بيد واحدة.. معلم بديل يواجه انهيار التعليم في مدرسة ريفية
منذ 5 ساعات
تعز- عبدالباري قاسميستمر الأستاذ سيف المعبدي (45 عامًا) بالسير في طريق جبلي وعر، كل صباح للوصول إلى مدرسته، متكئًا على يدٍ واحدة، يمسك بها عصا خشبية تسانده على الصعود، بينما يده الأخرى معلقة على ذكرى حادث أنهى فاعليتها منذ شبابه
يصل سيف قبل الطابور بدقائق، يفتح غرفة الصف، ويمسح السبورة بقطعة قماش بالية يلتقطها من على الارض، ويبدأ يومًا جديدًا من التعليم
كان أول ما تقاضاه سيف حين استُدعي للتدريس في مدرسة التحرير جندين، بمديرية جبل حبشي، ريف تعز، لا يتجاوز عشرة آلاف ريال، مبلغ رمزي بالكاد يغطي نفقاته اليومية
يقول سيف، لـ”المشاهد”: “بدأتُ كمعلم بديل عام 2008، حينها كان لديّ ثلاثة أطفال، لم يكن لدي عمل آخر، ووعِدتُ بزيادة الراتب في السنوات المقبلة”
ويضيف: “ما يجعلنا نستمر هو واقع مدرستنا التي تفتقر لأبسط الخدمات، نريد تعليم أبناء القرية”
لم يكن استدعاء سيف خيارًا تعليميًا بقدر ما كان ضرورةً ملحة؛ ففي مطلع شبابه تبدد حلمه بدخول الجامعة ليصبح معلمًا رسميًا؛ بسبب كسرٍ بسيط أعقبه خطأ طبي أفقد يده بشكل دائم، ولجأت المدرسة إليه بصفته أحد أبناء المنطقة القادرين على القراءة والتدريس
قصة سيف نموذج لآلاف المعلمين البدلاء الذين يسدّون فراغًا تركه غياب المعلمين الرسميين في المناطق الريفية
فمدرسة التحرير وحدها، التي تعتمد عليها خمس قرى في جبل حبشي، تواجه نقصًا حادًا في الكادر التعليمي
ثمانية معلمين فقط، من ضمنهم سيف، يُدرّسون مئات الطلاب في فصول متهالكة تفتقر للكتب والمقاعد
يقول المواطن عمر سيف: “اضطررتُ لنقل أسرتي للمدينة لأن التعليم في القرية بأسوأ حالاته؛ لا مدرسين ولا كتب مدرسية”
استهدفت سنوات الصراع المستمرة قطاع التعليم بصورة مأساوية، حيث دمرت أو تضررت جزئيًا 2,916 مدرسة، بحسب تقرير”اليونسيف” لعام 2022
تفاقمت الأزمة أكثر مع خروج عشرات الآلاف من المعلمين من منظومة التعليم، وبحسب “اليونيسيف” فإن ثلثي المعلمين في المدارس العامة بمناطق سيطرة الحوثيين (ما يقارب 172,000 معلم ومعلمة) لا يحصلون على رواتبهم بشكل منتظم منذ عام 2016 أو انقطعوا عن التدريس بحثًا عن أعمال أخرى
معلم منقطع في ذات المدرسة (فضّل عدم ذكر اسمه) غادر للعمل بالسعودية يقول: “الراتب لم يكن يكفي أبنائي، والمسؤولية الأسرية لا تنتظر تسوية الرواتب الحكومية
ويضيف: “الكثير من زملائنا الآن يعملون في المطاعم أو سافروا إلى الخارج للعمل في وظائف تضمن راتبًا آمنًا”
بينما غادر الآلاف من المعلمين الرسميين التدريس، يواصل سيف مسيرته الآن براتب 100 ألف ريال، وهو مبلغ لا يغطي احتياجاته الأساسية كأبٍ لعشرة أبناء، في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات بشكل متواصل
ويؤكد مدير مدرسة التحرير عبدالرحمن سعيد، أن وجود سيف طوال سنوات تدريسه كان مهمًا، وأن المدرسة تعتمد عليه بشكل رئيسي للجهد الكبير الذي يبذله مع الطلاب والأنشطة المدرسية التي يشرف عليها
تُجمع التقارير الدولية والمحلية على أن التعليم في اليمن خارج دائرة الاهتمام الفعلي لصناع القرار السياسي والمجتمع الدولي، رغم التحذيرات المتكررة من انهياره
في عام 2023 لم تتجاوز الموارد المالية المخصصة لتلبية الاحتياجات الإنسانية في التعليم سوى 18% من إجمالي التمويل المطلوب، بحسب تقرير منظمة اليونيسيف عن التعليم في اليمن، الذي نشر في سبتمبر عام 2025
تتزاحم القضايا الأساسية في الريف اليمني على قائمة الاحتياجات الأساسية: الأمن، المياه، الغذاء، الطرق، والصحة
إذ يتراجع التعليم إلى ذيل الأولويات، حيث ينظر إليه كثيرون على أنه حاجة ثانوية مقارنةً بالمتطلبات اليومية الملحة
وتقول “اليونيسيف” في تقريرها: “إن 10% من الأولاد الذين تتراوح أعمارهم ما بين 5 و17 عامًا يمارسون أنشطةً اقتصادية على حساب تعليمهم وطفولتهم
وبالنسبة للفتيات من نفس الفئة العمرية تثقل كاهل 10% منهن بالأعمال المنزلية؛ مما يحد من فرص حصولهنّ على التعليم”
يقول أحد أولياء الأمور في جبل حبشي: “لا تتوفر وظائف ولا مساحة عمل لمن درسوا وحصلوا على المؤهلات، ومع هذا الوضع الذي نمر به نرسل أولادنا للعمل في المدينة لمساعدتنا في المصاريف والاحتياجات المعيشية”
لا تقتصر الأزمة التعليمية على الأرياف فقط، أو على محافظة دون الأخرى؛ فهي انعكاس مباشر للحرب والانقسام المالي والإداري بين سلطتين ووزارتين زادت من تدهور الجودة التعليمية
حيث يعاني المعلمون والطلاب في كلا المنطقتين من واقع متقارب في الإهمال
وفي ظل غياب الدولة وتراجع دور المؤسسات الرسمية، برز المغتربون كقوةٍ اقتصادية واجتماعية تمسك بخيوط الحياة في القرى اليمنية
فإلى جانب تحويلاتهم المالية للأسر، ومبادرتهم بشق الطرقات وتمويل مشاريع المياه، باتوا المموّل الرئيسي لتسيير المدارس ودفع رواتب المعلمين البدلاء، وأيضًا تمويل صيانة الفصول وبناء غرف إضافية للتلاميذ
يقول رئيس مجلس الآباء، صدام عبدالواحد: “نعتمد على جهود المغتربين والمتبرعين لدفع رواتب بسيطة للمتعاقدين، ومن دونهم ستغلق المدرسة أبوابها”
ويعقب الكاتب الصحفي معاذ مدهش بأن هذا الدور” هش وغير مستدام”؛ كونه يعتمد على مبادرات فردية موسمية
بدأ مفهوم المعلم البديل في الأصل كخيارٍ مؤقت تلجأ إليه الأنظمة التعليمية في حالات الغياب القصير أو المفاجئ للمعلمين الرسميين
لكن في اليمن، تحوّلت الفكرة من إجراء طارئ إلى نظامٍ إثر النزاع السياسي والانقسام الإداري وتوقف التوظيف الحكومي منذ عام 2016، حتى أصبح المعلم البديل اليوم ركيزةً أساسيةً لاستمرار التعليم في أغلب مدراس المحافظات
وفي اعتراف صريح بمدى هشاشة الوضع الإداري، يصف مدير تربية جبل حبشي، أيوب الحمودي، اعتماد المدارس على المعلمين البدلاء بأنه “مخالفة قانونية صريحة”، لكنه يستدرك بالقول: “نتيجةً للوضع الراهن، نتغاضى عن هذه المخالفة فإذا أوقفنا البديل اليوم، سنواجه مشكلةً أكبر تتمثل في عجز المعلمين الرسميين عن الاستمرار في تأدية مهامهم”
ويكشف الحمودي عن واقعة شهدتها المديرية بعد إغلاق مدرسة الجيل الصاعد تمامًا لعدم قدرة مجلس الآباء على توفير رواتب البدلاء، قبل أن يتم تدارك الأمر لاحقًا وتوفير مبالغ للمتطوعين لإعادة فتحها
وتوقّع الحمودي تكرار هذا السيناريو قريبًا، وقال: “أعتقد أن السنة القادمة ستشهد إغلاق مدارس أخرى”
وفي هذا السياق، يقول مدير مدرسة الفردوس عناقب، منصور عبدالدائم”: “ظاهرة المعلم البديل ليست نظامًا رسميًا في القوانين التعليمية اليمنية، لكنها أصبحت أمرًا واقعًا فرضته الظروف الاستثنائية”
تتجه أزمة التعليم نحو التعقيد مع اقتراب إحالة آلاف المعلمين للتقاعد
ويكشف الحمودي، عن أرقام مرعبة لمستقبل التعليم؛ فبحلول عام 2027 سيصل عدد المتقاعدين إلى 500 معلم؛ ليرتفع الرقم عام 2028 إلى 1000 متقاعد، وهو ما يعني أن المديرية لن يتبقى فيها سوى ألف معلم فقط لتغطية احتياجات 49 ألف طالب وطالبة
ويوضح الحمودي لـ”المشاهد”، أن الفجوة اتسعت بشكل حاد؛ فبينما كان عدد الطلاب عام 2011 حوالي 30 ألفًا، قفز الآن إلى قرابة 50 ألفًا، في ظل توقف كامل للتوظيف الحكومي
ويضيف: “المدارس تعاني عجزًا منذ ما قبل الحرب، لكننا الآن نعتمد اعتمادًا كليًا على مجالس الآباء التي تدير التنسيق بين المعلمين وبدلائهم، حيث وصلت نسبة المعلمين البدلاء في المديرية إلى ما بين 10 – 20%”
هذه الفجوة تصطدم بواقع أكثر قتامة في كليات التربية، حيث يؤكد عميد كلية التربية بجامعة تعز، الدكتور محمد سعيد الحاج، أن الأوضاع المزرية وانعدام التوظيف أدّت إلى إغلاق أربعة أقسام علمية حيوية في كلية التربية: الفيزياء، الكيمياء، الأحياء، والرياضيات، لتنضم لتخصصات متوقفة كالتاريخ والجغرافيا
ويكشف الدكتور الحاج أن المدارس الأهلية استغلت الفراغ بالاعتماد على بدلاء غير مؤهلين برواتب مهينة لا تتعدى 40 ألف ريال؛ مما جعل الأرياف تخلو تمامًا من مدرسي المواد العلمية
وتعكس الأرقام حجم الكارثة؛ ففي جامعة عدن وصل عدد المتقدمون في “كلية التربية“، في العام الجامعي 2024-2025، 94 طالبًا فقط؛ موزعون على 16 تخصصا علميا وإنسانيا، ما يهدد بفقدان جيل كامل من الكوادر العلمية
وعن محاولات الحل، يشير الحمودي إلى أن مكتب التربية يصل دائمًا إلى “نتائج مغلقة” فعند محاولة دمج بعض المدارس الثانوية لتقليل العجز، يواجهون رفضًا مجتمعيًا قاطعًا؛ مما يترك المواطنين أمام خيار وحيد وهو تحمل عبء توفير المعلمين بأنفسهم عبر المساهمات الشهرية، ويؤكد الحمودي أن دور المغتربين “ضئيل جدًا” ومقتصر على قرى محدودة، وأن الاعتماد الأكبر يقع على كاهل الآباء
تتجه المطالب لإنصاف المعلمين البدلاء نحو وزارة التعليم، التي تستمر في التغاضي عن قطاع يحتضر
ويحذر الحمودي في ختام حديثه من أن استمرار هذا الوضع سيعني تحوّل جميع المدارس الحكومية إلى مدارس شبه أهلية يدفع المواطن تكاليفها كاملة
ومع غياب أي خطة تنفيذية لإنهاء الانقسام المالي، يبقى المعلم الرسمي مهاجرًا، والمعلم البديل عمودًا فقريًا هشًا، بلا ضمانات
وهذا ما يجعل مستقبل ملايين الأطفال معلقًا على “يد واحدة” تقاوم الانهيار، تمامًا مثل يد المعلم سيف في جبال تعز
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن