المجلس الاقتصادي في تعز: بيت خبرة يساند القرار

منذ 20 أيام

تعز-عبد الله محرم في ظل تعقّد المشهد الاقتصادي بمحافظة تعز، وارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع فرص العمل، وتآكل بيئة الاستثمار، لم يعد التعاطي مع الاقتصاد المحلي ممكنًا عبر حلولٍ جزئيةً أو ردود أفعالٍ آنية

 فالمحافظة، التي شكّلت تاريخيًا أحد أبرز المراكز الاقتصادية والتجارية في اليمن، تواجه اليوم تحدياتٍ مركبةً تراكمت بفعل الحرب، وتدمير البنية التحتية

في هذا السياق، برز المجلس الاقتصادي التنموي المحلي في تعز كمحاولةٍ جادة للانتقال بإدارة الملف الاقتصادي من منطق الاجتهادات الفردية والقرارات الارتجالية، إلى عملٍ مؤسسي قائم على البيانات، والشراكة، والتخطيط متوسط وطويل الأمد

غير أن السؤال المركزي يبقى مطروحًا: هل يمتلك المجلس مقومات التحول إلى «العقل الاقتصادي» الحقيقي للمحافظة، أم أن مصيره قد ينتهي إلى كيانٍ شكلي لا يترك أثرًا ملموسًا على حياة الناس؟

أُنشئ المجلس الاقتصادي التنموي المحلي في تعز بموجب قرار محافظ المحافظة في يوليو 2025، كمنصةٍ مؤسسية دائمة للتخطيط الاقتصادي التشاركي وتنسيق الجهود بين الفاعلين الرئيسيين: السلطة المحلية، القطاع الخاص، منظمات المجتمع المدني، والشركاء الدوليين

ويهدف المجلس إلى قيادة عملية التعافي الاقتصادي، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، وتمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وبناء اقتصادٍ قائمٍ على المعرفة والمهارات، إلى جانب تعزيز الحوكمة والشفافية وإرساء آليات حوار تضمن مشاركةً أوسع في صنع القرار

جاء هذا التوجه استجابةً لواقعٍ اقتصادي ضاغط، تراجع فيه إسهام تعز في الناتج المحلي الإجمالي، وارتفعت معدلات البطالة واتسعت رقعة الفقر في المحافظة، في ظل ضعف التمويل، وتعدد الجبايات غير الرسمية، وارتفاع أسعار السلع وتكاليف نقل البضائع، واعتمادٌ متزايدٌ على المساعدات والتحويلات الخارجية

ويشير عضو المجلس الاقتصادي التنموي المحلي في محافظة تعز، عضو الغرفة التجارية الصناعية بالمحافظة، عبدالإله سلام الدبعي، إلى أن تأسيس المجلس جاء استجابةً لحاجةٍ ملحّة لوجود منصةٍ اقتصاديةٍ مؤسسية قادرة على مساندة صانع القرار، في ظل ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع فرص العمل

وأوضح سلام لـ”المشاهد” أن القطاع الخاص ينظر بتفاؤلٍ إلى مهام المجلس والأهداف التي أُنشئ من أجلها، معوّلًا على دوره في تقديم خبرته والعمل كجهازٍ استشاري اقتصادي يسهم في تحليل الواقع الاقتصادي المحلي، وصياغة رؤى وسياسات قائمة على البيانات، وبالشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يساعد على الانتقال من الحلول الآنية إلى التخطيط متوسط وطويل الأمد

عضو المجلس الاقتصادي التنموي المحلي في محافظة تعز، عضو الغرفة التجارية الصناعية بالمحافظة، عبدالإله سلام الدبعي: القطاع الخاص ينظر بتفاؤلٍ إلى مهام المجلس والأهداف التي أُنشئ من أجلها، معوّلًا على دوره في تقديم خبرته والعمل كجهازٍ استشاري اقتصادي يسهم في تحليل الواقع الاقتصادي المحلي، وصياغة رؤى وسياسات قائمة على البيانات، وبالشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يساعد على الانتقال من الحلول الآنية إلى التخطيط متوسط وطويل الأمد

”وأكد أن المجلس لا يهدف إلى استبدال دور السلطة المحلية، بل إلى دعمها بأفكارٍ عملية ومقترحات قابلةٍ للتنفيذ، وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وتهيئة بيئةٍ أكثر شفافيةً وجاذبيةً للاستثمار، بما ينعكس تدريجيًا على تحسين معيشة المواطنين ودفع عجلة التعافي الاقتصادي في المحافظة

الاختبار الأهم أمام المجلس يتمثل في قدرته على التحول من منصة نقاشٍ إلى بيت خبرة اقتصادي ينتج معرفةً قابلةً للاستخدام في صنع القرار

ويعتمد ذلك على مدى التزامه بالعمل وفق خطته الاستراتيجية (2026–2028) وخطته التشغيلية، واستناده إلى دراساتٍ تشخيصيةٍ دقيقة، وتحليل فجوات السوق، وسلاسل القيمة، وفجوات المهارات، بدل الاعتماد على الانطباعات العامة

فجمع البيانات المتعلقة بتكاليف النقل، وإجراءات التراخيص، ومعوقات الاستثمار، وهيكل الجبايات، يمكن أن يترجم إلى مقترحات سياسات محلية، وحلول عملية تخفف الأعباء عن المواطنين والتجار، وتعيد الثقة تدريجيًا ببيئة الأعمال

هنا، يصبح عمق البيانات واتساع مصادرها —من القطاع الخاص، والجهات الحكومية، والجامعات، والخبراء— هو الفارق الحقيقي بين مجلسٍ فاعل وآخر صوري

ويقول أستاذ الاقتصاد المساعد، رئيس قسم الاقتصاد بجامعة تعز، الدكتور معين الهويش في حديث لـ”المشاهد”: “إن الاعتماد على البيانات يُعد ركيزةً أساسية لتحسين جودة قرارات المجلس الاقتصادي المحلي، مؤكدًا أنه لا يوجد أدنى شك في أهمية البيانات في الانتقال من منطق التخمين والانطباعات إلى تشخيص دقيق للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية

رئيس قسم الاقتصاد بجامعة تعز، الدكتور معين الهويش في حديث لـ”المشاهد”: “إن الاعتماد على البيانات يُعد ركيزةً أساسية لتحسين جودة قرارات المجلس الاقتصادي المحلي، مؤكدًا أنه لا يوجد أدنى شك في أهمية البيانات في الانتقال من منطق التخمين والانطباعات إلى تشخيص دقيق للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية

”وأوضح أن تحليل البيانات يُمكّن المجلس من تحديد الأولويات وفقًا للأثر الاقتصادي والاجتماعي، وتوجيه قراراته نحو القطاعات الأكثر تأثيرًا؛ بما يسهم في خفض المخاطر وتحقيق تخصيص أمثل للموارد، وتحسين بيئة الأعمال وتنشيط الاقتصاد المحلي

وأضاف أن البيانات تتيح رصد الأثر التنموي للبرامج المنفذة وتعديلها بناءً على النتائج المحققة، كما تعزز ثقة المستثمرين ورجال وسيدات الأعمال والشركاء، وتوفر أدوات إنذار مبكر تسمح بالتدخل السريع لمنع الأزمات

وأشار إلى أن تقديم مشوراتٍ قائمة على البيانات يتطلب جملةً من الشروط، أبرزها تأسيس مركز بيانات بالتنسيق مع الجهاز المركزي للإحصاء والجهات ذات العلاقة، وبناء شراكات مع جامعة تعز ومراكز الأبحاث، وفي مقدمتها مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، إلى جانب الالتزام بالشفافية والبدء بمشاريع بيانات صغيرة قابلة للإدارة مع التوسع التدريجي، وبناء القدرات الفنية لكوادر المجلس في تحليل البيانات وصياغة المشورة المبنية على الأدلة

على مدى سنوات، عرفت اليمن تشكيل لجانٍ اقتصادية عديدة، غالبًا ما ارتبطت بظروفٍ طارئة وانتهت بانتهائها

لكن المجلس الاقتصادي في تعز يُقدَّم كنموذجٍ مختلف، من حيث كونه كيانًا دائمًا، يعمل وفق لائحةٍ داخلية واضحة، ويتمتع باستقلال إداري ومالي نسبي، ويعتمد على شراكةٍ مباشرة بين القطاع العام والخاص والمجتمع المدني

كما يستند المجلس إلى دعمٍ فني ومؤسسي، أسهم فيه مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي عبر تطوير اللوائح وأدوات المتابعة والتقييم، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي من خلال دعم عملية المأسسة ونقل الخبرات في التخطيط الاقتصادي المحلي، بما يعزز الطابع المهني ويحد من العشوائية

وفي هذا السياق يقول عضو الفريق الاستشاري بمركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، ياسر المقطري، والذي قام بإعداد اللائحة الداخلية للمجلس والخطة التشغيلية والاستراتيجية للمجلس، إن المجلس الاقتصادي التنموي في محافظة تعز يُعد تجربةً فريدةً على مستوى المحافظات

وذلك من حيث فكرته وتركيبته التي تقوم على «مثلث التنمية» المتمثل في قيادات السلطة المحلية، ونخبة من قيادات القطاع الخاص، ومكونات فاعلة من المجتمع المدني، وبإسنادٍ ودعم مباشر من قيادة السلطة المحلية، وبدورٍ استشاري يهدف إلى الإسهام في إعادة صياغة السياسات والرؤى الاقتصادية والتنموية، ودعم تنفيذ خطة التنمية الاقتصادية للمحافظة

وأوضح المقطري أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، عبر فريقه الاستشاري، أسهما في بلورة أفكار المجلس وصياغة لوائحه الداخلية، وتقديم المشورة الفنية، وصولًا إلى إعداد خطةٍ تشغيلية لمدة عام، وخطةٍ استراتيجية تمتد لثلاث سنوات

وأضاف أن الخطط والهياكل التنظيمية استندت إلى أفضل الممارسات والنماذج المعمول بها في دول مثل المغرب ولبنان، وتم مواءمتها مع الخطة التنموية للمحافظة والنقاشات التي جرت مع أعضاء المجلس

وأشار إلى أن المجلس يتمتع بهيكلٍ تنظيمي مرن، يتيح استحداث لجانٍ فنية متخصصة والاستعانة بخبراء ومستشارين اقتصاديين وفق ما تقتضيه مصلحة تنفيذ خططه الاستراتيجية

رغم وضوح الرؤية، يظل خطر التحول إلى إطارٍ شكلي قائم، ما لم تُعالج جملةً من العوامل الحاسمة

في مقدمتها شفافية عمل المجلس، ونشر تقاريره وتوصياته للرأي العام، ووجود آليات متابعة تضمن ألا تتوقف المخرجات عند حدود الورق

كما أن التمثيل المتوازن داخل المجلس، وقياس النجاح بنتائج ملموسة —مثل تحسين بيئة الأعمال أو تسهيل الإجراءات— لا بعدد الاجتماعات، يشكل معيارًا جوهريًا للحكم على جدواه

إلى جانب ذلك، تبقى الإرادة السياسية عنصرًا فاصلًا؛ فبدون تفويضٍ حقيقي من السلطة المحلية، وتبنٍ فعلي للتوصيات، سيصعب على المجلس تحويل أفكاره إلى أثرٍ اقتصادي ملموس

محافظ محافظة تعز نبيل شمسان أوضح خلال فعالية إشهار المجلس، أواخر ديسمبر الماضي أن المجلس الاقتصادي سيكون منصةً جامعة للحوار والتشاور، وبيت خبرة محلية، يُسهم في تشخيص التحديات، واقتراح الحلول العملية، وتحفيز الاستثمار، وتحسين بيئة الأعمال، وفتح آفاقٍ جديدة أمام القطاع الخاص، بما ينعكس إيجابًا على فرص العمل، ومستوى الخدمات، والاستقرار المعيشي للمواطنين

مضيفًا أن السلطة المحلية تؤكد تمسكها بالعمل بروح الشراكة الحقيقية، إيمانًا بأن التنمية الاقتصادية مسؤولية مشتركة، وأن النهوض بالمحافظة لن يتحقق إلا بتكامل الجهود الرسمية والمجتمعية والاقتصادية

ختامًا، يقف المجلس الاقتصادي التنموي المحلي في تعز اليوم أمام محطة حقيقية

فإما أن ينجح في أن يكون العقل الاقتصادي التشاركي الذي يعيد تنظيم التفكير الاقتصادي، ويقود مسار التعافي، ويعيد بناء الثقة بين الفاعلين، أو أن ينضم إلى قائمة الأطر المؤسسية التي وُلدت بطموحاتٍ كبيرة وانتهت بلا أثر

الإجابة لن تُحسم بالشعارات أو الوثائق التأسيسية وحدها، بل بما ستكشفه الفترات المقبلة من قدرةٍ على تحويل المعرفة إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج يشعر بها المواطن، ويثق بها المستثمر، وتبني عليها تعز مستقبلها الاقتصادي من جديد

ما رأيك بهذا الخبر؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن