فقط فتىً اُقتيد إلى القصر ضمانًا لولاء قبيلته، بل تصبح رمزًا لجيل بأكمله رهين التقاليد الصارمة والسلطة المطلقة
من خلال هذا المجاز، يكشف الكاتب ببراعة عن هشاشة الفرد في مواجهة النظام، وعن التوق الدفين للحرية والانعتاق؛ ما يجعل الرواية شهادةً أدبية على مرحلةٍ تاريخية محورية، ورسالة إنسانية لا يزال صداها يتردد حتى اليوم
يرى الباحث في النقد الأدبي، الدكتور خالد الضبيبي، خلال حديثه لـ”المشاهد” :”الرهينة ليست شخصًا، بل رمزًا لقيدٍ تاريخي ونفسي… والحرية تبدأ من ثورة الذات”
ويقول الضبيبي: “رواية الرهينة للكاتب زيد مطيع دماج لا يمكن اختزالها في بُعدها السردي المباشر، بل تمثل وثيقةً تاريخية ومجازًا نفسيًّا عن القيد والحرية، عن الانغلاق المجتمعي والتطلع نحو الانعتاق”
وقال الضبيبي: “العنوان “الرهينة” يحمل دلالاتٍ لغوية واصطلاحية ترتبط بالحبس والتقييد، لكنّه يتحوّل داخل النص إلى رمزٍ مجازي يُجسد قيد الإنسان اليمني في زمنٍ ساد فيه التسلط السياسي والانغلاق الاجتماعي”
وأضاف: “الرواية لا تقدم الرهينة كشخصٍ أو حادثة، بل تصوغها كأيقونةٍ زمنيةٍ تختزل واقعًا اجتماعيًا واسعًا، في قالَبٍ سردي بسيط لكنه عميق التأثير”
من منظور التحليل النفسي، أشار الضبيبي إلى أن الكاتب اعتمد على اشتغالٍ داخلي يتماشى مع ما طرحه “كارل يونغ”، من أن الدوافع النفسية تنبع من الذات وتنعكس خارجيًا، قائلًا: “البطل كان في ظاهر الأمر مجرد رهينة، لكنه في العمق عقلٌ واعٍ يتنامى وسط مجتمعٍ يُقيّد المعرفة ويُسكت الحرية”
وأوضح أن الكاتب استثمر شخصياتٍ فرعيةً لتكثيف المجاز: فالشاعر يمثل صوت الظلم المُجمّل، والدويدار يُجسد الرؤية المأسورة داخل القفص، أما المرأة فتُختزل في جسدٍ ورغبةٍ مكبوتة في إطار اجتماعي صلب
ورأى الضبيبي أن هذه الشخصيات كانت ضروريةً لدفع البطل نحو إدراك ذاته وتفكيك قيوده، مؤكدًا أن: “القفص الذهبي لا يعني حياةً حرة؛ والحرية ليست فيما يُمنح، بل في ما نختاره بأنفسنا”
كما أشار إلى أن السرد التاريخي لعب دورًا محوريًا في إبراز تطلعات البطل، حيث تبدأ الرحلة من الأسرة إلى القبيلة، ثم إلى بنية المجتمع والسلطة، مُوضحًا:“الرواية تُظهر أن الأَسر ليس فقط ماديًّا، بل معرفيٌّ ونفسي، والخروج من هذا القيد يبدأ بثورةٍ داخلية أولًا”
واختتم الضبيبي حديثه بالقول: “رواية الرهينة استطاعت أن تُمثل هوية الواقع اليمني، وأن تفتح باب التساؤل حول الحرية، القهر، والمعرفة
إنها دعوة لفهم القيد قبل كسرِه، ولتجديد معنى الثورة على مستوى الذات والمجتمع”
وفي الختام، تبقى رواية الرهينة أكثر من مجرد سردٍ لتجربةٍ فردية، إنها مرآة تعكس تحولات مجتمعٍ بأسره، وتوثّق بصوتٍ أدبي نابض معاناة اليمنيين تحت سلطة الاستبداد والعزلة
من خلال براعة زيد مطيع دماج في توظيف المجاز والرمز، استطاعت الرواية أن تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتطرح أسئلةً لا تزال حيةً حول الحرية، والهوية، ومعنى الانتماء
إنها رواية تسكن الذاكرة وتدعو القارئ إلى التأمل، وربما إلى التغيير
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن