بعد التقطع لجنود عائدين من المخا.. كيف يمكن تنظيم الأمن بالضالع؟

منذ ساعة

الضالع- عبدالرقيب اليعيسيتشهد محافظة الضالع توترًا أمنيًا متصاعدًا، بدأ مع حادثة اعتراض موكب وزير الدفاع بالحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، الفريق طاهر العقيلي، في 9 سبتمبر

وتبع ذلك مقتل مقاتلَين اثنيَن من أبناء الأزارق في المحافظة، على أيدي مسلحين متقطعين أثناء عودتهم إلى ديارهم بعد انسحاب القوات الحكومية من المخا في 10 سبتمبر

تلا ذلك احتجاجات واشتباكات وخلافات داخل المؤسسة الأمنية على خلفية الأحداث المتلاحقة

وتزامنت هذه التطورات مع عودة التقطعات إلى واجهة المشهد في المحافظة، وسط تعدد التشكيلات المسلحة وتداخل النفوذ داخل الأجهزة الأمنية، في وقتٍ تقول فيه السلطة المحلية إن جهودها تتركز على ملاحقة المتهمين وإعادة تنظيم الأمن

ولا تزال التحقيقات بشأن حادثة الأزارق مستمرة وغامضة ولم يتم إعلان أسماء المتهمين، فيما تتباين الروايات بشأن ملابسات وقوعها، والجهات التي تقف خلف منفذيها، وطريقة تعامل الأجهزة الأمنية مع المتهمين

بدأت التطورات في 9 سبتمبر، عندما زار وزير الدفاع اليمني بالحكومة المعترف بها الفريق طاهر العقيلي محافظة الضالع، شملت عددًا من المواقع العسكرية في جبهة الضالع

وأثناء عودة الوزير من زيارته للجبهات تعرض موكبه أثناء وجوده في المحافظة لاعتراضٍ من عناصر مسلحة محسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي “المنحل”، على خلفية مطالب مرتبطة بالإفراج عن وزير الدفاع السابق محسن الداعري، ورفض ما اعتبرته تلك العناصر استفزازًا لأبناء الضالع

وتزامنت هذه التطورات مع عودة مقاتلين من أبناء المحافظة من الساحل الغربي، بينهم أفراد من اللواء الثاني “مغاوير” التابع للمقاومة الوطنية التي يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق طارق صالح، والذي كان يتمركز سابقًا في مديرية “قعطبة” قبل نقله إلى الساحل

ومع عودة مقاتلين من الجبهات، برزت حوادث تقطع استهدفت بعض العائدين، وفق شهادات محلية، وشملت الاستيلاء على أسلحةٍ وممتلكات كانت بحوزتهم

ويقول أحد أبناء مديرية قعطبة، الجندي في المقاومة الوطنية، بلال الحاج، لـ”المشاهد”: “إن التقطعات ليست ظاهرةً جديدة في المحافظة، لكنها برزت بصورةٍ أكبر مع عودة مقاتلين من الجبهات في الساحل، خصوصًا مع حمل بعضهم أسلحةً ومقتنياتٍ عسكرية”

ويضيف الحاج أنه تعرّض، لدى عودته من المخا يوم الخميس، عقب انسحاب القوات من الساحل، لمحاولة تقطعٍ في الضالع والاستيلاء على سلاحه

ويقول إنه رفض تسليم سلاحه، محذرًا المتقطعين من تبعات ذلك، مشيرًا إلى أنه جندي وله علاقات واسعة مع أبناء المحافظة، وينتمي إلى أسرةٍ قدمت تضحيات خلال الحرب

وبحسب روايته، أطلق المتقطعون سراحه بعد رفضه تسليم سلاحه، إلا أن حوادث التقطع، وفق قوله، استمرت بحق مقاتلين آخرين عائدين من الساحل

وفي ليلة الجمعة، تعرّض ثلاثة من أبناء الأزارق، كانوا عائدين من الساحل الغربي، ويتبعون اللواء الثاني “مغاوير”؛ لإطلاق نارٍ أثناء انتقالهم داخل الضالع

وأسفرت الحادثة عن مقتل اثنين وإصابة ثالث بجروح، إضافةً إلى الاستيلاء على أسلحةٍ كانت بحوزتهم، وفق رواية السلطة المحلية التي أعلنت في اليوم التالي حالة الطوارئ في المربع الثاني بمدينة الضالع، ووجهت بحملةٍ أمنيةٍ وعسكرية لملاحقة المتهمين ومداهمة أوكارهم

أثارت الجريمة غضبًا واسع في الأزارق والضالع، وأغلقت محال وطرقات على مدى ثلاثة أيام، بعد اشتداد التوتر وتحوله إلى احتكاكٍ مسلحٍ بين محتجين من أبناء الأزارق وقواتٍ أمنية في محيط إدارة الأمن يوم السبت، وسط مطالبات وضغط مستمر من أبناء الأزارق بالكشف عن هوية القتلة وضبطهم

وعقد المحافظ أحمد قائد القبة، اجتماعًا أمنيًا؛ لمناقشة تداعيات الحادثة، بحضور مسؤولين أمنيين وعسكريين وشخصيات قبلية، وممثلين عن أسر الضحايا، ناقشوا مخاوف استغلال الحوثيين لحالة التوتر و”ضرب الجبهة الداخلية”

لكن الحادثة لم تعد بالنسبة إلى كثير من أبناء المحافظة قضيةً جنائيةً منفصلة، بل فتحت نقاشًا أوسع حول قدرة الأجهزة الأمنية على منع التقطعات وضبط المتهمين

وقال الناشط عرفان الجحافي لـ”المشاهد”: “إن التقطعات تفاقمت خلال سنوات الحرب مع انتشار السلاح وتعدد القوات المسلحة، مشيرًا إلى أن ما يصفه بـ”الفَيد” الناتج عن تراجع بعض الجبهات أو تقدمها، قد يكون أسهم في انتشار الأسلحة التي يحصل عليها المتقطعون، ويتم استخدامها لاحقًا في أعمال السلب والتقطع”

ويرفض الجحافي حصر المسؤولية في المحافظ أو مدير الأمن العام، مشيرًا إلى أن المحافظ نفسه سبق أن تعرض لإطلاق نارٍ من قبل نافذين بالأمن، فيما مُنع مدير الأمن من دخول مبنى إدارة الأمن بعد تعيينه

ويلفت إلى أن تعدد مراكز القوة داخل المحافظة أضعف القرار الأمني، مضيفًا أن بعض الشخصيات النافذة تستطيع، بحسب تقديره، تعطيل قرارات الأجهزة الأمنية أو فرض تسويات عليها

ويقول: “اتساع الغضب الشعبي يعكس تراجع الثقة بالأجهزة الأمنية، محذرًا من أن استمرار التوتر قد يحول التقطعات من جرائم متفرقة إلى أزمةٍ أمنية أكبر”

في المقابل، يرى الصحفي عبدالرحمن السبعي، أن وجود شخصياتٍ ذات نفوذ داخل الإدارة الأمنية ليس جديدًا، لكنه يحذر من تحميل أي جهةٍ مسؤولية الحوادث الأخيرة قبل استكمال التحقيقات

ويقول السبعي لـ”المشاهد”: “التقطعات لم تستهدف العائدين من اللواء الثاني (مغاوير) وحدهم، مشيرًا إلى معرفته بأفرادٍ من قوات أخرى تعرضوا، لاعتداءاتٍ أثناء عودتهم إلى الضالع”

أما الناشط زهير محسن، فحمّل، في منشور له على “فيسبوك“، المجلس الانتقالي “المنحل” مسؤولية الأحداث الأخيرة في الضالع، معتبرًا أن التشكيلات الأمنية القائمة في المحافظة ما تزال مرتبطةً بمرحلة الانتقالي، ومنها أفراد في أمن المحافظة والمديرية، واللجنة الأمنية، والحزام الأمني، والقطاعات الأمنية والأمن السياسي

ويقول محسن: “الوضع في الضالع سيبقى على حاله ما دامت هذه التشكيلات ومراكز النفوذ قائمة، مشيرًا إلى اختلاف الجهات التي تتقاسم النفوذ داخل المنظومة الأمنية”

ويرى أن ما يجري هو صراع بين هذه الأطراف، معتبرًا أن التفاهمات الظاهرة بينها لا تعكس، بحسب تقديره، حقيقة الخلافات القائمة

بالنسبة إلى أقارب القتلى، تتجاوز القضية حادثة تقطعٍ عابرة

ويقول أحد أقارب الضحايا من مديرية الأوارق، عبيد محمد، لـ”المشاهد”: “أسرة الجنود كانت قد أوصتهم بترك أسلحتهم في منطقة السيلة، خارج مدينة الضالع، قبل مواصلة طريقهم إلى الأزارق، بعد ورود معلوماتٍ عن انتشار حوادث التقطع في الطريق”

وبحسب روايته، سلّم بعض الجنود أسلحتهم بالفعل قبل مواصلة الرحلة، فيما احتفظ آخرون بأسلحتهم الشخصية

وفي طريق عودتهم إلى الأزارق، تعرضوا لإطلاق نارٍ أدّى إلى مقتل اثنين منهم وإصابة ثالث

ويرى عبيد أن العملية كانت مدبرة، ويشير إلى أن بعض المتهمين محسوبون على إدارة الأمن، معتبرًا أن عدم إعلان أسمائهم يثير تساؤلاتٍ بشأن طريقة تعامل الأجهزة الأمنية مع القضية

ويضيف أن إدارة أمن مديرية الضالع، التي عمل فيها قبل مغادرته عام 2018، أصبحت، بحسب وصفه، تحت تأثير من يصفهم بـ”البلاطجة” عقب حرب 2015، معتبرًا أن ذلك أسهم في تعقيد الوضع الأمني في المديرية

في المقابل، تقول شرطة الضالع إنها باشرت التحقيق في الحادثة، وجمع الأدلة، ومراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة، وتحديد بعض المشتبه بهم، مشيرةً إلى أنها نسّقت مع النيابة بشأن إجراءات ضبطهم

في 15 سبتمبر، انتقلت الخلافات إلى داخل المؤسسة الأمنية، مع تقديم مدير أمن مديرية الضالع، النقيب سليمان، استقالته من منصبه، كاشفًا في مذكرته عن خلافاتٍ قال إنها رافقت التعامل مع حادثة الأزارق وتداعياتها

ووصف سليمان ما يحدث بأنه “لعبة وسخة وقذرة”، حد وصفه، تستهدف أمن الضالع واستقرارها، متهمًا أطرافًا لم يسمها بالسعي إلى إدخال المحافظة في صراعٍ داخلي واستثمار الجريمة لإثارة الفوضى وضرب الثقة بين أبناء المحافظة وأجهزتها الأمنية

وأورد في مذكرته أن مدير أمن المحافظة ضغط عليه، عقب وقوع الجريمة، لمغادرة مبنى أمن المديرية برفقة جنوده وقوته، معتبرًا أن إخلاء الموقع الأمني في ظل حالة الغضب التي أعقبت الحادثة يثير تساؤلاتٍ حول طريقة إدارة الموقف

كما اتهم مدير أمن المحافظة بالإشراف على نقل أحد المصابين من المجموعة المتهمة بالتقطع إلى العاصمة عدن وإيداعه في مستشفى خاص، مشيرًا إلى أن مذكرةً أرفقت بملف المصاب أفادت بأنه من جرحى أحداث التقطع لوزير الدفاع اليمني، وطالب بالتحقيق في الواقعة

وفي واقعةٍ أخرى، قال سليمان: “إن اتصالًا هاتفيًا جرى بين مدير أمن المحافظة ونائب المحافظ، بحضور الشيخ محمود عواس، بشأن القبض على المتهم الأول في قتل أبناء الأزارق”

وبحسب روايته، أبلغ مدير أمن المحافظة أن القاتل “في قبضتنا وتحت التحقيق”، قبل أن يؤكد أمام عددٍ من أبناء الأزارق أن المصاب المتهم موجود في قبضتهم

وتنفي شرطة الضالع، في بيان توضيحي صدر خلال اليوم نفسه، ما ورد في مذكرة الاستقالة بشأن المصاب، وتقول إن مدير أمن المحافظة لم يشرف على نقله إلى عدن أو يتدخل في تغيير صفته

وقال البيان: “قامت قيادة الشرطة في الضالع بعد تلقيها معلوماتٍ تفيد بوجود مصابٍ يشبته أن يكون على صالةٍ بالوقائع الجنائية، بتحرير برقية رسمية رقم 187 بتاريخ 13 سبتمبر، وجهتها إلى شرطة عدن، وطلبت فيها التحفظ على المصاب باعتباره متهمًا على ذمة واقعةٍ جنائية واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه”

وفي نفس الوقت، اتهمت شرطة المحافظة في البيان نفسه، مدير أمن المديرية المستقيل بعدم تنفيذ توجيهات ضبط مطلوبين على ذمة قضايا التقطع ونهب الأسلحة من الجنود العائدين من المخا

وقالت: “مدير أمن المديرية كان مكلفًا بتسليم ثلاثة متهمين إلى السجن المركزي، لكنه لم ينفذ ذلك ولم يقدم إفادة رسمية بأسباب عدم التنفيذ”

واعتبرت قيادة الشرطة أن عدم تنفيذ التوجيهات يمثل تقصيرًا يستوجب التحقيق والمساءلة، وطالبت المحافظ بتشكيل لجنةٍ محايدة للتحقيق في الاتهامات التي أوردها مدير أمن المديرية في استقالته، وكذلك في أسباب عدم تنفيذ توجيهات ضبط المطلوبين وتسليم المتهمين

بالتزامن مع الخلاف داخل المؤسسة الأمنية، انتقدت صفحات وناشطون في الضالع أداء الأجهزة الأمنية وطريقة التعامل مع حادثة الأزارق

ويتهم ناشطون محليون مدير أمن المديرية بالتساهل مع من تصفهم بالبلاطجة والمتقطعين، فيما اعتبرت منشورات أخرى أن الخلاف بينه وبين إدارة الأمن العام يعكس صراعًا داخل المؤسسة الأمنية

في المقابل، تواجه إدارة الأمن العام انتقاداتٍ بشأن عدم إعلان أسماء المتهمين في حادثة الأزارق، رغم إعلانها في وقتٍ سابق القبض على اثنين منهم

وطالب نشطاء محليون بإعلان أسماء المقبوض عليهم وكشف تفاصيل التحقيقات، فيما ذهب أخرون إلى اتهام إدارة الأمن بالتستر على الجناة

وفي 17 سبتمبر، عقد المكتب التنفيذي واللجنة الأمنية بالمحافظة اجتماعًا برئاسة المحافظ أحمد قائد القبة؛ لمناقشة التطورات وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية

وقالت السلطة المحلية: “الاجتماع ناقش تنظيم الأجهزة الأمنية على أسسٍ مهنية، واختيار قياداتٍ تتمتع بالكفاءة والنزاهة، وتأمين الطرق وحماية المواطنين”، مشيرةً إلى تسليم اثنين من المشتبه بهم إلى قائد اللواء الأول مشاة

ودعا رئيس المركز الإعلامي لمحور الضالع القتالي، فؤاد الجباري، في منشور له على “فيسبوك” التوجه نحو إعادة الهيكلة، داعيًا إلى أن تشمل العملية الأمن العام وأمن المديريات والأمن السياسي وجميع الوحدات الأمنية، وأن تقوم على الكفاءة والنزاهة والانضباط وحسن السلوك

وحذّر الجباري من استهداف أشخاصٍ أو استخدام إعادة الهيكلة لتصفية الحسابات، معتبرًا أن الهدف يجب أن يكون بناء مؤسسةٍ أمنيةٍ قائمة على القانون واستعادة ثقة المواطنين

تضع هذه التطورات السلطة المحلية والأجهزة الأمنية أمام مطالب متزامنة: ضبط المتهمين في حادثة أبناء الأزارق، كشف ملابسات الجريمة، تحديد المسؤوليات، والتعامل مع الخلافات داخل المؤسسة الأمنية

وبينما تتحدث السلطة المحلية عن إعادة هيكلة المنظومة الأمنية وتأمين الطرق، لا تحسم الوقائع المعلنة حتى الآن ما إذا كانت حوادث التقطع الأخيرة امتدادًا لظاهرةٍ أمنية قديمة، أو تفاقمت مع عودة مقاتلين وانتشار السلاح، أو ارتبطت بخلافاتٍ وتنافسٍ داخل مراكز النفوذ في المحافظة

ويبقى حسم هذه الأسئلة مرتبط بما ستكشفه التحقيقات، وقدرة الأجهزة الأمنية على تقديم نتائج واضحة للرأي العام بشأن الجريمة والمتهمين والمسؤوليات المرتبطة بها

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن