اليمن: تراث “حصاد الأمطار” يواجه “أزمة المياه”
منذ 14 ساعات
عمران- فايز الأشول اليمن التي عرفت قديمًا ببراعة أبناءها في حصاد مياه الأمطار، وبناء السدود والصهاريج، والمدرجات الزراعية، وإدارة وتصريف المياه لمواجهة الفيضانات والجفاف على حدٍ سواء، تواجه أزمةً مائيةً حادة، وهي اليوم الأكثر عرضةً لتغيّر المناخ والأقل استعدادًا لمواجهة الصدمات المناخية
فهل يمكن إحياء ممارسات إدارة المياه القديمة لمواجهة التحديات الحالية في اليمن والتكيّف مع تغير المناخ؟يرتبط تاريخ اليمن ارتباطًا وثيقًا بإتقان إدارة المياه
فعلى مدى آلاف السنين، تصارع سكانه مع تحديات المناخ القاسي والقاحل، وطوروا حلولًا عبقريةً لحصاد وتخزين وتوزيع هذا المورد الثمين
وتشهد الشبكة المعقدة من السدود والقنوات والمدرجات التي كانت تنتشر في اليمن على هذه البراعة الدائمة
كانت هذه الأنظمة القديمة بمثابة حجر الأساس للحضارة اليمنية، حيث مكّنت من تحقيق الازدهار الزراعي والأمن الغذائي
ومن خلال تسخير مياه الأمطار بعنايةٍ وتخفيف الفيضانات وضمان التوزيع العادل للمياه، أظهر أسلاف اليمن فهمًا عميقًا للدورات الهيدروليكية والتوازن البيئي
وقد سمحت لهم هذه المعرفة بتحمّل فترات الجفاف والندرة؛ مما يدل على مرونة استخدام وإدارة المياه
لم يكن الهدف من سد مأرب الشهير في عهد مملكة سبأ خزن المياه فقط، كما هو الحال بالنسبة للسد الجديد الذي بُنيّ عام 1986 على جانبٍ من أطلاله، ويفتقر إلى قنوات الري الفرعية التي كان يفترض أن توصل الماء بانتظام إلى مزارع المواطنين
بل كانت من مهامه تحويل السيول الموسمية وتوزيعها ورفع منسوب المياه لري نحو 9,600 هكتارا (حوالي 96 كيلومتر مربع) من الأراضي والحقول الزراعية، بحسب بحثٍ نشر عام 2000 عن سد مأرب للباحث “برونر”
تعرّض السد العظيم للخرق وأعيد بناؤه عدة مرات خلال ألف عام من خدمته (تشير النقوش إلى أن إحدى الإصلاحات تطلبت 20 ألف رجل وأكثر من 14 ألف جمل)، وفق مقالٍ نشر على ناشيونال جيوغرافك في يونيو 2015
وكان بناء السدود وصيانتها في اليمن قديمًا مساهمةً بين المواطنين بمجهوداتهم، والدولة بالتخطيط والإدارة
يقول الباحث الألماني “ويرنر دوم” في كتابة “اليمن
ثلاثة آلاف سنة من الفن والحضارة في العربية السعيدة” ص 56: “كانت تلك الحكومات تتولى الإشراف على بناء السدود وحفر القنوات والسواقي، بعد طلبها من رؤساء القبائل تقديم الرجال للعمل في تكسير الحجارة ونقلها لإنشاء السدود، وهي من تقوم بدفع أجورهم وإعاشتهم طيلة أيام العمل، وقد تتولى المعابد أيضًا هذه الأعمال
كما تُشرف الدولة على صيانة السدود في حالة تصدعها؛ لأنها تروي آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية”
ومنذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد، كانت صهاريج الطويلة في عدن توجه مياه الأمطار عبر سلسلة من الأحواض قبل أن تصب في البحر، وتخزن حوالي 13
7 مليون لتر من المياه التي يمكن لسكان عدن الوصول إليها كل عام، كما تحمي المدينة من الفيضانات الموسمية وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية
في الوقت الحاضر، لاحظ معد التقرير عند زيارته للصهاريج، أن القنوات قد أصبحت في معظمها مسدودةً بالقمامة، وفي أسفل التلال، انتشرت المستوطنات العشوائية حول الفتحات التي تسمح بدخول المياه إلى الصهاريج؛ ما يضاعف خطر الفيضانات على السكان، ويقلل بشكل كبير من الفوائد التي كانت توفرها هذه الصهاريج
الباحث والكاتب اليمني عبدالباري طاهر أوضح لـ”المشاهد”: أن تطوير منظومة الري كانت العامل الرئيس في النهضة الزراعية اليمنية خلال عهد الدولة الرسولية 1229- 1454م، التي قامت بالصيانة الدورية للسدود والصهاريج وطورتها، واعتمدت قانون “الجبرتي” لتنظيم الري الذي أعده العالم اليمني إسماعيل الجبرتي في القرن السابع الهجري؛ لتوزيع المياه بين المزارعين، وحل النزاعات بينهم، وتطبيق نظام الحصص والمناوبة، وظل قائمًا في وادي زَبيد، ويعرف بـ”قانون الجبرتي”
قبل موسم الأمطار، كان المزارعون يقومون بتنظيف مجاري السيول وقنوات الري والسدود إلا أن هذه الممارسات الحكيمة أُهملت مع التوسع العمراني العشوائي في مجاري السيول؛ ما أدى إلى إعاقة تصريف مياه الأمطار وزيادة مخاطر الفيضانات على السكان وممتلكاتهم
تُستنزف مخزونات المياه الجوفية في اليمن بشكل متسارع منذ اكتشاف النفط في ثمانينيات القرن العشرين، عندما قدمت الحكومة، التي كانت حريصة على زيادة الإنتاج الزراعي، إعانات دعم الوقود لتشجيع المزارعين على حفر الآبار، حتى تجاوز استنزاف المياه الجوفية ضعفي نسبة تجددها
وبلغ نصيب الفرد السنوي من المياه 83 مترًا مكعبًا مقارنةً بالحد المطلق البالغ 500 متر مكعب بحسب منظمة “الفاو” التي تحذر من: “استمرار استخراج المياه الجوفية عشوائيًا بالمعدل الحالي، فإن أحواض المياه ستُستنفذ بحلول 2030”
اليمن من أفقر دول العالم من حيث الموارد المائية، ويقترب من حقبةٍ لن تتوفر فيها سوى موارد المياه المتجددة، وستكون هي الخيارات الوحيدة المتاحة للاستخدام البشري والزراعي، ولكن هذه الموارد (الأمطار والمياه السطحية والمياه الجوفية الضحلة) ستكون عاجزةً بمقدار الثلث على الأقل عن تلبية الطلب الحالي على المياه، وفق تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، نشر في نوفمبر 2022
يصل حجم مياه الأمطار في اليمن إلى 68 مليار مترٍ مكعب في السنة، 9% منه فقط، هي نسبة المياه المجمَّعة من خلال ممارسات وتقنيات جمع المياه، بحسب ما ورد في تقرير “المياه والتنمية الثامن ـ 2020ـ الاسكوا“، وتنتهي 91% من سيول الأمطار في البحر والصحاري، إلى جانب التبخر بسرعةٍ أكبر، مع ارتفاع درجات الحرارة في اليمن بشكلٍ ملحوظ خلال السنوات الأخيرة
هذه التحديات تتزامن مع تغيّر الظروف المناخية، حيث أصبحت العواصف والجفاف والفيضانات المفاجئة في اليمن أكثر حدةً وتواترًا من ذي قبل، ولها تأثير مدمّر على البلاد
يقول المزارع في قاع البون، بمحافظة عمران، عبدالله عامر، لـ”المشاهد”: “خلال السنوات الأخيرة تغيّرت مواسم هطول الأمطار، وصارت تسقط في غير مواعيدها وبغزارة شديدة وخلال أيام فقط، ونظل نعاني من الجفاف معظم شهور العام”
ويضيف الرجل السبعيني: “كل المنازل القديمة المحيطة بقاع البون الزراعي فوق الجبال والمرتفعات، والآن كما تشاهد هجروا مساكن الآباء والأجداد ونزلوا يسكنون في القاع، ومع تتابع كوارث السيول أنصحهم بالعودة إلى السكن في سفوح الجبال وترميم المنازل وبرك الماء”
خبير الموارد المائية والبيئة والتغيرات المناخية، المهندس عيسى قحطان، يقول لـ”المشاهد”: “الأمطار الغزيرة والفيضانات لا تعوّض الجفاف، حيث تتدفق المياه بسرعةٍ كبيرة بحيث لا يمكن امتصاصها وتجديد طبقات المياه الجوفية، وارتفاع درجات الحرارة؛ سيؤدي إلى زيادة الجفاف والتصحر”
قحطان يؤكد أهمية التوسع في تنفيذ منشآت حصاد المياه في المناطق والمحافظات الجافة وشبه الجافة، ويعتبرها الحل الأمثل لتعويض النقص في المياه، خاصةً في فترات الجفاف وانقطاع الأمطار
ينفذ الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة، بدعمٍ من البنك الدولي هياكل لحصاد مياه الأمطار للري والاستخدام المنزلي وتجديد إمدادات المياه الجوفية، كما تسهم المنظمات أيضًا في إنشاء أنظمة الري وخزانات حصاد مياه الأمطار وقنوات لتصريف المياه، لكن انخفاض التمويل الإنساني يشكل لها عائقًا كبيرًا
فيما الحكومة اليمنية بحاجةٍ ملحةٍ إلى استراتيجيةٍ شاملةٍ للإدارة المستدامة والفعّالة لموارد المياه والتكيّف مع التغيرات المناخية
ضابط المياه والبيئة بالصندوق الاجتماعي للتنمية بذمار – البيضاء، المهندس علي الحرازي، يقول: “خزان حصاد مياه الأمطار هو منتج موروث محليًا ومطور من قبل الصندوق الاجتماعي للتنمية، وقمنا بربط بناء الخزان بآلية النقد مقابل العمل، بتقديم دعمٍ مادي للأسر المستهدفة يتراوح ما بين (500 إلى 800 دولار) تُصرف على دفعات وفقًا للتقدم في إنجاز أعمال السقاية الخاصة التي تتراوح السعة التخزينية لكل منها ما بين 15- 60 مترًا مكعبًا لكل منزل”
ويضيف: “الصندوق الاجتماعي نجح في تحويل الأمطار الكثيفة بسبب تغيّر المناخ من كوارث إلى فرصٍ نافعةٍ للشرب وإنتاج الغذاء وتقليل الكوارث وتوليد فرص العمل؛ من خلال بناء وإعادة تأهيل خزانات حصاد مياه الأمطار بأنواعها، وجدران حماية ومصدات سيلية، وقنوات ري فرعية، وتأهيل المدرجات الزراعية”
الصندوق الاجتماعي للتنمية يدعو إلى إحياء ثقافة وممارسات حصاد المياه في اليمن ويقول: “إنه على استعدادٍ تام لمشاركة خبراته للجميع”
ومع تمركز 60% من اليمنيين في المناطق الريفية، وحاجة 14
4 مليون شخص إلى المياه لتغطية احتياجاتهم اليومية الأساسية، بحسب تقرير “الاحتياجات الإنسانية في اليمن لعام 2026ـ OCHA“، فإن تفعيل العمل التعاوني، وتبني المبادرات المجتمعية لحصاد الأمطار يمثل حلًا عمليًا وفعالًا لتوفير المياه وتعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ
في عزلة اليوسفين بمديرية القبيطة محافظة لحج تمكنت 258 أسرة، عام 2024، من بناء خزاناتها الخاصة لحصاد مياه الأمطار (سقايات)، من الحجارة والمواد المتوفرة في محيط منازلهم، وقدم لهم صندوق اليمن الإنساني (YHF) عبر مؤسسة تمدين شباب (TYF) الأسمنت لجدران الخزان الداخلية والحديد للسقف، والأنابيب لحصاد مياه الأمطار من سطوح منازلهم إلى الخزانات
مهندس المياه والإصحاح البيئي ياسر الحارثي الذي أشرف على بناء هذه الخزانات في العزلة يقول لـ”المشاهد”: “إنها ستوفر 4,644 مترًا مكعبًا من المياه النظيفة سنويًا، ويوضح بأن خزانات حصاد مياه الأمطار القديمة هي عبارة عن بركٍ محفورة في الأرض ويقومون بتغطيتها من الداخل بمادةٍ شبيهة بالأسمنت حاليًا، وتسمى “القضاض” وأغلب تلك البرك كانت مفتوحةً وتلك المخصصة للشرب كانوا يغطونها بجذوع الأشجار لحمايتها من التلوث والأوساخ والحشرات، والآن نقوم بمساعدة المجتمعات الريفية في بناء خزاناتهم الخاصة لحصاد مياه الأمطار، عبر دراسة التربة والتضاريس والمناخ، وحساب معدلات الشدة المطرية لتحديد كميات السيول وتوفير مواد الإنشاء الحديثة مثل الأسمنت، حديد التسليح لتغطية السقف، مادة “السيكا” المانعة للتسرب، وتركيب فلتر على فتحات الأنابيب التي تصل إلى الخزان لترشيح مياه الأمطار الداخلة اليها؛ ما يجعل هذه الخزانات أكثر أمانًا واستدامة”
تقول أمينة، وهي ربة منزلٍ تعيش في عزلة اليوسفين مع أسرتها المكونة من خمسة أفراد: “كنا نعاني كثيرًا من نقص المياه، ونضطر إلى قطع مسافاتٍ طويلةً للحصول عليها، ولكن بعد بناء الخزان في منزلنا، امتلاء بمياه الأمطار بما يكفينا للشرب والطهي والغسيل لمدة عام”
أستاذ القانون البيئي بجامعة الحديد، الدكتور عبد الواسع الحميدي، يقترح التوسع في إحياء هذه الممارسات من خلال مشروعٍ طموح لإعادة بناء السدود القديمة، وبناء سدودٍ جديدةٍ لحصاد فيضانات الأمطار، وتخزينها وتصريفها للري الزراعي، وتغذية المياه الجوفية في جميع مديريات اليمن بالاعتماد على التعاون المجتمعي، وبتنظيمٍ وإشراف وإدارة من قبل الحكومة، وذلك بإجراء دراسةٍ شاملة لتحديد المواقع المناسبة لبناء سد في كل مديرية، مع مراعاة العوامل الجيولوجية والهيدرولوجية والاجتماعية، وتشكيل فرق عملٍ تضم ممثلي الحكومة المحلية، والمهندسين والفنيين، وممثلي المجتمع المحلي، وحصر الموارد المتاحة في كل مديرية من حيث المعدات والأيدي العاملة والخبرات، وتحديد الاحتياجات الإضافية، وتوزيع المهام والأدوار بشكل عادل والبدء في بناء السدود، ووضع آليات لإدارتها وصيانتها
هذا السدود كما يقول الحميدي لـ”المشاهد”: “ستكون بتكلفةٍ منخفضة، وذلك بالاعتماد على الموارد المحلية والعمل التطوعي، وتضمن الاستدامة، عبر إشراك المجتمع المحلي في جميع مراحل، كما ستسهم بالحد من مخاطر الفيضانات والجفاف، وتحسين الظروف المعيشية للمجتمعات الريفية، والحفاظ على البيئة، إلى جانب تعزيز التماسك الاجتماعي، وقيم التعاون والتضامن بين أفراد المجتمع
لكن الأمطار في الآونة الأخيرة فاقت المعتاد، وقد تتجاوز القدرات التصميمية للحواجز المائية، الأمر الذي يهددها بالانهيار؛ لذا فإن من أنجح الحلول التي يراها الخبير في مجال المياه والبيئة والباحث بمركز صنعاء للدراسات، مساعد عقلان هو: “عمل مخارج وحواجز أصغر للمياه قبل السدود لتخفيف ضغط المياه عليها، وأيضًا لتخفيف آثار هذه السيول نفسها على السكان والأراضي الواقعة على جنبات مجاري تلك السيول”
كما يدعو عقلان إلى: “تفعيل التقنيات القديمة لحصاد المياه من سقايات وسواقي ومعاقم ومدرجات وبرك ومواجل، وغيرها من التقنيات التي تختلف مسمياتها من منطقة إلى أخرى، والتي تعمل على توزيع المياه على مساحاتٍ أكبر، ولها أثر إيجابي كبير في الزراعة وتغذية المياه الجوفية، ولا يمكن أن تُحدِث أضرارًا إذا حصل لها انهيار”
تفعيل وتطوير التقنيات القديمة لحصاد وتصريف مياه الأمطار في اليمن، وفق نهجٍ شامل يجمع بين الحكمة التقليدية، والتكنولوجيا الحديثة، والمشاركة المجتمعية الكاملة، والإدارة الحكومية الفعالة، يعد خيارًا مفيدًا يساعد في معالجة العجز المائي، وتوفير إمدادات المياه خلال فترات الجفاف، وتجنب الفيضانات في موسم الأمطار، ومساعدة المجتمعات اليمنية على الصمود أمام تغيّر المناخ
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن