ترامب وحرب إيران: الدرس الذي تعلّمه من الحوثيين - [ترجمة خاصة]
منذ 3 أشهر
تخاطر الولايات المتحدة بالانخراط في حرب مع إيران بدأت فعليًا منذ أكثر من سبعين يومًا، أواخر فبراير، لتكتشف لاحقًا أن القوة العظمى الأولى في العالم قد تجد نفسها عاجزة عن تحقيق نصر حاسم
فعلى الرغم من أن واشنطن وإسرائيل قد تحققان مكاسب تكتيكية أولية عبر الضربات الجوية المنسقة، والعمليات السيبرانية، واستهداف القيادات، فإن البيئة الاستراتيجية الأشمل تبدو أكثر تعقيدًا وأقل ملاءمة مع مرور الوقت
الحروب لا تُحسم فقط بالنجاحات المبكرة في ساحات القتال، بل تُحسم أيضًا بالشرعية السياسية، ووضوح الأهداف الاستراتيجية، والقدرة على الاستمرار طويلًا
ومن نواحٍ كثيرة، تبدو المواجهة المتصاعدة مع إيران شبيهة بشكل متزايد بمواجهة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السابقة مع الحوثيين في اليمن عام 2025، حين فشل التفوق العسكري الساحق في تحقيق نتائج سياسية حاسمة
فعلى الرغم من إطلاق ضربات واسعة والتعهد بإعادة فرض الردع، انتهت إدارة ترامب إلى قبول وقف إطلاق نار بوساطة عُمانية مع الحوثيين، بعدما اتضح أن استمرار التصعيد سيؤدي إلى تكاليف متزايدة دون ضمان تحقيق نصر واضح
واليوم، يبدو أن النمط ذاته يتكرر، ولكن على نطاق أوسع وأكثر خطورة، في المواجهة مع إيران
ما بدا في البداية استعراضًا للهيمنة الأمريكية يتحول تدريجيًا إلى معضلة استراتيجية، قد تكتشف خلالها واشنطن أنها قادرة على إلحاق الأذى بإيران، لكنها غير قادرة على إعادة تشكيل الحقائق السياسية في المنطقة بالقوة العسكرية وحدها
في بداية الصراع، بدا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعتقدان أن مزيجًا من الضربات الدقيقة والعقوبات والعزلة الدبلوماسية والضغط النفسي قادر على إخضاع طهران
ويستند هذا المنطق إلى نمط مألوف تكرر مرارًا في التدخلات العسكرية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة
الافتراض الأساسي هو أن التفوق العسكري والتكنولوجي الكاسح قادر على تغيير الحسابات السياسية للخصوم بسرعة، وإجبارهم على التفاوض من موقع ضعف
لكن الشرق الأوسط أثبت مرارًا أن التفوق العسكري لا يتحول تلقائيًا إلى نجاح استراتيجي
فالعراق وأفغانستان وليبيا، وحتى الحملة الطويلة ضد الحوثيين، جميعها كشفت حدود القوة الأمريكية عندما تواجه خصومًا مستعدين لتحمل خسائر كبيرة مقابل البقاء على المدى الطويل
وتُعد إيران خصمًا أكثر صعوبة في الإخضاع، لأن عقيدتها الأمنية بُنيت عبر عقود من العقوبات والعزلة والضغوط الخارجية
وعلى خلاف دول أضعف انهارت بعد الصدمات العسكرية الأولى، أمضت طهران سنوات في بناء قدراتها على الصمود من خلال الحروب غير المتكافئة، والردع الصاروخي، والتكيف الاقتصادي
يدرك القادة الإيرانيون أنهم لا يحتاجون إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا بالمعنى التقليدي
فهدفهم أبسط بكثير وأكثر قابلية للتحقق تاريخيًا: الصمود لفترة كافية تستنزف الصبر السياسي لواشنطن وحلفائها
وهذا هو المنطق ذاته الذي أحبط الأهداف الأمريكية في العراق وأفغانستان، حيث كانت الولايات المتحدة تنتصر تكتيكيًا في المعارك، لكنها تفشل في بناء نتائج سياسية مستقرة تتماشى مع أهدافها الأصلية
وتشير التطورات الأخيرة المتعلقة بالمناورات الدبلوماسية التي يقودها ترامب إلى أن واشنطن بدأت تدرك بالفعل مخاطر التصعيد المتزايد
فالتقارير التي تحدثت عن جهود وساطة متجددة عبر سلطنة عُمان، وقنوات اتصال غير مباشرة مع طهران، تكشف أن البيت الأبيض يبحث بهدوء عن آليات لاحتواء الصراع قبل أن يتجاوز حدود السيطرة
ويشبه هذا التحول ما حدث سابقًا في اليمن، عندما تراجعت الإدارة الأمريكية عن خطابها التصعيدي وحملاتها الجوية المكثفة لصالح المفاوضات، بعدما أدركت أن العمليات العسكرية المستمرة لا تحقق عائدًا استراتيجيًا حاسمًا
ففي الحالتين، بررت الولايات المتحدة تدخلها العسكري باعتباره ضروريًا لاستعادة الردع وإظهار القوة، لكنها وجدت نفسها عمليًا مضطرة للعودة إلى المسار الدبلوماسي بدلًا من تحقيق نصر كامل
تكمن المشكلة بالنسبة لواشنطن في أن إيران تمتلك عمقًا استراتيجيًا أكبر بكثير من الحوثيين
فطهران لا تزال تحتفظ بقدرات صاروخية كبيرة، ونفوذ إقليمي واسع، فضلًا عن قدرتها على تهديد ممرات الطاقة الحيوية مثل مضيق هرمز
وأي حرب طويلة الأمد ستترتب عليها تداعيات اقتصادية عالمية خطيرة
فحتى الاضطرابات المحدودة في خطوط الملاحة الخليجية قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وزعزعة الأسواق المالية، وزيادة الضغوط على الاقتصادات الغربية التي تواجه أصلًا حالة من عدم اليقين الجيوسياسي
وهذا يفسر تردد العديد من حلفاء الولايات المتحدة في دعم حرب أوسع ضد إيران
فالحكومات الأوروبية، على وجه الخصوص، لا تزال شديدة الحذر بعد تجارب العراق وأفغانستان، حيث تحولت الحملات العسكرية الطموحة إلى إخفاقات سياسية طويلة ومكلفة
وثمة مشكلة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في غياب تصور سياسي واضح لنهاية الصراع
فالحملات العسكرية الناجحة لا تحتاج فقط إلى تفوق عملياتي، بل إلى رؤية واقعية لما يُعد انتصارًا
وفي حالة إيران، تبدو الأهداف غامضة بشكل متزايد:هل المطلوب تغيير النظام؟ أم احتواء البرنامج النووي؟ أم استعادة الردع؟لكل هدف من هذه الأهداف متطلبات وموارد والتزامات سياسية مختلفة
ومن دون وضوح، قد يتحول التصعيد العسكري إلى عملية مستمرة بذاتها، حيث تتواصل العمليات التكتيكية دون الوصول إلى تسوية استراتيجية مستدامة
وهذا تحديدًا هو الفخ الذي قوض العديد من التدخلات الأمريكية السابقة في الشرق الأوسط
كما يزيد البعد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة من تعقيد المشهد
فقد قدّم ترامب نفسه طويلًا بوصفه رئيسًا يعارض الحروب المفتوحة والتدخلات الخارجية المكلفة
وأي مواجهة عسكرية مطولة مع إيران ستتعارض مباشرة مع هذه الصورة السياسية
فارتفاع النفقات العسكرية، واضطراب أسواق الطاقة العالمية، واحتمال سقوط قتلى أمريكيين، كلها عوامل قد تؤدي تدريجيًا إلى تآكل الدعم الداخلي لاستمرار التصعيد
ولهذا يجد ترامب نفسه أمام تناقض واضح: الرغبة في إظهار القوة خارجياً، مقابل تجنب الأعباء السياسية لحرب شرق أوسطية جديدة بلا نهاية واضحة
وهذا ما يفسر سعي الإدارة المتزايد إلى تصوير وقف إطلاق النار والمفاوضات باعتبارها نجاحًا في عقد الصفقات، لا تراجعًا استراتيجيًا
ومن هنا تبرز أهمية المقارنة مع الحوثيين
ففي اليمن، دخلت الولايات المتحدة الصراع وهي تتحدث عن حسم عسكري سريع، لكنها انتهت إلى القبول بخفض التصعيد لأن كلفة المواجهة المفتوحة أصبحت أكبر من فوائدها
أما مع إيران، فالمخاطر أكبر بكثير، والخصم أقوى، وتداعيات سوء الحسابات أكثر خطورة
وإذا انتهت واشنطن في نهاية المطاف إلى الانتقال من التهديد بالقوة الساحقة إلى التسوية التفاوضية، فلن يكون ذلك بالضرورة لأن إيران هزمت الولايات المتحدة عسكريًا
فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك تفوقًا عسكريًا تقليديًا هائلًا، لكن تاريخ الحروب الحديثة أثبت أن القوة النارية وحدها نادرًا ما تكفي لتحقيق نجاح سياسي دائم
* الكاتب بيني سوكاديس يعمل مستشارًا في شركة مارابي كونسلتنغ ادفيزوري في جاكرتا، ومتخصص في قضايا الأمن والدفاع والسياسات الاستراتيجية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ