الضالع: شُحّ الآبار يعيد علاقة المزارعين بخزانات حصاد مياه الأمطار
منذ ساعة
الضالع- عبدالرقيب اليعيسيلم تعد أسرة عبدالرحمن عايش، في منطقة مريس بمحافظة الضالع، جنوب اليمن، تبحث عن المياه في أعماق الأرض كما كانت تفعل من قبل؛ فبعد تراجع مياه الآبار في أراضيها، بدأت تجمع مياه الأمطار وتخزنها لاستخدامها في ريّ المحاصيل خلال فترات الجفاف
بدأت الأسرة تجربتها بإنشاء خزانٍ عام 2017، بعدما وصل شُحّ المياه إلى مرحلةٍ باتت تهدد المحاصيل بالجفاف
ويقول عبد الرحمن لـ”المشاهد” إن بعض المزارع كانت تتلف؛ بسبب عدم قدرة الأسرة على توفير المياه اللازمة لريّها، فيما كانت مياه الآبار في الوادي تتراجع بصورةٍ متزايدة
”دفعت التجربة الأسرة إلى إنشاء خزانٍ ثانٍ، بدأ العمل فيه عام 2022 واكتمل في 2024؛ ليصبح الخزانان مصدرًا للمياه يغطي ريّ المزرعة، من موسم الخريف إلى الخريف التالي، بحسب عبدالرحمن
يقول: “الاعتماد على الخزانات وفّر لهم مياهًا للريّ وخفّف الحاجة إلى تشغيل مضخات الآبار وما يرافق ذلك من استهلاك للوقود؛ ما جعله يرى في تخزين مياه الأمطار خيارًا أفضل من الاستمرار في حفر الآبار”
ما تزال المساحة المحصولية في اليمن التي تعتمد على مياه السدود والحواجز لا تتعدى 1% فقط مقابل أكثر من 46% تعتمد علي مياه الأمطار، بحسب كتاب الإحصاء الزراعي للعام 2022، الصادر عن وزارة الزراعة في صنعاء
وما يزال الاعتماد على مياه الآبار الجوفية كبير، إذ سجّل 39% في العام ذاته، بحسب نفس المصدر، مقابل 11% على السيول، 1% غيول، و1% تعتمد على المياه المشتراة والمنقولة
ولم تتوقف التجربة عند حدود أرض أسرة بجاش؛ إذ يقول عبدالرحمن إن أربعة خزانات أنشئت لاحقًا في محيط منطقتهم، فيما بدأ مزارعون آخرون في إنشاء خزاناتٍ جديدة، مع استمرار تراجع المياه الجوفية
ما يصفه عبدالرحمن كتجربةٍ أسرية، بدأ يلاحظه أيضًا المقاول، عادل الجهلاني، من خلال طبيعة الأعمال التي تصله في المنطقة
يقول الجهلاني لـ”المشاهد”: “طلبات إنشاء وصبّ خزانات المياه في مريس تزايدت مؤخرًا، معتبرًا ذلك تحولًا بدأه المزارعون تدريجيًا، فيما يتركز المقبلون على هذه الخطوة حاليًا، بين من يمتلكون مساحاتٍ مناسبة وقدرةٍ مالية على تنفيذها
لكن هذا التحول ما يزال يواجه ترددًا لدى مزارعين آخرين، فالمساحة التي يحتاجها الخزان تعني بالنسبة لبعضهم التخلي عن جزء من الأرض التي يمكن تحويلها إلى مساحةٍ زراعية، إضافةً إلى محدودية المساحات في بعض المناطق
ولا تنتهي الصعوبات عند المساحة، إذ يقول الجهلاني: “إنشاء الخزان نفسه عملية طويلة، تبدأ بتجهيز الموقع بالمعدات الثقيلة، ثم أعمال الحفر والاستخراج، وصولًا إلى صبّ الخزان، وهي مراحل قد تستغرق عدة سنوات لبناء الخزانات الكبيرة، وتتطلب تكاليف وقدرةً كبيرة على متابعة العمل حتى اكتماله
وبينما يرى مزارعون في مريس أن تخزين مياه الأمطار أصبح خيارًا أمام تراجع منسوب مياه الآبار، ما يزال آخرون يواصلون البحث عن المياه الجوفية
يقول الناشط المحلي، علي الصفري، من أبناء مريس، لـ”المشاهد”: “بعض المزارعين ما يزالون ينفقون مبالغ كبيرة على حفر الآبار، تصل، إلى 150 أو 200 مليون ريال وأكثر، رغم أن بعض الآبار التي تنجح لا تستمر في توفير المياه لسنةٍ ثم تجف”
وكان “المشاهد” رصد في مايو الماضي جفاف أكثر من 100 بئرٍ في مديرية مريس بالضالع؛ نتيجة انتشار الحفر العشوائي للآبار في ظل عجز الحكومة عن وضع حدٍ للظاهرة
ويرى الصفري أن توجيه هذه الأموال إلى إنشاء خزاناتٍ أو سدود كان سيحقق فائدةً أكبر، مستشهدًا بتجارب مزارعين في قرى مريس اتجهوا إلى تخزين مياه الأمطار، وأصبحوا يعتمدون عليها في ريّ أراضيهم دون تكاليف المضخات والمعدات والوقود اللازمة لاستخراج المياه الجوفية
ويقول: “نجاح هذه التجارب يستدعي تعريف بقية المزارعين بها، وتشجيعهم على الاستفادة منها، إلى جانب إنشاء سدودٍ كبيرة في المواقع المناسبة لخدمة عدد أكبر من المزارعين”
ويعتقد الصفري أن استمرار الحفر سيزيد الضغط على المياه الجوفية، فيما يمكن للخزانات أن توفر للمزارعين موردًا من مياه الأمطار التي يمكن استخدامها عند الحاجة
لكن مدير مكتب الزراعة بديرية قعطبة، منور الشغدري، يرى في حديثه لـ”المشاهد” أن استمرار الحفر العشوائي يمثل واقعًا لم يتوقف بعد، مؤكدًا أن الحفر ما يزال قائمًا في مريس ولم يتمكن أحد من إيقافه
وفي ظل ذلك، يصف توجه المزارعين إلى الخزانات بأنه إيجابي من ناحية، لكنه يشير إلى مشكلةٍ أخرى تتعلق بطريقة إنشائها
فبعض المزارعين، وفق المسؤول المحلي، ينشئون خزاناتٍ كبيرةً تستوعب مئات الآلاف من اللترات بصورة عشوائية، فيما تظل بعض الخزانات مكشوفة، ولا يتم صبّ بعضها؛ ما يثير مخاوف بشأن طريقة تنفيذها
ولا تخلو هذه المخاوف من سوابق في مريس، فقد شهدت المنطقة خلال سنوات سابقة حوادث غرقٍ متعددة داخل خزانات مياهٍ مكشوفة في مريس، بينها وفاة أطفالٍ ونساء
ففي أبريل 2025، توفي طفلان غرقًا في أحد الحواجز المائية المكشوفة، بمديرية قعطبة، شمال محافظة الضالع، بحسب ما رصده “المشاهد” حينها
وفي منطقة مريس توفيّت امرأة وابنتها في خزانٍ للمياه في نوفمبر 2024، وفق ما رصده “المشاهد“
ومع ذلك، يؤكد مدير مكتب الزراعة أن الخزانات تمثل حلًا مهمًا؛ يخفف من توجه المزارعين إلى حفر الآبار
بالنسبة للمهندس الزراعي، فهمي المطري، من قعطبة، فإن إنشاء خزاناتٍ لحصاد مياه الأمطار أصبح مجديًا اقتصاديًا في ظل تراجع مصادر الري واستمرار الضخ من المياه الجوفية
يقول المطري لـ”المشاهد”: “الاستفادة من المياه المخزنة يمكن أن تمتد لفتراتٍ أطول عند استخدام شبكات الريّ بالتنقيط؛ لزراعة أي محاصيل، مشيرًا إلى إمكانية استخدامها حتى في زراعة القات أيضًا
لكن الاستفادة من الخزان، بحسب المطري، تبدأ من المكان الذي يُنشأ فيه
فاختيار الموقع ينبغي أن يراعي عدم تعرّض الخزان لكمياتٍ كبيرة من الترسبات التي تجرفها السيول، وأن يكون قريبًا من الحقل أو المزرعة، مع الانتباه إلى مسار المياه المؤدي إليه، بحيث لا يحمل كمياتٍ كبيرة من التربة والترسبات
ويرى أن قدرة المزارعين على إنشاء هذه المشاريع تجعلها قابلة للتوسع، وأن استخدامها في زراعة الخضروات والفواكه والأعلاف يمكن أن يمثل نقلةً في الاستفادة من مياه الأمطار ويجلب دعم الجهات المانحة في مساعدتهم
تبدو الخزانات في مريس اليوم كاستجابةٍ محلية لواقعٍ مائي لم يعد يسمح للمزارعين بالاعتماد على الآبار وحدها، لكن انتشارها لا يعني تلقائيًا نجاح التجربة
فالفكرة ما تزال مرتبطةً بقدرة المزارع على تحمل كلفة الإنشاء، وتوفير مساحةٍ مناسبة، واختيار موقعٍ يسمح بجمع المياه والاستفادة منها بكفاءة
كما أن طريقة تنفيذ الخزان تمثل عاملًا حاسمًا في جدواه وسلامته
يسعى “الصندوق الاجتماعي للتنمية في اليمن” إلى تعزيز هذا النهج في دعم السكان للوصول إلى المياه عبر تمويل مشاريع حصاد المياه المتجددة، مثل خزانات حصاد مياه الأمطار والغيول
وفي يوليو الماضي قال الصندوق إنه استكمل بناء 220 سقاية ماء في أربع قرى حول حبيل السوق، في الضالع
ومنذ العام 2016، حتى 2026 تمكّن الصندوق من بناء 62,110 خزانات لحصاد مياه الأمطار على مستوى اليمن، بسعة إجمالية 1
7 مليون متر مكعب يستفيد منها أكثر منصف مليون نسمة، بحسب الموقع الالكتروني للصندوق
وأضاف أنه خلال فترة “الطوارئ، منذ العام 2016، تمت هذه الحلول الابتكارية الملهمة لاستثمار المياه المتجددة عبر أكثر من 600 مشروعٍ لإنشاء خزانات حصاد مياه الأمطار، حواجز مياه، شبكات الري بالتقطير، قنوات ريّ، تحسين مساقط مائية، نظام المدرجات الزراعية الحاضنة لمياه الأمطار
”وبينما تكشف الخزانات التي أنشأها بعض المزارعين عن إمكانية الاستفادة من مياه الأمطار لفتراتٍ طويلة، فإن تحويل هذه المبادرات الفردية إلى خيارٍ أوسع يحتاج إلى أن تجاوز التجربة حدود قدرة المزارع منفردًا، خصوصًا في المناطق التي لا يمتلك أصحابها المال أو المساحة الكافية
فالتجربة التي بدأت بخزاناتٍ فردية في بعض قرى مريس تطرح سؤالًا أكبر من مجرد توفير مياه الري: “هل يمكن أن يصبح حصاد مياه الأمطار جزءًا من طريقةٍ جديدة لإدارة المياه في المنطقة، بدل أن يظل المزارع في سباقٍ مستمر مع نضوب الآبار؟”
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن